اخر الاخبار

يدخل قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد، لا تقتصر على استمرار الحرب والكارثة الإنسانية، بل تمتد إلى ما يصفه الفلسطينيون بمحاولات إعادة تشكيل القضية الفلسطينية نفسها، عبر استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بالتوازي مع انهيار المنظومة الاقتصادية والمصرفية، وعودة السكان إلى نظام المقايضة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويرى مراقبون أن تزامن هذين التطورين لا يمكن قراءته بوصفه مجرد أزمة إنسانية أو مالية، بل باعتباره جزءاً من واقع يهدد أحد أهم مرتكزات القضية الفلسطينية، وهو ملف اللاجئين وحق العودة.

الأونروا في مرمى الاستهداف

أثار إعلان ما يسمى بـ"مجلس السلام" أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة" موجة رفض فلسطينية وعربية واسعة، وسط تحذيرات من أن إنهاء دور الوكالة الأممية يمثل خطوة تتجاوز البعد الإغاثي لتطال مكانتها القانونية والسياسية.

وأكد حزب الشعب الفلسطيني أن الدعوات إلى إنهاء عمل الأونروا واستبدالها بجهات أخرى ليست منفصلة عن الحرب الدائرة في قطاع غزة، وإنما تأتي في إطار مشروع يستهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، باعتبار الوكالة الشاهد الدولي على نكبة عام 1948، وتجسيداً للمسؤولية القانونية للمجتمع الدولي تجاه اللاجئين.

وشدد الحزب على أن الأونروا ليست مؤسسة إنسانية عادية، وإنما وكالة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار (302) لعام 1949، وأن ولايتها تستمر إلى حين إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار الأممي (194)، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإلغائها أو استبدالها مخالفة للشرعية الدولية.

رفض رسمي وتحذيرات قانونية

وزارة الخارجية الفلسطينية وصفت الأونروا بأنها "شريان الحياة" لملايين اللاجئين الفلسطينيين، مؤكدة أنها مؤسسة أممية غير قابلة للاستبدال، فيما شددت جامعة الدول العربية على أن إنهاء ولاية الوكالة لا يمكن أن يتم إلا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويرى خبراء فلسطينيون أن استهداف الوكالة لا يتعلق فقط بتقديم المساعدات، بل يمس الصفة القانونية للاجئ الفلسطيني، ويهدد حق العودة والتعويض، وهو ما يجعل المسألة تتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد سياسية وقانونية أعمق.

اقتصاد ينهار والمقايضة تعود

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط السياسية على الأونروا، يعيش قطاع غزة انهياراً اقتصادياً غير مسبوق.

فشح السيولة النقدية، وتدمير معظم فروع المصارف، ومنع إدخال الأوراق النقدية، دفع آلاف العائلات إلى العودة لنظام المقايضة، بعد أن أصبحت النقود شبه غائبة عن الأسواق.

وبات السكان يستبدلون الزيت والسكر والدقيق والملابس والأدوات المنزلية بما يحتاجونه من سلع أخرى، بينما امتدت المقايضة حتى إلى المحال التجارية، في ظل عجز السكان عن استخدام النقد أو الحصول عليه.

ويقول نازحون إنهم اضطروا إلى استبدال المواد الغذائية بحليب الأطفال أو المستلزمات الدراسية أو الملابس، بعدما فقدت المحافظ الإلكترونية جزءاً كبيراً من فعاليتها بسبب العمولات المرتفعة والقيود التشغيلية.

انهيار المنظومة المصرفية

وتشير بيانات سلطة النقد الفلسطينية إلى خروج أكثر من 90 في المئة من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي عن الخدمة، نتيجة القصف أو انقطاع الكهرباء والاتصالات، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة المالية داخل القطاع.

كما ظهرت سوق موازية لتسييل الأموال عبر التطبيقات الإلكترونية، حيث وصلت عمولات الحصول على النقد إلى ما بين 30 و50 في المئة، الأمر الذي ضاعف الأعباء على السكان، ودفع سلطة النقد إلى التحذير من هذه الممارسات.

اللاجئون بين الضغوط السياسية والكارثة الإنسانية

يرى محللون أن الجمع بين استهداف الأونروا والانهيار الاقتصادي ليس مجرد تزامن للأحداث، بل يعكس تراكماً لأزمات تضغط على المجتمع الفلسطيني من أكثر من اتجاه.

فبينما تواجه الوكالة الأممية ضغوطاً سياسية تهدد استمرار ولايتها، يعيش ملايين اللاجئين أوضاعاً معيشية غير مسبوقة، مع تراجع الخدمات الأساسية، وانعدام فرص العمل، وغياب السيولة، واستمرار النزوح، الأمر الذي يزيد من هشاشة المجتمع الفلسطيني.

ويؤكد خبراء أن إنهاء دور الأونروا لن يعني فقط فقدان مؤسسة تقدم التعليم والرعاية الصحية والإغاثة، بل سيطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، باعتبار أن الوكالة تمثل الرابط المؤسسي بين المجتمع الدولي وقضيتهم منذ أكثر من سبعة عقود.

مستقبل مفتوح على الاحتمالات

في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، تبدو غزة أمام تحديات تتجاوز إعادة الإعمار أو توفير المساعدات، لتصل إلى مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.

ويرى مراقبون أن الحفاظ على عمل الأونروا، إلى جانب إنقاذ الاقتصاد المحلي وإعادة تشغيل المنظومة المصرفية، يمثلان شرطين أساسيين لتخفيف الكارثة الإنسانية ومنع مزيد من التدهور. وفي المقابل، فإن أي تغيير في وضع الوكالة أو استمرار الانهيار الاقتصادي قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والسياسية والقانونية، وتنعكس بصورة مباشرة على مستقبل ملايين اللاجئين الفلسطينيين.