اخر الاخبار

يطفر هذا السؤال بسهولة أمام كل منا، وهو موجه ليس فقط إلى الحكومات العراقية المتعاقبة طيلة اكثر من قرن، بل إلى مجتمعنا بكل شرائحه وطبقاته، بعد أن تراجعت العدالة الاجتماعية بشكل سافر جدا فينا، ونحن نحتفل في هذا اليوم 20 شباط، حيث يحتفل العالم، باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، الذي أقرته الجمعية العامة بموجب قرارها المرقم 62/12 والصادر في 26 نوفمبر عام 2007، وتم الاحتفال به رسميا من قبل الجمعية بدورتها ال 63 لعام 2009، ليكون يوما يدعون فيه العالم إلى تحقيق مبدأ العدالة في توزيع الثروات، ومكافحة الفقر والبطالة، والاخذ بمبدأ المساواة بين الجنسين، وغيرها من الأنشطة التي تؤدي إلى اتصاف الانسان، واشاعة مبدأ تكافؤ الفرص في الوظائف العامة .

إن غياب العدالة الاجتماعية في بلادنا لا تختص به فقط الحكومات، وانما تراجعها يبدأ من العائلة، مرورا بالمحلة والقبيلة وصولا إلى المجتمع، وهنا لا يمكن تجاهل ما مر به مجتمعا من سلوكيات، على مر تأريخه، بدءا من الحقبة الاستعمارية بداية القرن الماضي مرورا بسلطة الاقطاع وصولا إلى انقلاب شباط وما تركه من اوضاع اجتماعية مزرية، وما جاء به البعث من حروب ادت إلى انتاج المرحلة الحالية التي هي الاخرى ادت إلى غياب العدالة الاجتماعية بكل تفصيلاتها وان غيابها ايضا يعود إلى الأسرة فهي تمييز بين الابن والابنة، وبين الابن الاكبر والابن الأصغر، والمرأة الريفية هي المنتجة وهي من تتراجع حصتها في الحياة، والحكومات الحالية في بلادنا لا تشعر بغبن شعبها وهي لا تنتبه للعدالة لا في توزيع الثروات ولا في إتاحة فرص متكافئة بين الناس، وان الامم المتحدة تعرف العدالة الاجتماعية، إنها مبدأ اساسي للتعايش السلمي والمزدهر  داخل الدول وفيما بينها، وتقوم على اساس المساواة والانصاف، والتضامن واحترام حقوق الانسان، والكرامة الانسانية وتسعى الامم المتحدة إلى تحقيق التنمية المستدامة، والاخذ بمبدأ المساواة بين الجنسين، وهذه المعايير اليوم مطروحة بدرجات أدنى لدى حكوماتنا بعد مبدأ الحفاظ على العملية السياسية، وان العدالة اليوم لا تتوفر في سلم الرواتب مثلا، او توزيع فرص العمل من خلال مبدأ المحاصصة، وما يترتب على ذلك من استبعاد للكفاءة او الخبرة في أداء الوظائف الحكومية، وان العدالة قد تراجعت حتى في قلة تمثيل المرأة في الوزارات المتعاقبة. اما في مسألة توزيع الثروات، فإنها تمر بإرباك شديد منها قلة فرص العمل في القطاع الحكومي لكثرة التوظيف على أساس الولاء لا وفقا للحاجة وتوفر الدرجة والمخصصات المالية، وتقدمت البطالة المقنعة، وتراجع دور القطاع الخاص في تقديم الدعم للحكومات في استيعاب الفائض من الايدي العاملة بسبب استشراء الفساد وفتح باب الاستيراد .

كيف تتحقق العدالة الاجتماعية

تتحقق العدالة الاجتماعية وفقا للماركسية من خلال الإيمان بالاشتراكية باعتبارها وسيلة تحكم السلوك الاقتصادي بملكية عامة لوسائل الانتاج والتي تشير إلى قلة فرص الفرد في الاستحواذ على الثروات، وان مفهوم الاشتراكية المعاصر والذي تسير عليه جمهورية الصين الشعبية يميل إلى الانتاج التعاوني الواسع الذي يقلل من سيطرة الدولة ويوسع سيطرة المجتمع،  وهذا بدوره يوسع قاعدة الانتاج ويساهم في عدالة توزيع الثروات، ولكن بمقياس العمل باعتباره اساس القيمة، وان من يحكم البلاد وفقا لهذا المفهوم، عليه اليمان المسبق بالتخطيط لما هو أت من الاجيال  وهذا ما هو المطلوب من الحكومات العراقية ومجالس النواب من خلال ما تشرعه من  قوانين وقرارات  تمهد السبيل لإعادة النظر بدور القطاع العام المعطل  بإقامة تنمية مستدامة في كافة الانشطة الاقتصادية سيما الزراعة ، الصناعة، واليوم يضاف إليها نشاط توفير المياه بعد أن اصبح العراق اولا من بين الدول المهددة بالتصحر،  وان تتنبه الحكومات نحو الاتيان بالمختصين بالاقتصاد والأرقام،   لا أن تظل دائرة في ترف السياسة وبروج الاحلام، وان تأخذ على عاتقها إشاعة العدالة الاجتماعية بين المحافظات في مسألة التشجيع على اقامة المصانع والورش ومزارع حكومية في القصبات والنواحي ومراكز الأقضية،  وان تبعد الايدي العاملة والباحثة عن العمل عن بغداد والمدن الكبرى .

أن العدالة الاجتماعية هي الرافع الاقتصادي لاي مجتمع، وأنها لا تتحقق في كل غياب القطاع التعاوني، الذي صار اليوم من أهم وسائل النهضة الصناعية والزراعية والتسويقية في اوربا، سيما في بريطانيا والمانيا وفرنسا واسبانيا، وانه قطاع يقع تحت اشراف الدولة ولكن بأيادي محلية معنية، وعادة ما يتحقق عائدها الاقتصادي من خلال النقابات العمالية والجمعيات التعاونية . كما أن دخول جمعيات الاسكان كان وراء نهوض العمران الريفي ، أما السكن الصناعي فإنه يترافق اليوم مع بناء المصانع والورش، فالعدالة الاجتماعية صارت هدفا تسهر عليه الدول وتشيعه بين ابنائها، ووسيلة لإيجاد المساواة بين البشر، فعلى الدولة أن تؤمن بمبدأ العدالة الاجتماعية ، وتأخذ به في كل مرافقها في قادم الايام والحليم تكفيه إشارة الإبهام.