اخر الاخبار

صعّد وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف الصراع مع أفغانستان قبل أكثر من أسبوع قائلاً: "نفد صبرنا. الآن حرب مفتوحة بيننا وبينكم". وقبل ساعات فقط من هذا التصريح، شنت باكستان غارات جوية على كابول وقندهار وولاية بكتيا، بينما احتدمت معارك ضارية على طول الحدود، واستهدفت طائرات أفغانية مسيّرة مواقع باكستانية. ووفقًا للأمم المتحدة، يتزايد عدد القتلى باطراد منذ ذلك الحين، مما يُفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلاً، لا سيما في أفغانستان.

حرب منسية

ولم تتناول عناوين الأخبار الدولية الحدث طويلاً. ففي اليوم التالي، شنت إسرائيل والولايات المتحدة عدوانا على إيران. ومنذ ذلك الحين، تتزايد المخاوف بشأن اتساع رقعة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتزداد معضلة الجهات الفاعلة والمصالح في هاتين المنطقتين المترابطتين.

تاريخيا، لم تعترف أي حكومة أفغانية رسمياً بخط ديوراند كحدود فاصلة. وقد رُسم هذا الخط عام ١٨٩٣ بين الهند البريطانية المستعمرة وإمارة أفغانستان، وتأكد استقلال الهند وباكستان عام ١٩٤٧. وشهدت السنوات الأخيرة فترات طويلة من القتال على طول هذا الخط المتنازع عليه، الذي يقسم موطن البشتون. ويسود وقف هش لإطلاق النار منذ تشرين الأول 2025.

وبدأ التصعيد الأخير، بعد أن فجرت حركة طالبان باكستان مسجدا شيعيا في إسلام آباد مطلع شباط الفائت، أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة نحو 200 آخرين. وتُعدّ حركة طالبان باكستان حركة مستقلة، رغم تحالفها مع حركة طالبان الأفغانية، وقد تصاعدت هجماتها الإرهابية بشكل حاد، لا سيما منذ عودة حركة طالبان الإرهابية إلى السلطة في افغانستان. وتستهدف الحركة عمداً مراكز السلطة، بما فيها العاصمة الباكستانية. وتتهم باكستان أفغانستان بتوفير ملاذ آمن لحركة طالبان باكستان، وكذلك للفرع المحلي لداعش. ولقد أُغلقت المعابر الحدودية بين البلدين عدة مرات . وكانت باكستان قد أعادت مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان، وقد فاقم هذا الوضع من المصاعب الاقتصادية والاجتماعية المتردية أصلًا في أفغانستان. ويُعدّ هذا الأمر مُزعجًا للغاية للسلطة في أفغانستان. وتتفوق باكستان عسكريا على حركة طالبان الأفغانية، التي تعتمد، على الأسلحة والمعدات التي تركتها قوات الناتو عند انسحابها. وتسيطر باكستان على المجال الجوي الأفغاني. 

تأثير الصراع الجيوسياسي 

جيوسياسياً، تلعب الصين والهند دوراً بارزاً في الصراع بين أفغانستان وباكستان. وتتعرض "الشراكة الشاملة" الصينية الباكستانية لاختبارات متكررة من خلال الهجمات على مشاريع البنية التحتية ضمن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ويهدف هذا الممر، المتمثل في ميناء جوادر، إلى تأمين وصول بكين إلى بحر العرب، متجاوزاً مضيق ملقا. وفي الوقت نفسه، لعبت الطائرات المقاتلة والتكنولوجيا العسكرية الصينية الصنع دوراً هاماً في النزاع المسلح القصير والخطير، بين باكستان والهند في كشمير.

وفي أعقاب تحولات موازين القوى الإقليمية، توسّع الهند علاقاتها مع حركة طالبان دون الاعتراف بها رسميًا. وتعتزم الحكومة الهندية إعادة فتح سفارتها في كابول بالكامل. يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا يبرر ادعاء باكستان بأن الهند تخوض حربًا ضدها بواسطة طالبان. 

مخاوف

وهناك مخاوف من اتساع صراع إقليمي في جنوب آسيا، بعد الانسحاب الفوضوي لقوات الناتو من أفغانستان. وفي ظل الوضع الراهن، يلوح في الأفق خطر تطرف ديني، وهذا ما اشرته الاشتباكات الدامية التي وقعت خلال محاولة اقتحام القنصلية الأمريكية في كراتشي، ومشاهد مماثلة في لاهور وإسلام آباد. ويشهد الوضع توتراً شديداً في العاصمة، على غرار "مسيرة العاصمة" التضامنية مع غزة، التي نظمتها حركة لبيك باكستان الإسلامية. كما ينظر السكان بعين ناقدة إلى مشاركة باكستان في مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب، مما أدى إلى مزيد من الاحتجاجات.

والسؤال الآخر يتعلق بتفعيل التحالف الدفاعي بين باكستان والسعودية في ايلول 2025، وبأي شكل؟  لقد أشار وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، إلى هذا الأمر صراحةً في البرلمان قبل أيام، وأعلن عن اتصالات بإيران لمنع المزيد من الهجمات على السعودية. وسيمثل هذا التحالف اختبارًا عمليًا سريعًا للاتفاق بين إسلام آباد والرياض، الذي وُصف بأنه قنبلة جيوسياسية. ومع ذلك، من المُحتمل أيضًا أن يبقى الصراع الأفغاني الباكستاني محصورًا بين البلدين، وحتى في هذه الحالة، لن يكون هذا مُطمئنًا على الإطلاق؛ بل سيكون مأساةً للمدنيين الأبرياء من الجانبين.