اخر الاخبار

مع إستمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتصاعد المواجهات والقصف المتبادل بالصواريخ البالستية للبنية التحية ولمنشاَت الطاقة، يتعاظم الخطر ويعمّ القلق والخوف وسط شعوب منطقة الخليج من احتمال وقوع كارثة نووية تنجم عن إستهداف المنشاَت النووية في المنطقة.

  إن مخاطر التلوث الإشعاعي على جيران إيران كانت ومازالت قائمة منذ أن هاجمت إسرائيل وأمريكا إيران في حزيران 2025 وقصفتا المنشاَت النووية الإيرانية، وكررتا ذلك في حرب 28/2/2026 المستمرة حتى اليوم، غير مباليتين بخطر حدوث تسرب إشعاعي يهدد الدول المجاورة، رغم تحذير الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تأثر المفاعلات الإيرانية بالقصف، وثمة مخاوف من حدوث تسرب إشعاعي جراء القصف المتبادل للمنشآت النووية في كلا البلدين، خاصة وأن خطر التلوث الإشعاعي لن يقتصر على إيران وإسرائيل فقط بل يمتد إلى الدول المجاورة لهما في المنطقة كسوريا ولبنان والأردن والعراق، وجميع دول الخليج، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية وصحية خطيرة جداً.

  وبدا جلياً، وبتأكيد الخبراء العسكريين المحايدين، فشل عنجهية وغطرسة المهووس ترامب والصهيوني الفاشي نتنياهو في تحقيق ماَربهما وفرض سيطرتهما على المنطقة. وللتغطية على فشلهما الذريع يواصلان عدوانهما السافر المهدد للسلم والأمن الدوليين.وقد يرتكبا جريمة تلويث المنطقة بالإشعاع المميت،لاسيما وقد هددا قبل أيام بمهاجمة منشآت استراتيجية ومواصلة تعميق الضربات على إيران.

  وفعلآ أعلن الجيش الإسرائيلي في يوم 3/3/2026 أنه "دمّر منشأة نووية" شرق طهران، حيث قصف مجمعاً بذريعة أن النظام فيه "كان يعمل على تطوير القدرات اللازمة" للأسلحة النووية.

وحذرت موسكو من أن (محطة بوشهر النووية) تتعرض لتهديد جراء الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، في وقت رصدت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 4/3/2026 أضرارا في مبنيين قرب موقع أصفهان النووي جراء الهجمات. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن محطة بوشهر تتعرض لتهديد جراء الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، وأضافت أنه يمكن سماع دوي ‌الانفجارات على بعد كيلومترات من محيطها، وعبّرت عن أمل موسكو في أن تقدم الوكالة ‌تقييما موضوعيا للمخاطر النووية ‌التي ‌تشكلها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

وأعلنت القناة 12 الإسرائيلية أن "المختبرات النووية "بطهران كانت ضمن أهداف غارة يوم 9/3/2026، وفي 10/3/2026 أقر المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف أن الولايات المتحدة "دمرت المراكز الإيرانية الرئيسية للتخصيب والتحويل في نطنز وأصفهان وفوردو".

  ونقلت "بديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن قادة عسكريين أن الجيش الإسرائيلي يخطط لتوسيع نطاق عملياته وتكثيف هجماته على البنية التحتية العسكرية والصناعية والتكنولوجية الإيرانية. وأعلن في 12/3/202 استهدافه لموقع "طالقان" النووي. ووفقا للقناة الـ12 الإسرائيلية فان صوراً للأقمار الاصطناعية نشرها "معهد العلم والأمن الدولي"(Science & Global Security) ، أظهرت تعرض موقع عسكري إيراني في مجمع بارشين لهجوم إسرائيلي استُهدف الموقع العسكري المشتبه به " تالكان-2" في مجمع بارشين، بثلاث قنابل خارقة للتحصينات.والذريعة أن الموقع " مرتبط بأنشطة" في البرنامج النووي الإيراني. وكان الموقع قد تعرّض أيضاً لهجوم إسرائيلي في عام 2024.

وفي نفس اليوم أكد رئيس شركة ( روساتوم) الحكومية الروسية للطاقة النووية أليكسي ليخاتشوف بسماع دوي انفجارات على بعد بضع كيلومترات من محطة بوشهر.وقال:"أن القصف ليس موجها ضد المحطة، وإنما ضد المنشآت العسكرية هناك، لكن التهديد يتزايد كلما اشتدت حدة الصراع"( "إنترفاكس"، 10/3/2026).

‌بدورها، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن موقع (نطنز النووي) لتخصيب اليورانيوم تعرض"لبعض الضرر مؤخرا" في ظل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، على الرغم من أنه "من غير المتوقع أن يسفر ذلك عن تداعيات إشعاعية".وأضافت الوكالة أن الضرر تركز في "مباني الدخول" للجزء الموجود أسفل الأرض من الموقع النووي.

إلى هذا،إستغلت أمريكا الحرب على إيران لتجرب أسلحة أميركية حديثة تُختبر لأول مرة، محولة الشعب الإيراني إلى "حقل تجارب حي"، كما حولت الشعب العراقي في عام 1991. فللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران، دخلت مجموعة من الأنظمة القتالية الأميركية الحديثة مرحلة الاستخدام الفعلي في العمليات العسكرية، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في طبيعة الحرب والتكنولوجيا العسكرية المستخدمة في ساحات القتال. فوفق تقارير صادرة عن البنتاغون شهدت العمليات العسكرية الأخيرة استخدام أكثر من 20 نظاما أميركيا مختلفا، من بينها أسلحة حديثة تختبر للمرة الأولى في ظروف قتالية حقيقية.

من جهتها،عقدت إسرائيل في الإسبوع الثاني من الحرب الدائرة، صفقة بـ 298 مليون دولار مع شركة "بوينغ" لتعزيز ترسانتها الجوية، في صفقة تسلّط الضوء على أحدث أكثر الأسلحة الجوية دقة وخطورة في الحروب الحديثة. وبحسب معلومات نقلتها وكالة “بلومبيرغ” عن مصادر مطلعة، فإن الصفقة تتعلق بقنابل GBU 39/B المسماة بـ ”القطر الصغير”، وهي ذخائر موجهة عالية الدقة يمكن إطلاقها من الطائرات الحربية لضرب أهداف بعيدة بدقة كبيرة.

وتزامنا مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل وأمريكا، أعلنت روسيا إجلاء جزء من موظفيها العاملين في محطة بوشهر الكهرو نووية جنوبي إيران، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن المخاطر التي تهدد المنشأة النووية. فقد أعلنت شركة الطاقة النووية الحكومية الروسية (روساتوم) إجلاء نحو 150 موظفا من العاملين في المحطة، مع استمرار عمليات الإجلاء لاحقا، بينما بقي نحو 450 موظفا روسياً في الموقع لتشغيل المنشأة والحفاظ على المعدات الحيوية.

ويُذكر ان المحطة برزت كأحد أكثر المواقع الحساسة في إيران. وهي تقع على ساحل الخليج جنوبي إيران، وهي المحطة النووية الوحيدة العاملة في إنتاج الكهرباء بالبلاد. وقد بنتها روسيا عبر شركة "روساتوم"، كما توفر لها الوقود النووي وتشارك في تشغيلها الفني. ويعمل في الموقع عادة مئات الخبراء الروس الذين يشرفون كذلك على بناء وحدتين إضافيتين في المحطة لتوسيع قدرة إيران على إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية. وفضلا عن أنها مصدر رئيسي للكهرباء في إيران، قد يسبب استهدافها المباشر كارثة نووية إقليمية شبيهة بكارثة تشيرنوبل، وفق تحذيرات روسية سابقة.

وتُظهر خطوة إجلاء روسيا لبعض عامليها في مفاعل بوشهر أن موسكو ترى أن الوضع الأمني في إيران بات خطيرا بما يكفي لاتخاذ إجراءات وقائية. فقد يؤدي استهداف مفاعل بوشهر إلى تداعيات خطيرة تتجاوز حدود إيران. فالمفاعلات النووية تحتوي على مواد مشعة وأنظمة تبريد معقدة يجب أن تعمل باستمرار لمنع ارتفاع حرارة الوقود النووي. وفي حال تضررت أنظمة التبريد نتيجة ضربة عسكرية، فقد ترتفع حرارة قلب المفاعل وتحدث عملية انصهار نووي، مما يؤدي إلى تسرب مواد مشعة إلى الهواء والمياه.

ونظرا لوقوع محطة بوشهر على ساحل الخليج، فإن أي تلوث إشعاعي محتمل يتسرب منها قد يؤثر على البيئة البحرية ومصادر المياه في دول المنطقة، إضافة إلى المخاطر الصحية على السكان.

عموماً، أصبح خطر التعرض للإشعاعات النووية يشكل هاجسًا للدول المجاورة لإيران لما يحمله من أخطارعلى صحة وحياة المديين، خاصة وان دراسة نشرتها مجلة "العلم والأمن العالمي" (Science & Global Security) العلمية، قبل 4 سنوات، بُنيت على آلاف عمليات المحاكاة لما قد يحدث لمدن رئيسية في منطقة الخليج في حال وقوع حريق في برك الوقود النووي المستهلك في محطة بوشهر في إيران أو في محطة براكة في الإمارات العربية المتحدة.وحذرت من مخاطر كارثية، حيث أظهرت المحاكاة أن تلوثاً إشعاعياً واسعاً قد يهدد مدن الخليج الساحلية، يلوث مصادر مياه التحلية، ويعطل الملاحة بمضيق هرمز. 

ووفقا للمشرفين على الدراسة فإن أي حادث نووي في منطقة الخليج قد تكون له آثار تضاف إلى الآثار المتوقعة لأي حادث نووي في أي منطقة في العالم، بسبب ثلاثة عوامل:

أولاً، كثافة السكان في مدن ساحلية، ما قد يعقّد جهود نقل الناس في حال وقوع أي كارثة.

ثانياً، اعتماد دول الخليج بشكل كبير على مياه البحر المحلاة، ما قد يسبب أزمة مياه لكل سكان المنطقة، خاصة أن البحر هناك شبه مغلق، ودورة المياه فيه تحتاج إلى ما بين سنتين وخمس سنوات لتكتمل. ومع أن بعض معامل التحلية يمكنها التعامل مع هذا التلوث، غير أنها قد تضطر لوقف العمل لفترة معينة في حال وقوع الحادث.

أما العامل الثالث، فهو تركز النشاط الاقتصادي - تحديدا إنتاج ونقل النفط والغاز - في مناطق الساحل وفي مياه الخليج. وقد يؤدي حادث نووي في المنطقة إلى تعطيل مرور السفن في مضيق هرمز، ما قد تكون له آثار كبيرة على هذه الدول.

السيناريو: اعتمد الحادث المحاكى على فرضية اشتعال برك الوقود المستهلك، وهو ما قد ينتج عنه انبعاثات إشعاعية تزيد عن تلك الناتجة عن (كارثة فوكوشيما) اليابانية(BBC News, 18 June 2025)

والمعروف علمياً إن التلوث الاشعاعي لا توقفه الحدود الجغرافية للدول وإنما تنقله الرياح حسب اتجاهاتها إلى عشرات الكيلومترات. والعالم لم ينس بعد كارثة مفاعل تشرنوبيل في أوكرانيا في عام 1986 وكارثة مفاعل فوكوشيما باليابان عام 2011، وما سبباه من كوارث بيئية وصحية ونفسية رهيبة.

من هنا لابد من التركيز في هذه المرحلة الدقيقة على إجراءات الحماية للدول المعرضة لهذا الخطر، بحيث تكون أولوية لحكوماتها، إذ أن قصف أي منشأة نووية، سيُسبب إطلاق إشعاعات قاتلة في الجو وعلى التربة والمياه وتستمر آثاره القاتلة لعقود طويلة وتتسبب بالعذابات لملايين البشر.

لقد أعلنت دول الخليج أن هيئات الرقابة النووية والإشعاعية تعمل على استقراء استباقي لتداعيات الطوارئ النووية المحتملة على بلدانها، واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لحماية الإنسان والبيئة من الآثار الإشعاعية، وأنها تراقب الحالة الإشعاعية والكيميائية على مدار الساعة. وأعلنت (الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي) أنه تم تفعيل مركز مجلس التعاون لدول الخليج العربية لإدارة حالات الطوارئ جزئياً ضمن إجراءات الاستجابة الإقليمية، وذلك كإجراء احترازي.

وفي العراق أعلنت (الهياة الوطنية للرقابة النووية) عدم وجود مؤشرات لأي ارتفاع في مستويات الإشعاع من إيران. وقال رئيس الهيئة: “تابعنا جميعًا بقلق بالغ العمليات العسكرية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والشرق الأوسط، وقد تم التواصل معنا من مركز الحوادث والطوارئ(IEC) التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية فور نشوب العمليات الحربية للاطمئنان على مستويات الاشعاع المسجلة من خلال كواشف منظوماتنا، لشحة المعلومات الواردة من الجانب الإيراني حول وضع المنشآت النووية”.وأضاف انه “تم تفعيل مركز الطوارئ الوطني ومتابعة منظومات الانذار المبكر التي تغطي المحافظات العراقية وعلى مدى 24 ساعة، بالإضافة إلى متابعة قراءات منظومات الكشف للدول المجاورة”. وأكد “نعمل بكامل إمكانياتنا من خلال غرفة الطوارئ النووية والاشعاعية والتي تضم مختلف الجهات القطاعية والتي هي بحالة انعقاد دائم وبتواصل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

  الإجراءات المذكورة مهمة جداً، لكنها ليست كافية..فان وضع (مراكز الرصد المبكر للتلوث بالإشعاع النووي) في حالة إنذار قصوى، واستمرار عملها 24 ساعة، طيلة فترة الحرب، وإلزامها بإشعار المواطنين عبر نشراتها بالحالة الطبيعية وفي لحظة حدوث التسرب الإشعاعي، إلى أين وصل، وما هي إتجاهات الرياح والمناطق المحتملة لانتقاله إليها، وما إلى ذلك، يتوجب أن ترافقه حملة نشر الوعي وسط عامة المواطنين بما يتوجب عليهم القيام به، فوراً، وفيما بعد، للوقاية من الإشعاع الذي يهددهم. تقوم بالحملة الجهات المتخصصة الأخرى عبر وسائل الإعلام،خاصة المرئية. ولابأس من تكرار الفضائية الواحدة لبث المادة بأوقات مختلفة ليطلع عليها جميع المواطنين. وبذلك تكون الإجراءات الوقائية الجدية متكاملة.

 إن معرفة الإجراءات الوقائية الأساسية في مثل هذه الحالة من شأنها أن تقلّل الخطر بشكل كبير، وتنوير المواطنين بما يتوجب تنفيذه لا يعني إثارة الرعب إطلاقاً، بل بالعكس سيجعلهم يثقون بما ترشدهم إليه الجهات المعنية، ولا يلتفتوا للشائعات المغرضة!