دخل مسار التفاهم الأمريكي الإيراني مرحلة حساسة بعد تأجيل الجولة الأولى من المفاوضات التي كان من المقرر عقدها في سويسرا، وسط مؤشرات متزايدة على أن الملف اللبناني بات العقبة الرئيسية أمام الانتقال من مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي ودائم بين واشنطن وطهران.
ورغم استمرار الاستعدادات اللوجستية والدبلوماسية في منتجع بورغنشتوك السويسري، فإن الاجتماع المرتقب لم يرَ النور بسبب الخلافات المرتبطة بوقف العمليات العسكرية في لبنان، وهو أحد البنود الأساسية التي تضمنتها مذكرة التفاهم الموقعة أخيراً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن طهران اشترطت رؤية وقف إطلاق النار في لبنان مطبقاً على الأرض قبل إرسال وفدها التفاوضي إلى سويسرا، في وقت أكدت فيه مصادر أمريكية أن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف يستعد للتوجه إلى هناك فور تهيئة الظروف السياسية اللازمة لاستئناف المحادثات.
و أعلن مقر خاتم الأنبياء المركزي في إيران، إغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن، مبرراً الخطوة بما وصفه بـ"إخلال الولايات المتحدة ونكثها الواضح بالتزاماتها بشأن تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب".
وقال المقر، في بيان، إن القرار جاء أيضاً "رداً على الانتهاك المتواصل والمستمر لوقف إطلاق النار" في جنوب لبنان، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التطورات الأخيرة في المنطقة.
إسرائيل في مواجهة الرؤية الأمريكية
أحدث التطورات كشفت أن الخلاف لم يعد مقتصراً على واشنطن وطهران، بل بات يشمل تبايناً واضحاً بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بشأن مستقبل الحرب في لبنان.
فبحسب ما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين، حذرت أجهزة الاستخبارات إدارة ترامب من احتمال قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطوات قد تقوض جهود التوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران. وترى التقديرات الأمريكية أن تل أبيب ما زالت متمسكة بمواصلة عملياتها العسكرية ضد حزب الله، رغم أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الناشئ يستند إلى وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة مع تصاعد التوتر السياسي بين البيت الأبيض وحكومة نتنياهو، إذ تخشى واشنطن أن يؤدي أي تصعيد إسرائيلي جديد إلى انهيار المسار التفاوضي بالكامل وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
تصعيد ميداني يهدد التفاهمات
ميدانياً، جاء تأجيل المفاوضات بالتزامن مع واحدة من أعنف موجات التصعيد في لبنان منذ توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. فقد شهدت مناطق جنوب وشرق لبنان غارات إسرائيلية مكثفة أوقعت عشرات القتلى والجرحى، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده بينهم قائد الكتيبة 52 خلال مواجهات مع حزب الله.
ويعزز هذا التصعيد المخاوف من أن التطورات العسكرية على الحدود اللبنانية قد تتجاوز قدرة الوسطاء على احتوائها، خصوصاً أن إيران تعتبر وقف الحرب في لبنان اختباراً عملياً لجدية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها.
ترامب بين الضغط والتهديد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول في تصريحاته الأخيرة طمأنة الرأي العام بشأن إمكانية احتواء الموقف، مؤكداً أن إسرائيل "تحترمه وستفعل ما يقوله"، لكنه في الوقت نفسه وجّه انتقادات غير مباشرة لنتنياهو، معتبراً أن من الضروري إبقاءه ضمن حدود تمنع تقويض جهود السلام.
وفي المقابل، حافظ ترامب على سياسة العصا والجزرة تجاه طهران، إذ لوّح مجدداً بالخيار العسكري في حال فشل التوصل إلى اتفاق، قبل أن يستدرك قائلاً إنه لا يتوقع الوصول إلى هذا السيناريو.
طهران تتمسك بالتنفيذ أولاً
من جانبها، تؤكد إيران أنها ليست في عجلة من أمرها لعقد الجولة الجديدة من المفاوضات، مشددة على أن نجاح المرحلة المقبلة مرتبط بتنفيذ البنود الفورية الواردة في مذكرة التفاهم. كما تواصل عبر الوسطاء مشاوراتها مع الجانب الأمريكي بشأن آليات الانتقال إلى صياغة الاتفاق النهائي.
وتعتبر طهران أن أي إخفاق في وقف الحرب على الجبهات المختلفة، ولا سيما في لبنان، سيضع مصداقية الاتفاق بأكمله موضع تساؤل، وهو ما يفسر تشددها في ربط استئناف المفاوضات بتغيرات ملموسة على الأرض.
رغم أن واشنطن وطهران نجحتا في الوصول إلى مذكرة تفاهم أولية، فإن الطريق نحو اتفاق نهائي ما زال محفوفاً بالعقبات. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت وقف شامل للصراعات الإقليمية، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر تحفظاً على بعض مخرجات الاتفاق، ما يجعل الساحة اللبنانية نقطة الاختبار الحقيقية لمستقبل التفاهم الأمريكي الإيراني.