اخر الاخبار

تتجسد بآفاق رومانسية أخّاذة، إنه يأخذك بما تملك من وعي لتذوب في كلماته التي لحّنت الموسيقى، ومنحتها آفاق محاكاة.

هي ليست ذاكرة تسترجع الأحداث، وتعيد لهاث اللحظات الممزوجة بالعشق. وليست أحلاماً تمر كالغيوم، أو كسنوات العمر سريعاً، لكنها تضاريس لخارطة وطن، جذوره في أعماق الروح، تختصر الانتماء إلى الأرض، وتأملاته قصائد تمطرنا عشقّاً صوفياً، ومشاعر تمتد إلى مالا نهاية، كأنها أنهار الحزن السومري.

زامل كيانّ مغنّى وروح، أينما وضعت يدك عزفت، ومنحتنا عذوبة الشعر النابع من أعماق الروح.

(يا ليل صدك ما اطخلك راس، واشكيلك حزن

فحطن انجومك والكمر

 بغيومك السوده اندفن

وآنه اعله نغمات الربابه وطيف محبوبي ادك

واصبع يطك

وادلالى فاحن هيل والهاون يرن)

ويستمر تحدي الذات والوجود وعزة النفس، لكنها تنساب كماء بارد على مرٱة الروح: ( مر وتعده وطارف من عگلى اوياه كوطر.. دك بيه الشوك اولا غمض جفنى وهودر). 

رويداً رويداً تنبعث من خزائن الشعر المدفونة، كالذهب في معابد أور، أساطير التحدي والوجود والثبات والانتماء: ( شما تدور الدنية، انت الماي). أيُّ تجلٍّ هذا عندما تتسامى القصائد شعراً؟ إنها روح شاعرة بطبيعتها، بفطرتها، بوجودها وبغزلها:

(انته خليت السوالف..نابعه ابروحى قصايد..

وانت علمت الشفايف بالغنه اتصوغ الگلايد

انت انت اشما تمر الدنيا انت

الماى مابدل اوصافه

ياطواريج يروحى مثل نسمة صيف مليانه ترافه

عاشگين احنه وهوينه .. ومثل ماردنه لگينه

وداعتك ذاك انت غالى حبيّب وسلوة حچينه حاسبينك انت كل العمر بايامه وسنينه).

هذا هوالصليب الذى عُلّق على مسلّة انتظار زامل سعيد فتاح، روحه، أحلامه، تطلعاته، وحياته، فتقاطعت كلّ مديات الحلم المطلقه مع آفاق الأيام والسنين التى شكّلت هذا السفر الشعري الخالد، لآلامه المفتونة بالشعر. ذلك الهاجس الذى حقق له امنياته، وأطفأ عطشه الروحى المستديم، واحتوى غربته فى معان كثيرة قادت الشاعر إلى البحث عن حبية ووطن، ووقفه تأمل لاستعادة شئ يشبه الغياب الذي بعثرته الأقدار.

البحث عن حبيبة سافرت على جناح غيمة، لتمطرها في الأقاصي، تاركةً وراءها ذراعين فارغتين إلا من الوحشة أو الوهم. كان يبحث عنها في كل ثوابت الكون، آملًا أن يجدها. لذلك يؤول بصورته إلى تجلٍّ آخر أكبر من الحب، هو الوطن الذي زرع عيونه في سعادته:

(عيونكم تبرالى نجمه ادور بيه شما تريد

طافت ابروحى حمامه وگربت منى البعيد

الدنيه حلوه ..الناس حلوه والوطن باسم سعيد).

واستمرت المغامرة الشعرية نتاجًا منطقيًا لضياعات كبيرة، راح يبحث في أقاصيها ذلك الطائر الجنوبي الذي احتوته شواطئ الغراف، والفرات، ودجلة، في أول حب ضائع وحنجرة غرّيدة. كان زامل يمتلك صوتًا أخّاذًا، وأشعارًا دافئةً ممتلئةً بالحب. إنه قمر المدينة الذي يشع بأنواره على ضفاف الغراف، وبيده يطفأ الليل ويرمي النجوم في السحاب البعيد. هي آهاته وأنينه المستديم، لعلّه يبلل بهذا الدمع طوفان هذه الأرض حتى تأتي حبيبته الغالية مع فصول الحلم، تمسح الدمع، وتقبّل القصائد على شفتيه، فيغدو هذا العمر ليس سوى حلم انبعث كالقصائد من قلمه.

هذاك انتة ويمرطيفك وأشوف امالي لو شفته

كبرنه وكبرت الدنيه

بهوانه وكل حلو اعرفته

عرفتك وردة القداح ..

برد الصبح جفلها ..

بعيونك هويت الگاع والماى ال يغازلها

عرفتك طير من يصدح

عرفتك جوري لو فوّح

ومن حبك غناي أنة تعلمته

هذاك أنة وهذاك أنته

ومن هذا العالم المطلق، الممتلئ بثوابت الوجود، يبحث زامل سعيد فتاح، كقصيدة مغناة، عن وطن يختصر الحب والمنفى والحزن والانفعال. وحتى عندما أسمع صوته الداخلي في القصيدة، يقودني هاجس أشبه بالحلم، حلم اليقظة كما عرّفه بريتون، متتبعًا مسيرة الصوت بعيد المدى، والأفق، والجذور، يطرق باب ذاكرتي كل مساء.

عيونكم تبرالي نجمه

 أدور بيه اشما تريد

طافت بروحي حمامه

وگربت مني البعيد

ذلك الصوت الذي راح يوميًا ينقب في زوايا القلب، والروح، والعقل، والماضي، يشبه الضباب، أيها الماضي، ذلك الكيان العجيب الذي يحتل نفوسنا ليشكّل له وجودًا حيًا، يرش بغيومه الوهمية سماء الروح العطشى.

من هويتك لمت روحى الماهوت بسنين زغري

من لگيتك روحي صارت

نذر لاهل الهوى العذري

ياغرامك مثل طبعك روحي ماشافت سعاده

الدنية حد الشوف حلوه حلوه حلوه والكلب ينطر وداده

لقد شكّل الوطن معادلًا موضوعيًا لذلك الفراغ المطلق الذي قاد الشاعر نحو نشيده الشعري، باحثًا تارةً، وواصفًا تارةً أخرى تلك اللحظات، وهو يلتمس دفأها وارتعاشاتها، مرتميًا في حضرة حبيبته، يكتب بالدم، ويرسم الوطن قصيدةً بريشته التي تشبه ريشة الطاووس أو جناح الهدهد.

عرفتك وردة القداح برد الصبح جفلهه

ومن حبك هويت الگاع والماي اليغازلهه

شفت بعيونك بلادي

السهل والهور والوادي

شفت دجله وفّي مثلك

يفيض بغير منّيه

شفت روجاته يروجاته ..مثل معاضدك فضه

تتلاله اويه جاري الماي

هلهولة فرح غصه

ولو تأملت هذه الصورة الشعرية التي امتلأت بالشاعرية الفذّة، وعبّرت عن إحساس الشاعر الداخلي الذي ترجمته لغته الشفافة، على الرغم من سهولتها وبساطة مفرداتها، لوجدت أن زامل منح تراكيبها إيقاعًا جماليًا يعبّر عن الفرح، والديمومة، والتدفق، والصدق، على امتداد مساحة العراق. فجاءت صورةً مشعةً متلألئة، تصف ذلك الحبيب الذي ينبعث كوردةٍ فواحة بعطرها، وتجفل من ندى الصباح وبرده.

هكذا كان نبض الشاعر يمتد إلى نبض الأرض، ويعرّف الحياة بمعانيها الحية الدافئة، وثوابتها المتمثلة بدجلة والفرات، ويمنحها لون النجوم البرّاقة المتلألئة، التي تشبه أيادي حبيبته ومعاصمها الفضية. فالموج، والفضة، والنجوم، وساعة الحبيبة، كلها استعارات مرئية وغير مرئية، تنساب عفويًا من ضمير الشاعر وعقله وأحاسيسه المفتونة بالعشق المطرّز بالحب.

وعندما سافر زامل إلى بغداد، بقيت الذكريات تشتعل في هواجسه ومخيلته، وهو يحاول الهروب من العواطف والأحاسيس الصادقة، لأنها كانت تفيض بالألم والوجع الروحي. وقد طرأت متغيرات كثيرة على موضوعات القصيدة، لكن لغة زامل لم تفارق مدلولاتها الرمزية المستوحاة من ذاكرته المفعمة بلغة الجنوب، وبساطة واقعه، ومناخات ولادة القصيدة. ورغم ابتعاده عن أجوائها الجنوبية، فإنها ظلت تفرض زمانها ومكانها عليه بصورة مباشرة، لتخرج القصيدة بالطعم ذاته، ولون الحزن نفسه؛ إنه الهمّ اليومي للإنسان العراقي.

(اعزاز عدنه ومن هويناكم هوينه الناس كلها

وعلى جناح الشوك طرنه الروح طارت ويه خلها

مدللين احباب كلبي امدللين

والعتب بشفافهم ود وحنين).

والعتب، هذه الكلمة الوجدانية، يفرغ زامل فيها كل همومه، فهو يحلم بلحظة عتاب تجمعه بحبيبته، لكن دون جدوى.

(چذاب دولبنى الوكت بمحبتك چذاب

روحى اتمرمرت من عشرتك

چم زله منك بيّنت ما جيت اعاتب مره

ومن عشرتك گلى اشفت غير الالم والحسره

انه ادري يهواك الگلب بعدك يعذب حالى

وادري اليحب ليله صعب حاير يظل للتالى

لاچن فلا ارجع بعد لا ما احن وانسه المضه)

وتبقى نفسية ابن الجنوب مفعمة بالتحدي، والصبر، والبكاء، رغم قسوة الهجران، فتتحول التحديات لديه إلى مواجهة لكل ما يرمز إلى الظلام والجبروت.

(لو صرت بس انته الدوه لا ما أرد وانسه المضه)

وتارة يكون التحدى اشبه بالصراع:

 (ياليل صدك مااطخلك راس وشكيلك حزن)

لكن ذلك لايمنع ان يزف لنا زامل بين الفينة والاخرى تباشير الحب والغزل

(تكبر فرحتى ابعينى امن اشوف الدنيا بعيونك

ويمر بخاطري ودربي امل وردى امنشوفنك)

هكذا منحنا الشاعر كل حياته شعراً غنته أجمل الحناجر ليشكل مرتكزا حقيقيا للاغنية السبعينية.