التقيته في نادي المعلمين في المدحتية في صيف عام 1976، بعد دعوة واستضافة من صديقي إحسان كاظم الجراد، زميلي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد. كان برفقتي صديقي وابن حارتي الحلية الراحل حسن فلاح الحداد. ذهبنا عبر الطريق السياحي المحاذي لشط الحلة، ولن أنسى تلك الجلسة الجميلة معه، كيف طافت بالشعر وكرم الضيافة. ما زلت أتذكر صوت شاعرنا الرويعي (أبو أمل) كما يسميه أصدقاؤه في مدينة المدحتية أو الحمزة الغربي، والذي كان من الأسماء القليلة التي جدّدت اللغة الشعرية الشعبية، وبدّلت الأسلوب والقوالب وطرق البناء، ونجحت في نقل الشعر الشعبي من حدود التعبير التقليدي إلى فضاء أكثر عمقاً وعلواً في صوره ولغته.
كان الشاعر الرويعي واحداً من أبرز هؤلاء المجددين الذين منحوا الأغنية العراقية روحاً جديدة، وجعلوا من الكلمة الشعبية نصاً شعرياً حقيقياً يحمل الجمال والخيال والوجع الإنساني. لقد كان الرويعي شاعراً يكتب بإحساس الفرات ولغة أهله، ويغني للناس البسطاء، ويحوّل تفاصيل الحب والغربة والفراق والخيبات والأحزان إلى صور شعرية لا تُنسى، حتى أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة الأغنية العراقية الحديثة.
وُلد كاظم ناصر حسين، المعروف باسم كاظم الرويعي، عام 1941 في ناحية الحمزة الغربي التابعة لمحافظة بابل، وهي بيئة فراتية غنية بالحكايات والمواويل والموروث الشعبي الذي تتوارثه الناس، وقد انعكس ذلك بوضوح على لغته الشعرية ونبرة الحنين التي ظلت ترافقه طوال حياته. أكمل دراسته الإعدادية عام 1963، ثم التحق بكلية الشريعة في جامعة بغداد، وكانت بداياته مع الشعر الفصيح، لكنه انجذب سريعاً إلى الشعر الشعبي، ليجد فيه المساحة الأوسع للتعبير عن روحه وتجربته الإنسانية.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت القصيدة الشعبية العراقية تشهد تحولات مهمة، وكان كاظم الرويعي واحداً من جيل كبير ضم أسماء بارزة مثل طارق ياسين، وعزيز السماوي، وشاكر السماوي، وعلي الشباني، وزامل سعيد فتاح، وذياب كزار "أبو سرحان"، وكاظم إسماعيل الگاطع، وناظم السماوي، وعريان السيد خلف، وكاظم الركابي. لكن الرويعي استطاع أن يضع بصّمته وصوته من خلال القصيدة وحضوره الطاغي في الأغنية العراقية، إذ تجاوز عدد الأغنيات التي كتبها أكثر من 480 أغنية، وهو رقم يكشف حجم تأثيره وانتشاره الواسع.
أصدر ديوانه الأول "البيرق" عام 1968، وكان علامة مهمة في مسار القصيدة الشعبية الجديدة التي ألهمت الملحنين ومنحتهم خيالاً موسيقياً جديداً، وسهّلت مهمتهم في نسج ألحانهم بطريقة مختلفة عن الألوان السائدة في فترة الستينيات، لما حمله من لغة حديثة وصور شعرية مغايرة. ثم أصدر "الفجر وعيون أهلنا" عام 1975 في بيروت، قبل أن يصدر ديوانه "صبر أشموع" قبيل وفاته في عمّان. وفي هذه الأعمال يمكن ملاحظة التوازن الواضح بين الغناء العاطفي والغناء الوطني، فهو شاعر كتب للحب كما لو أنه يكتب أغنية للروح، وكتب للوطن كما لو أنه يهتف في ساحة احتجاج.
امتازت قصائد الرويعي بعذوبة المفردة وحرارة العاطفة والقدرة على خلق صورة شعرية سريعة النفاذ إلى القلب، لذلك كانت أغانيه قريبة من الناس، سهلة الحفظ، لكنها في الوقت نفسه غنية بالصور والإيحاء والخيال. لم يكن يكتب كلمات عابرة للاستهلاك السريع، بل نصوصاً تمتلك روح القصيدة، ولهذا بقيت أغانيه حيّة حتى اليوم.
غنى من كلماته كبار المطربين العراقيين والعرب، وتحولت كثير من أعماله إلى علامات بارزة في تاريخ الأغنية العراقية. من أشهر أغانيه: "يا عشگنه" بصوت فؤاد سالم وشوقية العطار، و"سلامات" و"يم داركم" لحميد منصور، و"ليلة ويوم" لسعدي الحلي، و"عادوا الغياب" لفاضل عواد، و"بشروني" لعارف محسن، و"يم رمش الذهب" لعبد الزهرة مناتي، و"يا بو طرمبيل" لرعد بيسان، و"ريتني خاتم بيدك" لسميرة توفيق، و"ألف وردة" لداود القيسي، و"كلمة حبيبي انتهت" لفاضل عواد، و"حبايب" لحسين نعمة، و"تواعدنه" و"على شط الفرات" و"صحينه من الهوى" بصوت ياس خضر، إضافة إلى أغنيات كتبها لقحطان العطار، وستار جبار، وغادة سالم، ورياض أحمد وغيرهم.
وكان من أبرز ما يميز تجربته أنه لم يكن يكتب الأغنية بوصفها نصاً منفصلاً عن اللحن، بل كان يكتب وهو يشعر بالموسيقى داخل الكلمات نفسها، لذلك تحولت بعض عباراته إلى ما يشبه اللازمة الغنائية الراسخة في الوجدان العراقي. وكان يمتلك قدرة خاصة على تحويل المفردة اليومية البسيطة إلى صورة شعرية نابضة بالحياة.
لكن حياة كاظم الرويعي لم تكن سهلة، فقد كان لانتمائه السياسي للحزب الشيوعي العراقي أثر كبير في مسيرته، إذ كتب قصائد وطنية جريئة، بينها أغنية "ليلة ويوم" التي كتبها بمناسبة الذكرى الأربعين لميلاد الحزب، والتي غناها فيما بعد المطرب سعدي الحلي. كما شارك في نشاطات ثقافية وسياسية داخل العراق وخارجه، وقدّم برنامج (گلايد) عبر إذاعة صوت العراق الحر. وقد تعرض للمضايقات والملاحقات من السلطة الحاكمة، وصودرت بعض تسجيلاته، الأمر الذي دفعه إلى مغادرة العراق نحو الأردن، على أمل أن يحصل لاحقاً على لجوء إلى كندا.
غير أن الغربة لم تمنحه الوقت الكافي لتحقيق أحلامه الأخيرة، إذ توفي في المستشفى الإيطالي في عمّان يوم الثاني من آذار عام 2002، في عزلة المنفى ووجع البعد عن الوطن، وسط روايات وشكوك تحدثت عن ملابسات غامضة لوفاته. وحتى بعد رحيله، استمرت المأساة حين رفض النظام العراقي آنذاك السماح بعودة جثمانه إلى العراق، مما عزز الشكوك بشأن وفاته المفاجئة وملابساتها، فدُفن في مقبرة سحاب في الأردن، بعيداً عن الفرات الذي ظل يسكن قصائده.
لقد ترك كاظم الرويعي إرثاً شعرياً وغنائياً هائلاً، وأثر بوضوح في أجيال لاحقة من شعراء الأغنية الشعبية مثل غازي ثجيل، وقاسم عبد الشمري، وسلمان شرهان الربيعي، وفالح حسون الدراجي، ورياض النعماني. وكان من الشعراء الذين نجحوا في منح الأغنية العراقية الحديثة هويتها الشعرية الحقيقية، بحيث لم تعد مجرد كلمات تُغنّى، بل نصوصاً تمتلك حياتها الخاصة.
إن الحديث عن كاظم الرويعي هو حديث عن شاعر أغنية كبير، صاغت كلماته وجدان العراقيين لعقود طويلة. شاعر كتب الحب بحزن الفرات، وكتب الوطن بحرقة المنفى، وترك خلفه قصائد ما زالت تُغنّى وكأنها كُتبت اليوم. ولهذا سيبقى اسمه واحداً من الأسماء الخالدة في تاريخ الشعر الشعبي والغناء العراقي الحديث.