بينما كانت مدينة النجف العراقية تستقبل جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، كانت المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من المواجهة العسكرية، بعدما شنت الولايات المتحدة سلسلة ضربات واسعة على أهداف داخل إيران، لترد طهران بهجمات صاروخية ومسيرات استهدفت قواعد أمريكية في الخليج، في تصعيد يهدد بانهيار كامل لمذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب مؤقتاً.
ترامب: لا جدوى من مذكرة التفاهم
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال لقائه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على هامش القمة المنعقدة في أنقرة، أنه لم يعد يرى جدوى من مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، قائلاً إن واشنطن "أهدرت الكثير من الوقت" في التعامل مع طهران، وإن الوقت قد حان "للقيام بما يجب القيام به"، في إشارة اعتبرها مراقبون إعلاناً عملياً لانتهاء الاتفاق الذي رعته قطر وباكستان في حزيران الماضي.
وقبل ساعات من تصريحات ترمب، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تنفيذ سلسلة ضربات جوية وصفتها بـ "القوية والدقيقة"، مؤكدة أنها جاءت رداً على الهجمات الإيرانية التي استهدفت ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، معتبرة أن تلك الهجمات شكلت انتهاكاً واضحاً لوقف إطلاق النار وتهديداً مباشراً لحرية الملاحة الدولية.
وقالت "سنتكوم" إن العمليات استهدفت أكثر من ثمانين هدفاً داخل إيران، شملت زوارق هجومية تابعة للحرس الثوري، ومنظومات للدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع للرادارات الساحلية، إضافة إلى قدرات الصواريخ المضادة للسفن في المناطق الجنوبية المطلة على مضيق هرمز، مؤكدة أن الهدف من الضربات هو تقليص قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
في المقابل، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية سماع انفجارات في بندر عباس، وجزيرة قشم، ومدينة سيريك، وبوشهر، فيما أكدت السلطات الإيرانية سقوط قتلى وجرحى نتيجة الضربات، واتهمت الولايات المتحدة باستهداف موانئ ومنشآت مدنية ومراكز للرصد الساحلي، وهو ما نفته واشنطن، مؤكدة أن جميع الأهداف كانت عسكرية.
الرد الإيراني على القواعد
ولم يتأخر الرد الإيراني، إذ أعلن الحرس الثوري تنفيذ عملية عسكرية مشتركة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت 85 منشأة عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، شملت مقر الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، كما أعلن إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "MQ-9"، مؤكداً أن جميع القواعد الأمريكية في المنطقة أصبحت أهدافاً مشروعة إذا استمرت العمليات العسكرية ضد إيران.
وأدى الرد الإيراني إلى إطلاق صفارات الإنذار في الكويت والبحرين، فيما أعلنت السلطات الكويتية أن دفاعاتها الجوية اعترضت عدداً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما دعت وزارة الداخلية البحرينية المواطنين والمقيمين إلى التوجه نحو الأماكن الآمنة بعد تفعيل أنظمة الإنذار.
وجاءت هذه التطورات بعد ساعات من تعرض ثلاث ناقلات نفط لهجمات أثناء عبورها مضيق هرمز، ما أسفر عن أضرار محدودة، لكنه أثار ردود فعل خليجية غاضبة، إذ استدعت قطر نائب السفير الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج على استهداف الناقلة القطرية "الركيات"، فيما أدانت السعودية استهداف الناقلة "وديان"، واعتبرت الهجمات تهديداً لأمن الملاحة الدولية.
الموقف الايراني
سياسياً، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن الضربات الأمريكية تمثل خرقاً مباشراً لمذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين، مؤكدة أن واشنطن تتحمل المسؤولية الكاملة عن انهيار مسار التهدئة. كما شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن الولايات المتحدة انتهكت الاتفاق عبر استئناف العمليات العسكرية وإعادة فرض العقوبات النفطية، مؤكداً أن سياسة "الضغط والابتزاز" لن تدفع طهران إلى التراجع.
وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان انتهاء زيارته إلى العراق وعودته إلى طهران بعد مشاركته في مراسم تشييع السيد علي خامنئي في النجف، بالتزامن مع بدء الضربات الأمريكية.
موقف الناتو
وعلى الصعيد الدولي، أيد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته الضربات الأمريكية، معتبراً أنها جاءت رداً على خرق إيران لوقف إطلاق النار عبر استهداف السفن التجارية، كما أكد رئيس الوزراء الهولندي روب يتن ضرورة التعامل بحزم مع أي انتهاك للهدنة، في حين لم تصدر حتى الآن دعوات دولية جديدة لإحياء مسار التفاوض.
ويبدو أن التصعيد الأخير يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة، بعد أن فقدت مذكرة التفاهم التي وُقعت قبل أقل من شهر قدرتها على احتواء الأزمة. ومع انتقال الاشتباك من استهداف السفن في مضيق هرمز إلى تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، ثم امتداده إلى قواعد أمريكية في الخليج، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على أمن الطاقة وحركة الملاحة واستقرار المنطقة بأكملها.