يُلقي رؤساء الدول والحكومات الأوروبية باللوم على اختلال التوازن في الاقتصاد العالمي لتراجع الإنتاج الصناعي والتوظيف. لكن ما يقصدونه في الواقع هو أن لديهم مشكلة مع الصين، التي يدفع مصنّعوها المنتجين الأوروبيين إلى الخروج من السوق في قطاعات عديدة. إنهم يتحدثون عن نسخة ثانية من "صدمة الصين ".
يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التيار المتشدد تجاه الصين، والذي يطالب بآليات دفاع تجاري على غرار النظام الأمريكي لمواجهة هيمنة صينية على الصادرات. وقد سعى إلى استغلال رئاسة فرنسا لمجموعة السبعة لتحقيق موقف موحد ضد الصادرات الصينية.
كانت ألمانيا من بين دول قليلة في الاتحاد الأوروبي حققت فائضاً تجارياً مع بكين. إلا أنه خلال السنوات القليلة الماضية، انقلبت المعادلة، وأصبحت تعاني من عجز. ويسعى المستشار الالماني فريدريش ميرتس إلى: "إخراج اقتصادنا من هذه الحالة المتردية". ولذلك، يُطالب العمال الألمان بالعمل لساعات أطول وتقليل أيام الإجازات المرضية. وإلغاء العمل بدوام جزئي، وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يومياً، وإلغاء الإجازات المرضية. ولكنه يُحمّل الصين أيضاً جزءاً كبيراً من فقدان فرص العمل في قطاع الصناعة الألماني. ويتهم بخفض قيمة العملة الصينية، أقل من قيمتها الحقيقة، بنسبة 20 -30 بالمائة، ليبرر تسريح شركة "فولكس فاكن العمال الجماعي.
خيارات
ومن بين الخيارات التي تدرسها المفوضية الأوروبية ما يُسمى بـ „"أداة الطاقة الإنتاجية الفائضة" لتقييد وصول الصناعات الصينية قوية التنافس إلى السوق. كما تدرس المفوضية أيضًا اتخاذ تدابير تجارية إضافية ضد الواردات. يتمثل أحد الخيارات المتاحة فرض حصص استيراد ورسوم كمركية إضافية لحماية الصناعات الأوروبية الرئيسية. من المنافسة الصينية.
وتحت ستار "استقرار السوق"، يجري استحداث أداة قانونية تُمكّن الاتحاد الأوروبي من استبعاد قطاعات أو مجموعات منتجات كاملة من دول أخرى من السوق الأوروبية بشكل استباقي، وذلك وفقًا لمبدأ رجعي: فكلما كان المنتج المنافس أرخص وأكثر إنتاجية، زادت احتمالية استهدافه بتقييد سياسي. يكتب المحلل الفرنسي أرنو بيرتراند: "باختصار، ينص هذا القانون على أنه إذا كانت المنتجات الصينية جيدة لدرجة أن الناس يرغبون في شرائها، فهذا سبب كافٍ لحظرها".
إن الأثر الاقتصادي لهذه الآليات الحمائية واضح: فهي ترفع الأسعار، مما يؤدي بالدرجة الأولى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة للعاملين. بالنسبة للأفراد، تعني هذه السياسة ارتفاع الأسعار. فإذا مُنعت الواردات الرخيصة، سيضطرون إلى شراء بدائل أغلى ثمناً. وتعمل هذه التكاليف الإضافية كضريبة غير مباشرة - إعادة توزيع من القاعدة إلى القمة: من المستهلكين إلى رأس المال. إن تنويع المنتجات بعيداً عن المورد الأرخص يزيد التكاليف ويضر بالنمو. علاوة على ذلك، فبينما قد يؤدي فرض حواجز تجارية ضد الصين إلى استقرار أرباح الشركات الأوروبية، فإنه سيُرسّخ أيضاً الفجوة التكنولوجية والإنتاجية بينها وبين الشركات الصينية.
رؤية موضوعية
ينبغي تصميم السياسة التجارية على نحو معاكس تماماً: لا كغطاء لزيادة الأرباح، بل كوسيلة لتنظيم تقسيم العمل الدولي بما يخدم مصالح المجتمع. ويعني هذا تحديداً تنظيم الوصول إلى التقنيات الأساسية والطاقة والسلع الوسيطة بما يضمن أمن الإمدادات والأهداف البيئية والمعايير الاجتماعية، وعدم استبعاد المنتجين الأكثر كفاءة لمجرد أنهم يضغطون على شروط استغلال رأس المال الأوروبي.
تُعدّ صناعة السيارات مثالاً جيداً: فالسيارات الكهربائية الصينية تتفوق حالياً على السيارات الألمانية، وهذا ليس بسبب الدعم الحكومي. فكيف إذن يُفيد معاقبة الصين على قدرتها التنافسية صناعة السيارات الألمانية؟ الأجدى بكثير هو تبني مبادرات للتعلم من أفضل الممارسات، كالشراكات التقنية وإنشاء مصانع صينية في أوروبا. إن فكرة حل المشكلة بمقاطعة الصين وتقييد استثماراتها في أوروبا بناءً على طلب الحكومة الأمريكية هي فكرة خاطئة تماماً.
رفض صيني
رفض رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ فكرة أن صادرات الصين تُشكّل تهديدًا. وقال في مؤتمر المنتدى الاقتصادي العالمي في داليان، شمال شرق الصين، في حزيران: "إنّ التقنيات والمنتجات الصينية في القطاعات الناشئة ليست صدمة للعالم، بل هي فرصة؛ إنها ليست تهديدًا، بل عامل تمكين". وأضاف أنه بدلًا من التركيز على "صدمة الصين 2.0"، ينبغي أن ينصبّ التركيز على "فرص الصين2.0 ".
أوضح لي في خطابه أن بكين لا تنوي معالجة الشكاوى الأوروبية بشأن فائض الصادرات الصينية الكبير. "يكمن سرّ تنافسية المنتجات الصينية الحقيقي في تحقيق اختراقات في البحث العلمي، وليس، كما يتكهن البعض، في الدعم الحكومي بالدرجة الأولى". فالحكومة الصينية ببساطة لا تملك الأموال اللازمة لذلك.
إنّ التكافل بين الابتكار وإنتاج المنتجات المتطورة تقنيًا هو أساس تنافسية الصين. تُخرّج الصين سنوياً نحو سبعة ملايين طالب في مجالات العلوم الطبيعية والهندسة والزراعة والطب. وقد تحقق تقدم الصين في استكشاف الفضاء والذكاء الاصطناعي والاندماج النووي وتكنولوجيا الكم بفضل العمل الجاد.