لم تكن علاقتي بالرفيق حميد مجيد موسى (أبو داود) علاقة عابرة بين شابٍ انتمى إلى العمل السياسي وقياديٍ حزبي، بل كانت تجربة وعيٍ وتكوينٍ أثّرت في مساري الشخصي والتنظيمي منذ اللحظة الأولى.
دخلتُ الحزب عام 2008، طالباً في المرحلة الإعدادية، مدفوعاً بعنفوان الشباب ورغبة صادقة في أن أكون جزءاً من فعلٍ يُحدث أثراً. انخرطتُ في صفوف اتحاد الطلبة العام في الشطرة، وعملتُ مع رفاقي على تنظيم الطلبة وتوعيتهم، وأصدرنا جريدة صوت الطلبة وسط ظروف لم تكن سهلة. يومها، واجهتُ ضغوطاً اجتماعية كبيرة بسبب انتمائي السياسي، وراودتني أسئلة كثيرة: لماذا أدخل السياسة وأنا شاب رياضي يمكنه أن يعيش حياته ببساطة بعيداً عن التعقيدات؟
جاءت الإجابة في يومٍ لا أنساه.
أبلغنا سكرتير المحلية آنذاك الرفيق علي عويش أن الرفيق أبو داود سيزور الشطرة. استعددنا بحماس، هيأنا اللافتات، ونظمنا الاستقبال. كان حضوره طاغياً كاريزما هادئة لكنها عميقة التأثير. ازدحم المقر بالرفاق والشخصيات الوطنية، وما إن صعد إلى القاعة حتى شعرتُ بأنني أمام شخصية استثنائية. كنت أبتسم دون سبب، فقط لأنني أنظر إلى وجه قائدٍ يحمل تاريخاً من النضال.
جلس وتحدث عن الواقع السياسي وموقف الحزب. كنتُ قد أعددتُ سؤالاً يؤرقني: لماذا يجب على الشباب الانخراط في السياسة؟ قبل أن أطرحه، جاوبني وقال أبو داود ما معناه: «إياكم والابتعاد عن العمل السياسي، فالحياة في جوهرها سياسة. أنتم الأمل في بناء عراق ديمقراطي، ولا تنخدعوا بدعوات الانكفاء». شعرتُ يومها أنه يقرأ ما في داخلي. كانت تلك اللحظة حاسمة في تثبيت قناعتي، ومنذها لم أفكر بالتراجع.
اللقاء الثاني كان في بغداد، في مقر الحزب بساحة الأندلس، خلال حركة التظاهرات الطلابية عام 2013. بصفتي نائب سكرتير اتحاد الطلبة العام، شاركتُ في تظاهرة بجامعة بغداد، ثم ذهبتُ إلى الرفيق رائد فهمي لتقديم تقرير عمّا جرى فطلب مني الذهاب معه إلى الرفيق أبو داود لمشاركة التفاصيل. كنتُ متوتراً وأنا أصعد إلى مكتبه. استقبلني بابتسامته المعهودة، وأمامَه صحفٌ عديدة يطالعها بدقة يومية وبحضور الرفيق جاسم الحلفي.
استمع لتقريري باهتمام، ثم فاجأني بسؤال مباشر هل وضّحتم للطلبة السبب الجوهري لهذه الأزمات؟ هل قلتم لهم إن المحاصصة الطائفية هي أصل المشكلة؟
لم يكن السؤال عابراً، بل درساً سياسياً عميقاً. قال لنا إن دعم المطالب اليومية يجب أن يقترن بتوضيح جذورها البنيوية، وأن أزمة المحاصصة إن استمرت ستقود إلى مآلات خطيرة. خرجتُ من ذلك اللقاء بفهمٍ أعمق لطبيعة العمل السياسي ليس فقط تضامناً، بل تشخيصاً صريحاً للعلّة.
في السنوات اللاحقة، ومع تراجع مسؤلياته الحزبية بسبب وضعه الصحي، ظل حضوره المعنوي طاغياً. في كل جلسة سياسية كنّا نستمتع بتحليلاته، ندوّن مواقفه، ونعتبرها مرجعاً لنا في المراحل اللاحقة. شخصياً، كلما واجهنا نقاشاً حاداً حول تحالفٍ أو موقفٍ سياسي، كنت أطرح السؤال ما هو موقف الرفيق أبو داود؟ إيماناً بعقليته الراجحة وبوصلته الوطنية الواضحة.
كنتُ أتمنى أن ألتقيه في الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب، لكن خبر رحيله كان صاعقاً.
برحيله، لم نخسر قائداً حزبياً فحسب، بل خسر العراق شخصية وطنية مناضلة كرّست حياتها من أجل عراق مدني ديمقراطي. أما نحن، فقد خسرنا معلماً في الثبات والوضوح والشجاعة الفكرية.
أيها الرفيق العزيز، منك تعلّمنا أن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون موقعاً تنظيمياً، وأن وضوح الرؤية هو أساس الصمود.
نم قرير العين… فأنت حاضر في ذاكرتنا، وفي وعينا، وفي كل خطوة نخطوها نحو شعارنا الذي آمنتَ به وطنٌ حرّ وشعبٌ سعيد.