اخر الاخبار

تختلف بلاغة القصيدة الشعبيّة عن بلاغة القصيدة الفصيحة، من ناحية الموقع واللسان والصورة. وتتمركز القصيدة الشعبيّة في موقعين: اللغة أو اللهجة والمكان الحقيقيّ، أي أنّها لا تصدر بغير لغتها/ لهجتها، ولا تبتعد كثيراً عن مكانها الحقيقيّ، بمعنى أنّها لا تُكتب بوجدان مزيّف أو مصطنع. لا نعني بهذا افتقارها للخيال. لكنّنا في القصيدة الشعبيّة، نحن في مركز الحادثة أو الواقعة. وما يُسمّى بالصورة الشعريّة في القصيدة الفصيحة، أي ما هو متخيَّل ومحوَّر ومجمَّل في القصيدة الفصيحة، يحدث في لحظة التصوير لا بعدها، بينما هي، أي بلاغة التصوير في القصيدة الشعبيّة؛ لحظيّة وفورية. ولذلك كلّه، فإنّ آليّة التناصّ في القصيدة الشعبيّة، هي أعقد وأخفى من مثيلتها في القصيدة الفصيحة (تأثُّر شاعر شعبيّ بآخر سبقَه أو عاصرَه، ليس آلياً ومتطابقاّ بصورة كلّية). وآخر مزيّة تُقال في سياق هذه المقارنة: إنّ شاعر القصيدة الشعبيّة مفوَّض من مصدر أصليّ، هو الشَّعب، كما في القوانين الدستوريّة، وليس من تقليد جماليّ ومعجم بلاغيّ، يعلوان على سلطة الشَّعب ولسانه.

على هذا، فالمعجم الشعريّ الشعبيّ، هو معجم خاصّ بكل شاعر (وهو شفاهيّ في الأغلب). ولا يستقي الشاعر الشعبيّ مفردات قصيدته من معجم مستقلّ، كاعتماد الشاعر الفصيح على المعجم اللغويّ الفصيح. وهذا ما نعنيه بموقعيّة القصيدة الشعبيّة. أي أنّ لغتها أو لهجتها محمولة تحت عباءة الشاعر أو في "عِبِّه" كما يُكنّى لذلك في المثل الشعبيّ. خذ مفردةً من قصائد الحاج زاير الدويچ وأبوذيّاته مثل "تَرِف" أي نَضِر وجميل، أو من عبود الكرخيّ مثل "جرش" أي طحن؛ فهل تشعر أنّها جاءت من معجم قَبْليّ قد حواها؟ أم أنّ المفردات، هي بنت لحظتها وموقعها ومناسبتها، كمناسبة "المجرشة" الشهيرة والحزينة؟ كذلك، فلو أخذنا مفردات قصائد مظفّر النوّاب، هل تشعر بمفاجأةٍ أقوى من مفاجأة سماعك أو قراءتك مفردةً مثل مفردة أل"المامش" مثلاً؟ إنّها مفردة موقعيّة، صاغها "النوّاب" من موقعه في ريف "العمارة"، ومن مواكبته فجائعَ شخصيّة وعامّة، ولم يقتبسها من لسانٍ في حاضرة مدنيّة، جاء إليها واستقرّ فيها بعد سنوات التجوال والترحال.

إنّ موقعيّة القصيدة الشعبيّة، تتجلّى بشكل واضح في شعر زامل سعيد فتّاح الشعبيّ. قصيدته "المگيَّر" خاصة. يقال إنّ الشاعر زامل سعيد فتّاح - ويا له من اسمٍ ثلاثيّ لا يمكن فصل جزءٍ منه عن الآخر- أدمنَ الجلوسَ في مقهى صغير في جانب الكرخ من بغداد، أخريات أيّامه. تستطيع أن تتخيَّل عزلة الشاعر "الشَّطراويّ" هذا، يهدر الوقتَ المتبقّي من حياته في مقهى بغداديّ، لكنّك لو أردت التحقّق من كتابة قصيدة "المگيَّر"- وتعني المفردة مكان القِّير، وهو الاسم الشائع محلّياً لموقع أور الأثريّ- لما تمكّنت من ذلك إلا إذا تصوّرت حبيباً يودّع حبيبتَه عند محطّة قطار "أور" التي تبعد عن مدينة "الناصرية" مسافة ثلاثة كيلو مترات. لم تتحقّق الصورة البليغة للوداع، إلا بوجود الشاعر في هذا الموقع التاريخيّ القديم/ والحقيقيّ لمحطّة القطار. (شخصياً، خبرتُ مشاعرَ وداعٍ كثيرة في هذه المكان، الذي يصِله القطار النازل من بغداد في ساعة بعد منتصف الليل، ووصفتُ أجواءَ قاعة الانتظار الواسعة، والمكتظّة بالمسافرين، في فصل من كتابي: بصرياثا). فلو كنتََ واحداً من هؤلاء المودِّعين، أو المودَّعين، لاحتفظتَ في داخلك بمفردة "المگيَّر" وبنيتَ عليها خيالاً طريّاً، لم يسبق أن قرأته في كِتاب، أو سمعته من لسان. هكذا ولِدَت قصيدةُ زامل سعيد فتّاح، في موقعها الحقيقيّ، وبمعجمها البِكر. ولعلّني التقيتُ، أنا نفسي، في ذلك الموقع، عدداً من شخصيات قصصي، سواء القرويّة أو المدنيّة منها، وبنيتُ من ذلك اللقاء ما أعِدُّه لحظيّاً وواقعيّاّ ونابضاً بالحياة؛ وربما امتلكتُ جزءاً من المعجم الذي امتلكه شعراءُ "المامش" و"المگير" و"المجرشة"، وفصَّحتُ بعضاً من مفرداته الطريّة، ومادّته الوقائعيّة- اللحظيّة.

نأتي إلى قصائد رياض النُّعمانيّ، وهو المتنقِّل بين حواضر وبلدان ومواقع كثيرة. هل التقطَ سمعُك مفردةً من تلك التي جئنا على أمثلة منها؟ هل اختلف معجمه كثيراً برأيك عن معاجم مَن سبقوه؟ أعتقد أنّ مفردات مثل "الضوه" و"المرايه" و"الورد" و"البستان".. وعشرات مثلها، استحدثها النُّعمانيّ، وألصقها باسمه النضِر (التَّرِف)، المتزحزح بين أسماء خشنة من فصيلته الشعبية (زاير الدويچ وعبود غفلة وذياب گزار وعريان سيد خلف)، هي مفردات القيمومة الأخيرة من تاريخ القصيدة الشعبية في العراق. لم يكن النُّعمانيّ غريباً عنهم، بل كان طيفاً يسكن معاجمهم. أجل هو طيف في مرآة العراق الكبيرة، تعكس في كلّ حين انخطاف شاعر وغيابه.

يلطِّف رياض النُّعمانيّ من غريزته الشعبية، فينسب قصائده إلى مصادر "عاميّة"، بينما تنتمي مفرداته إلى خصوصية غنائية، تتراقص وتذوب مثل قطعة سكر. وفيما يتوجّع الشعراء المظلومون من مرارة الوجع والبلاء، في دواوين بكائية، فإنّ النُّعمانيّ يحلو له أن يذيب ظلاماته ومرارتها في حلقة رقص صوفية؛ يرتفع على واقعه/موقعيته الأصلية بقوة الحلم والرؤيا البيضاء والحب العذريّ. إنه عطّار "الورد"، ومرآة الثلاثين طائراّ في ديوان الحروف والطلاسم العظمى.

ليس النُّعمانيّ كاتباً للشعر، إنّه صوت ممدود بأنّاتٍ وتطويحات وهيام بالمطلق. موسيقيٌّ هارب من جوقةٍ جوّالة في آخرة الليل، سقطت في قبضة العَسَس. وكما لو أراد أن يختتم تقليداً رسّخه أعضاء فرقة "تروبادور" عراقية، أفناها التوهان في ليل المدينة، وأضناها البحث عن شرفات العشق العالية؛ عزمَ على أن يبقى وحيداً وغارقاً في حلمه، ولم ينتبه إلى موت أعضاء فرقته، واحداً بعد الآخر، وتناثُر مفردات معجمهم المستحدَث، وتحوّلها إلى نجوم وقلائد وخلاخيل... حتى وجد نفسه يطرق "البُوب"- أي الأبواب- ويستظلّ بالمآذن، بحثاّ عنهم:

نَحرك رخام،

لكن الرخام ايموج

مسَّه الهوى، وإشتعل برق ورُوج

بمرايته،

تركض خيول الهُوج

ذَهَب وجمان وحرير

بس بالأسا

بس بالاساطير،

الناس بيه إتحير

نحرك إيساوي الدوله والمُلك

ذهب الزمان، ودورة الفلك

رفعة أذان

ومأذنه وورد 

لو اعد

يمكن يوكف العد

زاهي

ملوكي

اتعدّه كل حد.