احتضنت قاعات فندق بايريشر هوف الفاخر في ميونخ الألمانية في أيام 13 – 15 شباط الحالي الدورة السنوية 62 لمؤتمر ميونخ للأمن، وانعقدت دورة هذا العام، في ظل أجواء، وصفت بأنها مفصلية في مسار النظام الدولي، في ظل تصاعد النزاعات، وتآكل الثقة بالتحالفات التقليدية، واشتداد المنافسة بين قوى الهيمنة العالمية.
إن مهمة المؤتمر هي مناقشة قضايا الساعة في العالم من زاوية المصالح الاقتصادية والعسكرية للدول الغربية، ووضع الاٍستراتيجيات العسكرية والسياسية المطلوبة، وفي حالة الاختلاف المتصاعد فان المهمة أصبحت أكثر تعقيدا.
وشارك في أعمال المؤتمر نحو خمسين رئيس دولة وحكومة، من بينها وفود حكومية رفيعة المستوى، يتقدمها وفد الحكومة الألمانية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس. وقاد المؤتمر السفير فولفغانغ إيشينغر، الذي أكد أن دورة 2026 ستشكل محطة مهمة لتعميق الحوار الاستراتيجي، مستندة إلى سلسلة لقاءات تحضيرية عُقدت في واشنطن، ومهدت لنقاشات أوسع حول إعادة صياغة مقاربات "الأمن الدولي". ولهذا شارك فيه قادة الناتو، وجميع المؤسسات المخابراتية، ومؤسسات البحث في الشؤون العسكرية، وحضره كالعادة رؤساء الدول الأعضاء لحلف الناتو، أو من يمثلهم، وممثلو شركات السلاح الكبرى في العالم، بالإضافة إلى بلدان أخرى، تمت دعوتها حسب الأولويات العسكرية والأمنية لبلدان الحلف.
ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في لحظة تتسم بتراجع المسلمات التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتصاعد أنماط جديدة من التنافس والصراع ومحاولات إعادة النظر في توزيع مناطق النفوذ. فلم يعد الجدل يدور فقط حول إدارة الأزمات أو احتواء النزاعات الإقليمية، بل بات يتمحور حول شكل النظام الدولي ذاته: من يقوده، وعلى أي قواعد يقوم، وكيفية الوصول إلى توافق يرضي مراكز الصراع الجيوسياسي عالميا.
تقرير 2026
سنويا يسبق انعقاد المؤتمر تقرير ميونخ 2026 ، الذي حمل هذه المرة عنوان: ”تحت الهدم”، لا يكتفي التقرير بوصف التحديات، بل يضعها في إطار أوسع يتمثل في انتقال العالم من مرحلة الإصلاح التدريجي للنظام الدولي إلى مرحلة إعادة تشكيله، وربما تفكيك بعض ركائزه الأساسية. وسعى التقرير إلى تقديم تحليل، واستشراف الاستراتيجيات، وتقييم انعكاساتها المحتملة على الأمن الأوروبي، والعلاقات بين جناحي الناتو، وتوازنات الهيمنة الممكنة في مرحلة تتسم بقدر من عدم الوضوح وغياب الاستقرار.
محاور المؤتمر
تناول المشاركون طيفا واسعا من المحاور تمثل أهمها في: الأزمات الجيوسياسية، الأمن السيبراني، التغير المناخي كتهديد أمني، والتنسيق العسكري والأمني بين بلدان المركز. وفي هذا السياق جرت مناقشة تداعيات الحرب المستمرة في اوكرانيا، وكذلك تداعيات حرب إبادة الشعب الفلسطيني وآفاق مشروع "الشرق الاوسط الجديد" الإمبريالي. والصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين في شرق آسيا، وملفات الهجرة واللجوء.
كلمة الافتتاح
لأول مرة في تاريخ المؤتمر، جرى افتتاحه من قبل المستشار الالماني فريدريش ميرتس، الذي قدّم رؤية متشائمة للمشهد الدولي، مشيرًا إلى أن النظام العالمي التقليدي يمر بمرحلة تحول عميقة، في ظل تصاعد النزاعات الدولية، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، وما تحمله من تداعيات على الأمن الأوروبي والعالمي. كما شدد على أهمية تعزيز وحدة الاتحاد الأوروبي وإعادة بناء الثقة بين ضفتي الأطلسي. وحدد المبدأ التوجيهي للمؤتمر: يجب على أوروبا أن تُؤكد وجودها "بقوة متجددة، واحترام متجدد، وثقة متجددة بالنفس" - تحت قيادة ألمانية.
وتناغم قادة أوروبا الغربية في كلماتهم مع المستشار الألماني، الرئيس الفرنسي دعا إلى: جعل "أوروبا" "قوة جيوسياسية". ودعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستعداد "للمواجهة" مع روسيا بكل الوسائل المتاحة. كما أعلن أن المملكة المتحدة ستنشر مجموعة حاملات طائراتها الضاربة في شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، وستعزز التعاون النووي مع فرنسا. أما رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فقد احتفت بـ "صحوة أوروبا".
وكان الصوت المعارض الوحيد بين "الكبار" في المؤتمر لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، الذي دعا إلى تعزيز الأمم المتحدة والتعاون والتعددية.
احتجاجات ومؤتمر بديل
رافقت الاحتجاجات أعمال مؤتمر الأمن، وكانت تحت شعار "لنوقف سباق التسلح"، شارك فيها أكثر من ثلاثة آلاف ناشط، مثلو حركة السلام وقوى اليسار الالماني وشبيبة نقابة الخدمات. والعلاقة بين الحرب ونمط الانتاج الرأسمالي والهجرة واللجوء. وبالتوازي نظم تجمع إيراني معارض بدعم من الولايات المتحدة، تحدث فيه رضا بلهوي الابن، وشارك فيه قرابة ربع مليون، وعملت مؤسسات الإعلام الغربية إلى إعطاء مساحة استثنائية في تغطيتها لمجريات الحدث، الذي قاطعته قوى اليسار الإيراني المعارضة.
وقال ممثل مدكو انترنسونال كريم شامبرغر في التجمع الافتتاحي: "إن معالجة الأسباب الجذرية للهجرة تعني إدراك أن التغيير لا يجب أن يبدأ في الجنوب العالمي، بل يجب على الدول الأوروبية أن تضع مجتمعاتها على أسس مستدامة حتى لا تعيش على حساب الآخرين. لأن الحفاظ على نظامنا يعني العنف والدمار والاستغلال في أماكن أخرى، وهذا يجب أن يتوقف نهائياً".
وحذر العديد من المتحدثين من نشر صواريخ أمريكية يصل مداها إلى موسكو في ألمانيا، وأدانوا حرب الإبادة التي ينفذها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني. ورُفعت لافتة في المظاهرة كُتب عليها "لا بوتين ولا الناتو". كما تم التعبير مرارًا عن التضامن مع الشعب الكردي في منطقة الحكم الذاتي في شمال سوريا.