اخر الاخبار

شهدت الدنمارك في 24 مارس 2026 انتخابات برلمانية لاختيار أعضاء البرلمان الدنماركي (Folketing) في أجواء تنافسية متوازنة بين مختلف الكتل السياسية، انتهت دون حصول أي حزب أو معسكر على أغلبية مطلقة، ما عزز من أهمية التحالفات بين الأحزاب لتشكيل الحكومة المقبلة.

وجاءت هذه الانتخابات في سياق سياسي تقوده رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن، زعيمة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين التي سعت إلى الحفاظ على موقعها السياسي وقيادة البلاد لولاية جديدة، غير أن التحديات الاقتصادية وقضايا الهجرة وبعض الملفات الداخلية انعكست على مستوى الدعم الشعبي لحزبها مقارنة بالانتخابات السابقة، ما أدى إلى تراجع نسبي في نتائجه رغم بقائه ضمن أكبر القوى السياسية في البلاد.

يعتمد النظام السياسي في الدنمارك على التمثيل النسبي، وهو ما يتيح تمثيلا واسعا لمختلف التيارات داخل البرلمان، لكنه في المقابل يجعل تشكيل الحكومات عملية تفاوضية معقدة تقوم على بناء ائتلافات متعددة بين الأحزاب. وقد شاركت في هذه الانتخابات عدة أحزاب بارزة، من بينها حزب (فينسترا) الذي يمثل التيار الليبرالي في يمين الوسط ويُعد من الأحزاب التقليدية المؤثرة في السياسة الدنماركية، إلى جانب حزب الشعب الاشتراكي SF المنتمي إلى اليسار الأخضر والذي يركز على القضايا البيئية والسياسات الاجتماعية، وقد حقق تقدما ملحوظا في هذه الانتخابات. كما برز حزب الشعب الدنماركي الذي يتبنى مواقف متشددة في قضايا الهجرة والسيادة الوطنية، وشهد تحسنا في نتائجه بعد فترة من التراجع، في حين لعب حزب (المعتدلون) الوسطي دورا مهما في المعادلة السياسية، حيث أصبح من القوى القادرة على ترجيح كفة أي تحالف بفضل موقعه الوسطي وقدرته على التفاوض مع مختلف الأطراف.

أسفرت النتائج عن تقارب واضح بين المعسكرين الرئيسيين، إذ حصلت الكتلة اليسارية بقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين على نحو 84 مقعدا، مقابل نحو 77 مقعدا للكتلة اليمينية والليبرالية، وهو ما يعني غياب أغلبية مطلقة في البرلمان التي تتطلب 90 مقعدا. وعلى الرغم من تصدر حزب الاشتراكيين الديمقراطيين من حيث عدد المقاعد، فان نتيجته لم تكن كافية لتأمين حكم منفرد أو حتى ائتلاف سهل، الأمر الذي يعكس حالة من التوازن السياسي وتشتت الأصوات بين عدد من الأحزاب المتوسطة والصغيرة التي باتت تلعب دورا متزايد الأهمية في تحديد ملامح البرلمان.

وتكشف هذه الانتخابات عن عدد من الدلالات السياسية البارزة، من أهمها تراجع هيمنة الأحزاب الكبرى نسبيا لصالح أحزاب أصغر وأكثر تخصصا في قضايا محددة مثل البيئة والهجرة، الى جانب تعاظم دور الأحزاب الوسطية التي أصبحت عنصرا حاسما في أي عملية تشكيل حكومي. كما تؤكد النتائج استمرار النمط السياسي الدنماركي القائم على التوافق، حيث لا يستطيع أي حزب منفردا حكم البلاد، مما يفرض على القوى السياسية الدخول في مفاوضات وتقديم تنازلات متبادلة لضمان استقرار الحكم.

وفي هذا السياق، كلّف الديوان الملكي الدنماركي، بعد اجتماعات ضمت ممثلي الأحزاب الأحد عشر الممثلة في البرلمان، رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها ميته فريدريكسن بقيادة مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة. وجاء هذا التكليف من قبل الملك فريدريك العاشر الذي يضطلع بدور دستوري في هذا الإطار، حيث تُجرى المشاورات بين الأحزاب تحت إشرافه الشكلي لضمان انتقال سياسي منظم. وتسعى فريدريكسن مبدئيا إلى تشكيل ائتلاف يضم أحزابا من يسار الوسط، مثل حزب الشعب الاشتراكي (SF) والحزب الليبرالي الاجتماعي الدنماركي، غير أن دخول أحزاب الوسط، وعلى رأسها (المعتدلون) بقيادة وزير الخارجية لارس لوك راسموسن، يجعل من هذه المفاوضات معقدة ومفتوحة على عدة سيناريوهات، نظرا للدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه هذا الحزب في ترجيح كفة أي تحالف. كما تُظهر النتائج توازنا دقيقا في المشهد البرلماني. وقد تمكنت الأحزاب الثلاثة المناهضة للهجرة من تحقيق نحو 17 في المائة من الأصوات، وهو مستوى مستقر نسبيا مقارنة بالسنوات الماضية، ما يدل على استمرار حضور هذا التيار في الحياة السياسية الدنماركية دون توسع كبير.

ولا تقتصر ملامح المشهد السياسي على الداخل الدنماركي فقط، إذ يشارك في البرلمان أيضا ممثلون عن إقليمي (غرينلاند وجزر فارو)، اللذين يتمتعان بحكم ذاتي ويملكان مقعدين لكل منهما. وقد حافظت هذه المناطق على تمثيلها التقليدي، حيث يعكس تصويت غرينلاند ميولا داعمة لتيارات اليسار وبعض الأحزاب المؤيدة للاستقلال، في حين أظهرت جزر فارو تنوعا في التوجهات بين اليمين واليسار. وفي المجمل، تعكس انتخابات 2026 استمرار النمط السياسي الدنماركي القائم على التعددية والتوافق، مع بروز واضح لدور الأحزاب الوسطية وتراجع نسبي لهيمنة الأحزاب الكبرى، ما يجعل تشكيل الحكومة المقبلة رهينا بمفاوضات معقدة وتفاهمات سياسية دقيقة، في مشهد يعزز من تقاليد الديمقراطية التوافقية التي تميز النظام السياسي في الدنمارك.

هذا ويذكر ان حزب القائمة الموحدة، وهو حزب يساري (Enhedslisten) فاز بدائرة كوبنهاغن الكبرى، وأصبح بإمكانه ولأول مرة أن يطلق على نفسه (أكبر حزب في دائرة كوبنهاغن الكبرى)، بعد حصوله على 16.6 في المائة من الأصوات. كما حقق حزب الشعب الاشتراكي (SF) تقدما في العاصمة ليصل إلى 13.3 في المائة، بينما ارتفع الحزب الراديكالي (De Radikale) إلى 12 في المائة من الأصوات، وهذه الاحزاب الثلاثة محسوبة على اليسار.