اخر الاخبار

تنتمي قصيدة (الرصيف) إلى ذلك النمط من الشعر الشعبي العراقي، الذي تجاوز حدود التعبير المحلي ليرتقي باللهجة إلى مستوى الرمز والرؤية. فالنص، لا يكتفي باستدعاء مفردات البيئة الجنوبية، إنما يعيد بناء هذه المفردات داخل شبكة من العلاقات الدلالية التي تجعل من اللغة الشعبية أداةً لإنتاج المعنى الوجودي. ومن ثمّ، فإن القصيدة لا تتحدث عن الرصيف بوصفه مكاناً مادياً بل بوصفه كياناً رمزياً يختزن تجربة الاغتراب، والاقتلاع من الفردوس الأول، ومحاولة ترميم الذات بعد انكسارها.

ولعل أبرز ما يمنح النص فرادته هو تلك القدرة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات شعرية كثيفة بحيث تصبح الشمس، والهور، والقصب، والخيط، والإبرة، والأزرار، عناصر ضمن منظومة رمزية واحدة تتضافر لتشكيل رؤية مأساوية للإنسان في علاقته بالمكان والذاكرة والزمن.

 النصيص (الرصيف) قراءة لسانية وبنيوية

يأتي النصيص مفرداً، معرفةً بـ ( أل)، وهي صيغة تمنح الكلمة طابع التعيينيّة والاكتمال، فلا يقول الشاعر (رصيف) إنما (الرصيف)، وكأن الحديث عن رصيف مخصوص، أو عن نموذج أعلى للرصف الحضري بوصفه فضاءً للتيه والانتظار والعزلة.

ومن الناحية اللسانية، تنتمي كلمة (الرصيف) إلى حقل دلالي مديني، يقابل الحقل الريفي الذي تنتمي إليه مفردات الهور والقصب والخضرة. ومن هنا، فإن النصيص يعلن منذ البداية عن هيمنة الفضاء المديني على النص، غير أن المفارقة تكمن في أن المدينة نفسها ستظهر بوصفها مكاناً جريحاً لا بوصفها فضاءً للخلاص.

أما بنيوياً، فإن النصيص يحتل موقع المركز الذي تعود إليه الصور جميعاً. فالقصيدة تبدأ من الهور وتنتهي عند الرصيف، بل إن الرصيف يتحول في الداخل النصي إلى (إبرة): (شفت خيط العمر أسود والرصيف إبره). وهكذا ينتقل النصيص من دلالته الواقعية إلى دلالة مجازية ليصبح أداة للخياطة والترميم، أي أداةً لمداواة التمزق الوجودي.

 ثنائية الهور والمدينة

يفتتح الشاعر نصه باستحضار عالم الهور:

نسيت

الشمس

فوگـ الهور

ليس النسيان حدثاً عارضاً بيد أنه فعل اقتلاع من الجذور. فالشمس التي كانت تعلو الهور تمثل مركز الدفء والصفاء، بينما يشير الفعل (نسيت) إلى حدوث قطيعة مع المكان الأول.

ثم يواصل:

خضره الظهر تتمرّه

واجيت اعله المدينه

إن الانتقال من الهور إلى المدينة ليس انتقالاً جغرافياً فحسب إنما هو انتقال من فضاء الطبيعة إلى فضاء الإسمنت، ومن الامتلاء إلى الفقد. فالمدينة لا تمنح الشاعر شيئاً سوى اكتشافه المأساوي:

الگيت

خيط العمر

أسوَد

والسواد هنا ليس لوناً بصرياً فحسب غير انه لون الزمن وقد فقد إشراقه.

 شعرية الخياطة وتمزق الكينونة

تمثل صورة الخيط والإبرة المحور المركزي للقصيدة. إذ يقول الشاعر:

(شفت خيط العمر أسود

والرصيف إبره)

إن العمر هنا يتحول إلى خيط، أي إلى شيء هش وقابل للانقطاع، بينما يتحول الرصيف إلى إبرة. وتكمن عبقرية الصورة في أن الشاعر يقلب الوظائف المألوفة للأشياء؛ فالرصيف الذي يُفترض أن يكون موضعاً للمشي، يصبح أداة للخياطة، وكأن المدينة كلها قد تحولت إلى محاولة يائسة لترميم الإنسان. وتبلغ الصورة ذروتها في قوله:

(تخيّط حته ظلّي)

فالتمزق لم يعد يصيب الجسد أو الثوب، بل امتد إلى الظل نفسه، أي إلى الامتداد الرمزي للذات. إن الظل، في الثقافة الشعرية، يمثل الحضور الخافت للإنسان، أو صورته الباقية. وحين يحتاج الظل إلى الخياطة، فهذا يعني أن الانكسار بلغ أعماق الكينونة.

جرح القصب وذاكرة الجنوب

من أجمل صور النص وأكثرها التصاقاً ببيئة الأهوار قوله:

(ولا عثره ابجرح ليطة گصب بالخاصره)

فالقصب هنا لا يظهر بوصفه عنصراً طبيعياً محايداً إنما بوصفه مصدراً للجرح. و(ليطة القصب) في المخيال الجنوبي تحمل طبيعة مزدوجة؛ فهي جزء من عالم الطفولة والهور، لكنها أيضاً حادة وقادرة على الإيلام. ومن ثم، فإن الجرح الآتي من القصب ليس جرحاً خارجياً لكنه جرح الذاكرة نفسها. إن الماضي الجميل لا يعود كما كان بل يعود مشوباً بالألم.

 العثرة بوصفها ذريعة وجودية

يقول الشاعر: (واگول انت اجيت ابحجة العثره)

 ليست العثرة حادثاً مادياً وإنما ذريعة لشيء أعمق. إنها تشبه ذلك السقوط الوجودي الذي تحدث عنه الفلاسفة الوجوديون، إذ يبدو الإنسان وكأنه يتعثر بالحياة نفسها، ويبحث عن مبررات لوجوده أو لعودته إلى أماكنه القديمة. لذلك، فإن (العثرة) في النص تتحول من فعل حركي إلى استعارة للقدر.

سقوط الخضرة وانطفاء العالم

في المقطع الثاني يقول الشاعر: (بعد مامش شمس تنشاف)

إن اختفاء الشمس يمثل إعلاناً عن غياب المركز النوراني الذي كانت القصيدة قد استهلت به. ثم يقول:

(فوگ الرمش خضره اتطيح كل گطره)

وهنا تتحول الخضرة إلى دموع. فكل قطرة تسقط تحمل لون الجنوب وذاكرته. إنها ليست دموعاً شفافة وإنما دموع مشبعة بالحقول والأهوار والقصب، وكأن البكاء نفسه قد صار أخضر.

مأساة الأزرار الضائعة

تنتهي القصيدة بواحدة من أكثر صورها مأساوية:

(و ما لگيت ازراري البصدرة)

فبعد أن تحولت المدينة إلى إبرة، والعمر إلى خيط، والظل إلى ثوب يحتاج إلى الرتق، يكتشف الشاعر غياب الأزرار. إن الأزرار هي العناصر الصغيرة التي تحفظ تماسك الثوب. ولذلك فإن فقدانها يعني استحالة اكتمال عملية الخياطة. فإذا كان الخيط هو الزمن، والإبرة هي المدينة، فإن الأزرار تمثل ما تبقى من الروابط التي تحفظ هوية الإنسان. ومن ثم، فإن النهاية لا تعلن فقط فشل الترميم لكنها تكشف أن ما ضاع أكبر من أن يُستعاد.

الخاتمة

تكشف قصيدة (الرصيف) عن وعي شعري عميق استطاع أن يحوّل اللهجة الشعبية إلى بنية رمزية ذات أبعاد وجودية وإنسانية. فالقصيدة لا تتحدث عن رصيف، ولا عن خيط وإبرة وأزرار بالمعنى الحرفي، وإنما عن إنسان خرج من فردوسه الأول وحمل معه جراح الذاكرة إلى المدينة، ليكتشف أن الزمن قد اسودّ، وأن الذات نفسها قد أصابها التمزق.

وبواسطة شبكة متماسكة من الرموز المستمدة من البيئة الجنوبية، ينجح النص في بناء استعارة كبرى، يصبح فيها الإنسان ثوباً ممزقاً، والعمر خيطاً أسود، والمدينة إبرةً تحاول ترميم ما لم يعد قابلاً للترميم.

وهكذا تغدو قصيدة (الرصيف) مرثيةً خفيةً للهوية المهاجرة، ونشيداً وجودياً لإنسان لم يفقد وطنه الأول فحسب بل فقد أيضاً (أزراره)، أي تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح حياته انسجامها القديم وتقيها من الانفراط.

القصيدة

رصيف

نسيت

الشمس

فوكَ

الهور..

خضْرَه الظُهر تتمرَّه

واجيت اعلَه المدينه..،

الكَيت

خيط

العُمر

أسوَد

والرصيف اِبرَه

| ولا عثْرَه ابجرح ليطة كَصَب بالخاصرَه..

او تلتاف ع الصرَّه واكَول انت َ اجيت ابحجّة العثرَه |

بعد مامش شمس تنشاف

فوكَ الرمش خضْرَه اتطيح كل كَطرَه

شفت خيط العمر أسوَد والرصيف اِبرَه

تَخيّط حتّه ظلّي..

او ما لكَيت ازراري البصدْرَه ...