في جغرافية الكرة الارضية، ولاسيما في الجنوب العراقي، لا تُعدُّ الأرض مجرد ترابٍ يطؤه العابرون، بل هي كائنٌ حيٌّ يتنفس، يشعر، ويتألم، وينعكس حزنه وعطاؤه على حنجرة الإنسان ونبرة صوته. من هذه الزاوية الإنسانية والجمالية العميقة، يفتح الباحث والكاتب جاسب بدر السعيدي، في مقدمة كتابه "ديوان الدارمي العراقي، الجزء الثاني " (ميسان، 2016)، نافذة نقدية شفافة على السر الدفين الذي يجعل من لغة الحياة اليومية، والتي يرفض تسميتها اللهجة الشعبية الدارجة، وبالأخص شعر الدارمي، البصمة الوراثية والوجدانية الأصدق لروح العراقي وأرضه. فالكتاب لا يقف عند حدود التدوين الشعري، بل يغوص في الأصول البيئية والنفسية والصوتية التي ولدت منها لغة الحياة اليومية، ليعيد الاعتبار إلى لسان الشعب بوصفه كائناً قائماً بذاته، ينبض بالموسيقى ويحمل شجن السنين.
تبدأ هذه القراءة النقدية من الفكرة الجوهرية التي يطرحها السعيدي حول "تأثير الأرض على حركة اللسان ومخارج الحروف". فالأرض، عندما ترزح تحت وطأة الظلم والجور، أو تتنفس هواء الأهوار والسهول، تنغرس تضاريسها في الجينات الصوتية لأبنائها. إن انحناءة الشفاه، وكمية الهواء الخارج مع الحرف، ونبرة الأنين التي ترافق الكلام اليومي في جنوب العراق، ليس لها مصدر سوى التفاعل الأزلي بين الإنسان وبيئته. ومن رحم المعاناة الإقطاعية والظروف القاسية التي عاشتها مدن جنوب العراق ووسطه، لم يولد الصوت مجرداً، بل ولد محمّلاً بحشرجة الحزن ولوعة الشجن. وهناك، في أحضان الهور والريف، تشكلت الأطوار الغنائية الخالدة مثل "المحمداوي" و"العلوانية" و"طور الصبي" و"الشطراوي"؛ وهي أطوار يصعب على أي مغنٍّ من خارج هذه البيئة أن يؤديها بروحيتها الحقيقية مهما بلغت مساحة صوته، لأنها ليست مجرد ألحان تُؤدّى، بل هي تجسيد حي لحسّ الأرض والمرار الذي اختمر في نفوس أبنائها.
وفي هذا الفضاء الصوتي والموسيقي الثري، يأتي شعر "الدارمي" ليكون المقطورة الأجمل والأكثر اختصاراً وتكثيفاً للغة الحياة اليومية. فالدارمي، ببيته المكوّن من شطرين يفيضان باللوعة أو الغزل أو العتاب، ليس سبيلاً منظوماً بالفصحى المتكلفة، بل هو تقطير نقي لما تلهث به ألسنة الناس في حقولهم وأهوارهم وقراهم . إنه النطق المباشر للوجدان الشعبي، الذي يستخدم حروف لغة الحياة اليومية، كما يسميها السعيدي، لا بوصفها عيباً لغوياً أو تحريفاً عارضاً، بل كأدوات موسيقية متفردة تعجز المعاجم التقليدية عن تعويض طاقتها التعبيرية.
يأخذنا السعيدي في رحلة نقدية دقيقة لتفكيك الحروف التي تُتهم زورا بالهجنة أو الأجنبية، كحرف "الأگ" وحرف "الچا"، ليثبت أنها حروف أصيلة انبثقت من حركة اللسان العراقي وتطوره عبر التاريخ. فعندما يستبدل المبدع الشعبي حرف القاف بحرف الكاف المشتدة أو الجيم المعجمة، كما في كلمة "چِتّال"، فإن هذا الحرف يحمل شحنة موسيقية وعاطفية لا يمكن لحرف القاف الفصيح في كلمة "قَتّال" أن يؤديها بالنبرة ذاتها.
إن الصرخة الوجدانية الممتدة في البيت الشجي: (ياهور الغموگه احزن.. چتل حجام) تلخص مجرة كاملة من الألم، ولو حُوّلت كلماتها إلى الفصحى المجرّدة لفقدت روحها ونبضها الدافئ الذي يهز شغاف القلب. وكذا الحال في الألفاظ المغناة الشائعة التي تختزل رقة المفردة العراقية مثل (گمريه وتزوگين وجه الليالي) أو (زغيرون يابعد اهلنه.. وبفراگك شلون)؛ حيث ينساب حرف "الاگ" و"الچيم" ليرسما ظلالاً نفسية شفافة تجمع بين العذوبة والحزن الكسير.
إن الدفاع النقدي الذي يقدّمه الكتاب عن اللهجة الدارجة لا يقلل من شأن اللغة الفصحى، بل يضع الأشياء في نصابها الصحيح. فالفصحى هي اللغة الرسمية، ولغة الفكر والعقل والتدوين الرفيع، وتشاركها لغة التخاطب اليومي بذلك. لكن اللهجة المحكية هي لغة القلب والروح والعاطفة اليومية المباشرة. ومثلما امتازت الشعوب الأخرى بنشر ثقافتها من خلال لغتها اليومية وفنونها الغنائية والسينمائية، كما هي التجربة المصرية الرائدة، فإن اللهجة العراقية الجنوبية، عبر شعر الدارمي وأطواره الغنائية، تمتلك مقومات التمدد والـتأثير الجمالي، بفضل سرعة نفاذها إلى وجدان المستمع العربي.
وتتجلى قيمة هذا المنجز النقدي في كونه يرفع الغشاوة عن الميزة الإبداعية لشعر الدارمي، مؤكداً أن المحاولة الحثيثة لـ "تهجين" المفردة الشعبية أو إخضاعها القسري للرسم الإملائي الفصيح، تؤدي إلى تشويه الوزن الشعري وإطفاء جمرته العاطفية. فالدارمي هو وليد اللحظة العفوية، وهو نسيج متكامل يتداخل فيه حرف "الچا" المسترسل كأداة تنبيه واستفهام تستند إلى جذور رافدينية قديمة، مع تحولات أصوات الحروف التي تطوعها البيئة لتلائم خفقات القلوب.
ختاماً، تسجّل هذه الدراسة النقدية لجاسب بدر السعيدي حضوراً استثنائياً في كتابة التاريخ الوجداني للجنوب العراقي. إنها شهادة حب ووفاء لأصوات المطربين الريفيين أمثال مسعود العمارتلي ولشعراء الدارمي المجهولين والمعروفين الذين حفروا بكلماتهم البسيطة عمقاً إنسانياً أزلياً. لقد أثبت السعيدي أن الدارمي ليس مجرد لون شعبي عابر، بل هو شجرة أصلية ضربت جذورها في طين الأهوار، وتشربت مياه الدجلة والفرات، لتورق أشعاراً تنبض بالصدق والعذوبة، وتبقى شاهدة على أن الأرض العراقية ستظل دوماً تحس وتتألم، وتنجب من رحم حزنها أجمل الأغاني وأرقَّ القصائد الشعبية.