اخر الاخبار

يتسارع التصعيد العسكري في اليمن بصورة تهدد بإعادة البلاد إلى حرب واسعة، بعد التقدم الذي أحرزته جماعة أنصار الله (الحوثيون) على الساحل الغربي وسيطرتها على مدينة المخا ومناطق وجزر استراتيجية قرب مضيق باب المندب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع المواجهة إقليمياً وانعكاساتها على حركة التجارة والطاقة العالمية، بينما يبقى المدنيون اليمنيون الطرف الأكثر تضررا من هذا الصراع.

المشهد الميداني

تقول مصادر يمنية، إنّ الحوثيين سيطروا على مدينة المخا، قبل أن يتقدموا باتجاه جزر حنيش، ثم وصلوا إلى منطقة ذباب وجزيرة بريم، وهي مواقع تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب. ولم تُعلن الجماعة حتى الآن إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية، بل أكد متحدث باسمها أن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر ما زالتا آمنتين، مع استمرار ما وصفه بعمليات محددة تستهدف سفناً سعودية.

في المقابل، أعلنت القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً استعدادها لشن هجوم مضاد لاستعادة المناطق التي خسرتها، فيما تصاعدت الغارات السعودية على مواقع الحوثيين. وامتد القتال إلى مناطق الساحل والجزر القريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

الممر الذي يقلق العالم

تكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود الحرب اليمنية الداخلية، بسبب الموقع الجغرافي لباب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد جزءاً أساسياً من طريق التجارة بين آسيا وأوروبا. ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه طرق الطاقة العالمية اضطراباً بسبب توسع رقعة الصراع في المنطقة، وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، مما يفتح الباب لاحتمال تعرض ممر بحري ثانٍ لضغوط إضافية، قد ترفع تكاليف النقل والطاقة على مستوى العالم.

لكن حصر النظر إلى هذه القضية في بعدها الاقتصادي المتعلق بأسعار النفط والملاحة يحجب جانباً لا يقل أهمية: فاليمن يعيش أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في العالم، وأي اتساع للحرب يعني مزيداً من النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية لملايين السكان. 

أزمة إنسانية متصاعدة

وحذّرت منظمة أوكسفام من أن التصعيد الأخير يهدد المدنيين في اليمن بمزيد من النزوح والجوع وفقدان الأرواح، مشيرة إلى نزوح أكثر من 5600 أسرة خلال أيام قليلة من القتال.

وتقول المنظمة إن نحو ثلثي سكان اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وإن آلاف الأشخاص يواجهون خطر المجاعة، في وقت تهدد العمليات العسكرية بتعطيل وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين.

وتُظهر بيانات منظمة الهجرة الدولية حجم النزوح الذي كان قائماً حتى قبل أحدث موجة من التصعيد؛ فقد رصدت المنظمة نزوح 2250 أسرة (نحو 13,500 شخص) بين 30 آب و5 أيلول فقط، وكانت محافظة تعز الأكثر تضرراً بنزوح نحو 1936 أسرة داخلها أو إليها. ومنذ بداية العام وحتى 5 أيلول، سجلت المنظمة نزوح أكثر من 5000 أسرة.

تحركات إقليمية ودولية

في تطور يعكس حجم القلق السعودي من التقدم الحوثي، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال اتصالين هاتفيين، دعماً عسكرياً لضرب الحوثيين، بحسب مصادر نقلتها وكالتا "رويترز" و"أكسيوس". ولم يوافق ترامب على تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة، بينما عرضت واشنطن تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف. وفي السياق ذاته، وصل قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية لإجراء اجتماعات عاجلة للتنسيق بشأن التطورات في اليمن.

وتكشف هذه التحركات أن واشنطن تسعى إلى تحقيق توازن بين حماية مصالحها في الملاحة والطاقة، وتجنّب فتح جبهة عسكرية مباشرة جديدة مع الحوثيين، في وقت تخوض فيه مواجهة أوسع مع إيران على أكثر من ملف.

من جانبها، دانت الحكومة الإسبانية هجمات الحوثيين ضد القوات الحكومية اليمنية والبنى التحتية المدنية في السعودية، ودعت إلى خفض التصعيد مع التأكيد على أهمية حماية الملاحة الدولية، في تحرك يعكس قلقاً دولياً متزايداً من اتساع دائرة الحرب.

وفي المقابل، تواصل إيران دعمها السياسي لجماعة الحوثي، بينما تتهمها مصادر إقليمية بتقديم تمويل وأسلحة ومشورة عسكرية للجماعة، وهو ما تنفيه طهران جزئياً، مؤكدة أنها لا تدير العمليات الحوثية بشكل مباشر.

وتشير تقارير لوكالة "رويترز" إلى أن مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية تحدثت عن دور للحرس الثوري الإيراني في تقديم التوجيه والدعم خلال الهجوم الأخير، دون أن يعني ذلك تأكيداً قاطعاً لهذه الروايات.

اليمنيون وحدهم يدفعون الثمن

تحول اليمن مجدداً لساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية: السعودية تسعى لمنع تحوّل باب المندب إلى تهديد مباشر لصادراتها وأمنها القومي، وإيران تحاول تعزيز أوراق ضغطها في مواجهتها الأوسع مع واشنطن، بينما تضع الولايات المتحدة حرية الملاحة وأمن طرق الطاقة في صدارة أولوياتها. وكل طرف من هذه الأطراف يقدّم روايته ومبرراته الخاصة لتحركاته، وهي روايات متعارضة يصعب الفصل فيها دون مزيد من التحقق المستقل.

لكن بمعزل عن حسابات هذه القوى، تبقى الحقيقة الثابتة أن استمرار تحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي ودولي يضاعف مأساة مجتمع أنهكته سنوات من الحرب والفقر والنزوح. فأمن الملاحة الدولية وأمن الإنسان اليمني ليسا قضيتين منفصلتين، بل مهددان معاً، إلا أن المدنيين هم من يدفع الثمن المباشر والأثقل في نهاية المطاف.

وتُجدّد أوكسفام تحذيرها من أن استمرار التصعيد سيعمّق الجوع والنزوح ويعرقل وصول المساعدات، داعية جميع أطراف النزاع - دون استثناء - إلى حماية المدنيين، وفتح الطرق أمام المساعدات الإنسانية، والبحث عن حل سياسي ينهي هذه الحرب المستمرة منذ سنوات.