اخر الاخبار

في يومي 17 و18 نيسان 2026، استضاف حزب العمل البلجيكي في العاصمة بروكسل المؤتمر الثامن لحزب اليسار الأوربي. اقر قرابة 300 مندوب استراتيجية قائمة على السلام، ونزع السلاح، والضمان الاجتماعي، والتعاون العالمي بدلاً من المواجهة. ومثل المندوبون أكثر من 40 حزباً عضواً ومراقباً وشريكاً في حزب اليسار الأوروبي، يعملون في 20 دولة،. وكان شعار المؤتمر: "كسب المستقبل، ومكافحة التقشف، ووقف العسكرة"، وقد حضره أيضاً ممثلون عن النقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية. وصادق المؤتمر علىانضمام حزب العمال البلجيكي الى حزب اليسار الأوربي.

طبيعة الحزب

حزب اليسار الأوروبي، إطار يعمل بداخله أحزاب شيوعية ويسارية وخضراء يسارية، يعمل الحزب على مستوى القارة الاوربية.  ويضمّ الحزب أحزابًا وتحالفات شيوعية "تقليدية" ويسارية اجتماعية خضراء، ذات مواقف متأثرة بتاريخ بلدانها وقيمها الوطنية.

وعلى الرغم من وجود رؤى متباينة بشأن بعض القضايا السياسية والاقتصادية المنفردة، فإن التحديات التي تواجه هذه الأحزاب في بلدانها وعلى المستوى الأوروبي متطابقة إلى حد كبير. ويُعدّ تقليص المكتسبات الاجتماعية والخدمات العامة ملفا رئيسيا ا مشتركًا. ويرى رئيس حزب الاتحاد الأوروبي، فالتر باير، أن إعادة التسلح والعسكرة هما السبب الرئيسي: "تستنزف برامج إعادة التسلح مبالغ طائلة يفتقدها القطاع الاجتماعي والخدمات العامة، بما في ذلك سياسة الإسكان". لذا، يرى أن النضال من أجل السلام ونزع السلاح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقضايا الاجتماعية.

الاستراتيجية المقرة

تأخذ الاستراتيجية المعتمدة في بروكسل هذا الأمر بعين الاعتبار. وتتنوع فصولها الثلاثة عشر بين النضال من أجل السلام ومكافحة التقشف وتدمير البيئة، وصولاً إلى العدالة بين الأجيال، والحركة النسوية، والزراعة المستدامة التي تضمن الأمن الغذائي. يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة هيكلة شاملة. وتماشياً مع البيان الذي كتبه الشيوعي الايطالي ألتيرو سبينيلي ورفاقه المناهضين للفاشية عام ١٩٤١ في جزيرة فينتوتين الإيطالية، يناضل حزب اليسار الأوروبي اليوم "من أجل اتحاد أوروبي قادر على بناء اتحاد ديمقراطي حقيقي لشعوب أوروبا".

ترى ناتالي ماورر، احدى ممثلات حزب اليسار الألماني في المؤتمر، وهي قانونية ومتخصصة في الشأن الأوربي، أن استراتيجية حزب اليسار الأوروبي تسير على الطريق الصحيح: "أعتقد أننا وضعنا أساسًا متينًا للغاية للعمل المستقبلي من خلال وثيقتنا السياسية"، وتؤكد أن حزب اليسار الألماني ساهم بجدٍّ في صياغة جميع بنود الوثيقة النهائية، حيث قدّم مقترحات وشارك بفعالية في عملية التجديد. وتضيف: "يشمل ذلك، على وجه الخصوص الفصل الخاص بـ " إعادة ضبط، الذي يرسي الأساس لأوروبا سلمية واجتماعية". وعبرت اعجابها بانفتاح النقاش والتوصل إلى ورقة سياسات مشتركة رغم بعض الاختلافات في المواقف. و"بالطبع، الاستراتيجية شاملة للغاية، لكن هناك خيطًا مشتركًا يربط جميع الفصول. وهذا هو الهدف تحديدًا: تحسين حياة جميع الناس، داخل أوروبا وخارجها".

نقد الاتحاد الأوربي

كانت الأصوات المنتقدة للاتحاد الأوروبي واضحةً ولا لبس فيها خلال المؤتمر. لقد هاجم السكرتير العام لحزب العمل البلجيكي بيتر ميرتنز، رئيسة المفوضية الأوروبية الألمانية أورزولا فون دير لاين، مؤكدا أن "مركزية الاتحاد الأوروبي وعسكرته" قد بلغتا مستوياتٍ غير مسبوقة في عهدها. وأضاف أن الوضع سيئًا للغاية في ألمانيا، حيث يتم تمويل إعادة التسلح بالديون، مؤكدًا: ان "لا أحد يستطيع الاستمرار في ذلك".

ووجه كلايس ميكائيل شتال، نائب الأمين العام لاتحاد نقابات العمال الاوربي، انتقادات لاذعة لقيادة الاتحاد الأوروبي، حيث انتقد تقويض حقوق العمال والموظفين تحت ستار تقليص البيروقراطية وتطبيق ما يُسمى بالاتفاقيات الشاملة. وأكد شتال على ضرورة تنظيم إضرابات عابرة للحدود لمواجهة هذا الوضع، مشيراً إلى الحاجة إلى حركة من أجل أوروبا اجتماعية تُعيد الأمل.

حزب للتضامن

تقول ماورر إن من المهم بالنسبة لها أن يتضامن اليسار في أوروبا، حتى خارج حدود القارة. وبالفعل، لعبت ملفات السياسة العالمية دورًا أكبر من مؤتمرات حزب اليسار الأوروبي السابقة. فقد تم التطرق إلى التهديد الذي تشكله الولايات المتحدة على دول أمريكا اللاتينية، ولا سيما كوبا، وكذلك الإبادة الجماعية في غزة، والحروب في السودان واليمن، وأوضاع الشعوب في إيران، وخاصة النساء. وتنص استراتيجية بروكسل على أن "مناهضتنا للإمبريالية تتطلب اتحادًا أوروبيًا يلعب دورًا متوازنًا ووسيطًا في العالم بدلًا من السعي وراء طموحاته الإمبريالية". لكن المندوبين عبّروا عن آرائهم عمليا بواسطة فعاليات التضامن مع كوبا وغزة، بما في ذلك التلويح بالأعلام والهتافات تضامنًا مع الشعوب المُستهدفة والمُهددة.

تحذير من خطر اليمين المتطرف

تحتل مقاولة التحول اليميني في اوروبا موقعا رئيسا في مهام الحزب، وبهذا الصدد قالت يانينا بوتغر، المتحدثة باسم حزب اليسار في البرلمان الألماني خلال جلسات المؤتمر: "كانت المجر بمثابة أرض اختبار لليمين المتطرف، ولا نريد أن نكون التاليين". وحذّرت بوتغر من أن حزب البديل من اجل المانيا اليميني المتطرف قد يُقدّم أول رئيس وزراء لولاية ساكسونيا-أنهالت، مسقط رأسها، بعد الانتخابات المحلية التي ستُجرى في الخريف المقبل.

وجاءت تحذيرات مماثلة من فرنسا، حيث ستجري هناك انتخابات الرئاسة عام 2027.  ويُعتقد أن حزب التجمع القومي اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا، لديه فرصة جيدة للفوز. وانتقد السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل، تضاعف عدد الأثرياء في عهد ماكرون، مُشيرًا إلى أن هذا التفاوت المتزايد يصبّ في مصلحة اليمين.

واكد روسيل، يشعر الفرنسيون بغضب شديد تجاه ماكرون وسياساته التي تُفضي إلى "زعزعة الاستقرار والعسكرة". "لكن هذا الغضب لم يُترجم بعد إلى أفعال". تسعى أحزاب اليسار من ألمانيا وفرنسا ونحو عشرين دولة أخرى، متحدة في حزب اليسار الأوروبي، إلى تغيير هذا الوضع. وقد دعت إلى مظاهرة حاشدة في بروكسل في 14 حزيران المقبل، تحت شعار "الرفاه لا العمل مقابل الأجر".

من جانبه قال السكرتير العام لحزب إعادة التأسيس الشيوعي الايطالي ماوريتسيو أسيربو: "لا يمكن مواجهة ترامب بالالتفاف حول سياسات الحرب ودعم الشركات متعددة الجنسيات في الاتحاد الأوروبي. إن العدالة الاجتماعية وتلبية احتياجات الشعب والطبقة العاملة هما البديل الوحيد لصعود اليمين المتطرف، الذي يخدم مصالح الشركات الكبرى في أوروبا كما في الولايات المتحدة، من خلال استغلال السخط الشعبي ضد المهاجرين. وتقف أحزاب اليسار الأوروبي في طليعة النضال ضد صعود اليمين المتطرف. وان القوى المناهضة للفاشية تطالب بالقطيعة مع سياسات الليبرالية الجديدة وإعادة التسلح والحرب".

تجديد هيكلية الحزب

كان تجديد هيكلية حزب اليسار الأوروبي محورًا رئيسيًا في المؤتمر، إلى جانب الخلافات حول غزو أوكرانيا والموقف من حلف الناتو. لقد أدت الانتقادات التي طالت هيكلية القيادة وآليات صنع القرار قبل عامين إلى تأسيس حزب "التحالف اليساري الأوروبي"، الذي يضم عددًا من الأحزاب التي كانت أعضاءً في حزب اليسار الأوروبي سابقًا.

واستجابةً للانتقادات، شرع حزب اليسار الأوربي في عملية تجديد، تُرجمت الآن إلى قرارات. كما أُعيد هيكلة قيادة الحزب، ففي حين يبقى فالتر باير رئيسا للحزب، تم انتخاب كل من هيلين بيدار (الحزب الشيوعي الفرنسي) ومارتا مارتين (الحزب الشيوعي الاسباني) وديفيد بستيو (حزب العمل البلجيكي) نوابا للرئيس. وتقرر تشكيل رئاسة ثنائية للحزب، في اجتماع الجمعية العامة المقبل، الذي سيعقد بعد عام. مع ذلك، ستكون صلاحياتهما محدودة في المستقبل: فقد أدى تعديل النظام الأساسي إلى إصلاح هيكل قيادة الحزب بالكامل. ومن الآن فصاعدًا، سيقود الحزب أمانة سياسية تضم ممثلين عن أحزاب من مختلف أنحاء أوروبا: اليسار (ألمانيا)، وسيريزا ونيا أريستيرا (اليونان)، حزب إعادة التأسيس الشيوعي (إيطاليا)، حزب اليسار(جمهورية التشيك)، اليسار المتحد (إسبانيا)،حزب اليسار (سلوفينيا)، وحزب العمال المجري 2006، والحزب الشيوعي النمساوي، وتُعدّ الرئاسة جزءًا من هذه اللجنة .

إشكالية الحضور الاعلامي

يعاني حزب اليسار الأوربي منذ تأسيسه في عام 2004، من محدودية الحضور الإعلامي، على الرغم من تنظيم الحزب لحملات ناجحة، مثل حملة "السلام نصرنا" من أجل السلام في أوكرانيا، أو حملة الإسكان الميسور، تظل هناك حاجة لتطوير النشاط الإعلامي، وهناك أفكار وتوجهات لدى الأحزاب الأعضاء في بلدانهم، ينبغي ربطها على المستوى الأوروبي. وسيحمل مندوبي المؤتمر هذه المهمة من بروكسل ا، وستُطرح هذه القضايا، على سبيل المثال، في مناقشة برنامج حزب اليسار الألماني الجارية الآن، لأن مشاكل مثل العسكرة والهجوم على المكتسبات الاجتماعية لا يمكن حصر مواجهتها داخل البلدان المنفردة فقط، بل يجب مناقشتها على صعيد القارة.

لقد كانت الفعالية المفتوحة مساء السبت خطوة على طريق تقوية الحضور الإعلامي، التي لم تقتصر على عرض الاستراتيجية الجديدة للحزب فقط، بل تحدث فيه أيضاً العديد من الضيوف البارزين مثل سكرتير حزب العمل البلجيكي ن بيتر ميرتنز، الرئيسة المشاركة لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين ميغان رومر، الشخصية اليسارية البريطانية جيريمي كوربين.

ويبقى التحدي المقبل الذي سيواجه الحزب مدى تحويل وثيقة بروكسل الى تدابير ملموسة على الصعيد الأوربي.