اخر الاخبار

تسعى القوى العسكرية والسياسية في السودان إلى العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل انطلاق الرصاصة الأولى في 15 أبريل 2023، دون أدنى اعتبار للواقع الجديد الذي ستصطدم به مساعيهم أو أحلامهم. على الأقل هكذا يفكر الجيش السوداني، كما تظهر ذلك تصريحات قياداته، التي تقول إن لا بديل للجيش إلا الجيش.

فقد ظل الجيش متمسكاً بذات الشروط التي أعلنها في اتفاق جدة في مايو 2023، والتي تطالب بانسحاب قوات "الدعم السريع" من المواقع التي تحتلها، وحل القوات وتجميعها في أماكن يتم الاتفاق عليها، إلى جانب تسليم السلاح. وفي وقت كان "الدعم السريع" يحتل وسط البلاد ويتحكم في حركة السير بين أطرافها، لم يكن من المنطقي أن يتراجع الجيش عن ذات الشروط، خاصة وهو الآن يتملك زمام المبادرة ويحصر قوات الدعم السريع في دارفور وأجزاء من إقليم كردفان، وتميل الكفة لصالحه في الميدان.

لكن الجيش يخطئ تماماً إذا اعتقد أن إصرار الجماهير على حل "الدعم السريع" يعني بالضرورة موافقتها على عودة العسكر للحكم أو إعادة نظام الإسلاميين إلى السلطة من بوابة ما يسمى بحرب الكرامة. فالقيادات الشبابية أسمعته صوتها الرافض لعودة تنظيم الإخوان المسلمين. ففي خطاب قدمه قائد فيلق البراء، ابن مالك، الجناح العسكري للجماعة الإسلامية بالخرطوم قبل عدة أيام، انطلقت هتافات الشباب المعادية للكيزان.

ووضع الآخرين ليس أفضل من وضع الجيش والجماعات الملتفة حوله وتطمح أن يعيدها اصطفافها إلى جانب الحرب إلى السلطة. في حين إن أفضل الخيارات أمام الجيش هي العودة سالماً إلى الثكنات، وأن تكتفي قياداته بالغنيمة من الوظيفة الميري وإشارات الترقي على كتوف الضباط. وستدرك تلك الجماعات أن عمرها الافتراضي سينتهي مع نهاية الحرب.

ولتحسين وضعها التفاوضي وتعزيز مكانتها في المستقبل، تحاول الحركات المسلحة التي كونت لواء القوات المشتركة أن تبلي بلاء حسناً في الحرب، وهي تدرك أن وضعها في تركيبة السلطة القادمة سيفرضه دورها الحاضر، في حالة استطاع الجيش حسم المعركة عسكرياً. وإذا كانت الوثيقة الدستورية التي مزقها البرهان لن تكون مرجعية للحكم، فلا أظن أن اتفاق جوبا سيقوم بهذا المقام. المرجعية القادمة الجديدة لحكم السودان ستستند إلى نتيجة الحرب أو مائدة التفاوض، وهي مرجعية جديدة؛ من يبقى فيها سوف يسهم في رسم مستقبل البلاد، ومن يخرج سيخرج بلا عودة.

لكن وضع القوى العسكرية والمدنية في المعسكر المقابل للجيش ليس أفضل حالاً. فالدعم السريع كان قد دخل هذه الحرب بفرصة واحدة، وهي النصر واعتقال قيادات الجيش والسيطرة على السودان. واتضح أن كل ذلك أحلام لم تبنَ على تقدير سليم لمعطيات الواقع العسكري والسياسي والاجتماعي. والواقع الآن يقول إن الجيش قد تحول إلى الهجوم، وأن ميزان القوى العسكرية راجح في مصلحته في ميدان القتال. كما أن الخطوة لم تجد تأييداً سياسياً إلا من أفراد داخل الكيانات السياسية والاجتماعية، ولم تحظَ بتأييد دولي أو إقليمي. ولم يستطع المجتمع الدولي الصمت على الفظائع التي نتجت عن تلك الخطوة.

أما "تحالف صمود" المدني بقيادة عبد الله حمدوك، فقد ظل يخضع للاستيضاح من قبل جماهير الثورة، خاصة في موقفه من الإمارات الداعمة لقوات الدعم السريع وطبيعة الحراك الدولي الداعي للتسوية، وعن ما إذا كانت الترتيبات القادمة ستشمل "الدعم السريع" رغم الفظائع التي ارتكبها بحق المدنيين، والتي تكشفت في الآونة الأخيرة، خاصة بعد سقوط الفاشر ودخول منظمات عالمية ودول غربية وازنة مثل بريطانيا على الخط، واتهامها للدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة جماعية.

وعليه، نستطيع القول إن ربان التسوية لن يستطيع أن يرسو بها على تلك الشواطئ الآمنة التي غادرتها في 15 أبريل 2023. فقد تبدلت المعالم، ولم يعد السودان كما كان، وهناك كتلة صامتة لم يحسب لها أحد حساباً في كل التحركات التي يقوم بها أطراف الصراع، وهي القوى التي أنجزت ثورة ديسمبر 2019، وموقفها الثابت الذي نادت فيه بعودة العسكر للثكنات وحل مليشيا الجنجويد، إلى جانب رفضها لسياسات حمدوك الاقتصادية.

هذه الكتلة هي التي ستفرض على الجميع أوضاعاً جديدة لم تكن في حسبانهم، بمن فيهم المجتمع الدولي.