في زنزانةٍ ضيّقةٍ بنقرة السلمان، حيث الصمت يمتلك أنيابًا، والليل يمتد كأنه لا نهاية له، كان ناظم السماوي يتوسّد الوجع. وفي تلك اللحظة لم يكن وحيدًا، بل كان يحاوره طيفان وُلدا من رحم مأساته: طيفٌ يمثل الأمل المكسور، وطيفٌ يمثل القيد الجاثم.
بدأ الحوار حين همس طيف الأمل بصوتٍ يشبه حفيف النخل البعيد قائلًا: يا ناظم، هل ما زلت تنتظر مكتوبًا يكسر هذه العزلة؟ أم أن السنين العشرين قد شربت ملوحة البحر، وصارت مجرد حكاية تلوكها الألسن في دواوين الكوفة؟
فردّ ناظم بعينين غائرتين في أفق الزنزانة: لا تسأليني عن المكتوب، فقد (انباگت الچلمات من فوق الشفايف)، وتحول (الشوگ) في صدري إلى وحشة (تايه) يفتش عن فيّ نخلة هجرتها الطيور.
هنا تدخل طيف القيد بصوتٍ خشن كصوت الأبواب الحديدية قائلًا: أنت الآن مجرد (سچة درب سوّاك زمانك) لتعبر فوقك خيبات العمر، فما نفع الحنين وأنت (عاگولة) في وسط صحراء لا تذوق المطر منذ أزل؟
انتفض ناظم بكرامة الشاعر المستنطق لرموز مدرستنا الكوفية، وقال: لست (سچة) للمارة، بل أنا منارة للقيم، وإن كنت (عاگولة) فأنا الذي طرز الحزن روحه ليعتذر للجمال عن بشاعة هذا القيد. أتحسب أن الحبيبة التي غفت في سابع (سماها) قد نسيت (عطابة) جرحي الذي لا ينطفئ؟ إنها نجمة تراقب انكساري لترسم منه خارطة للحرية.
ثم التفت ناظم نحو زاوية العتمة ونادى: (يا حريمة)، هل تسمعين أنين الزلف وهو يتغاوى مع الليل (بطراف الگصيبة)؟ أنا الذي نذرت فكري للناس، ولم يحجبه عن خدمة الغير أوجاعٌ ولا تعب، فكيف أستسلم لخيبة وعد، وقد صفيت بلا وعدك؟
في غمرة هذا الاشتباك الوجداني، وبينما كان السجّان يظن أنه أحكم الإغلاق على جسد الشاعر، كان ناظم يبتسم؛ لأنه أدرك بوعي الحداثة أن الجرح الذي لم (يتعطب) هو وحده الذي سيتحول إلى نشيدٍ خالد يردده العشاق والفقراء، وكل من ذاق حنظل الفراق وبقي برحيًا في ذائقته. كان حوارًا بين الوجود والعدم، وبين الوفاء والخذلان، انتهى بأن صار ناظم هو السجّان لجلاديه؛ لأنه حبس وجعهم في قصيدة لا تموت، وبقي هو حرًا يحلق في سماء الحرف والقيم.
التحليل الجامع:
تتجلى في قصيدة (يا حريمة) للشاعر الكبير السماوي هندسةٌ روحيةٌ وحرفية، تبدأ من عتبة النداء في حرف الياء الذي هيمن على مفاصل النص بوصفه الحرف الرمزي للانكسار والامتداد الوجداني، وقد ورد في النص ثمانٍ وأربعين مرة، ليربط الشاعر بياء المتكلم في (روحي، وجرحي، وعمري، وسنينك، وظليت، وصار، وسوّاني)، مما يجعل النص غارقًا في الذاتية المتألمة.
تلي الياء في القوة والظهور حاء (الحريمة)، التي تكررت اثنتي عشرة مرة بوصفها الكلمة الرمزية للمقدس المهدور، ومركزًا للاحتراق الذاتي وتجسيدًا لحرارة الوجع الذي صهر روح الشاعر في سجن نقرة السلمان؛ حيث يمثل حرف الحاء في مواضع (حريمة، وحنظل، وحزن، وحيرة) بؤرة الارتكاز الشعوري، وطاقة النار الكامنة التي تلتهم سياج الصبر وتعلن ضياع العمر هباءً.
وفي قول الشاعر (انباگت الچلمات) نجد اصطدام حرف الكاف، الذي ورد أربع عشرة مرة، بوصفه الحرف الرمزي للمصادرة والكشف القسري؛ حيث جاء بتركيز خاص في مواضع القطع والسرقة مثل (شتالك، وطبعك، وبختك، وخدك)، ليعطي النص نبرة الاحتجاج الخفي، ويتحول من أداة للنطق إلى شاهد على تغييب الكلمة خلف القضبان. فالسماوي لم يفقد صوته، بل سُرقت منه لغة التواصل مع الحياة، ليبقى الحرف سجينًا بين الشفتين والقلب. ومن هنا يبرز التضاد الصارخ في الرمزية المكانية والنفسية حين يضع الشاعر ذاته في مواجهة المحبوب في الجملة الرمزية المحورية: (انت نرجس وآنه عاگولة صحاري)، لتتشكل الصراع الرمزي بين الرغد والسجن، وبين الطراوة والصلابة.
حيث يبرز حرف العين، الذي تكرر عشر مرات، بوصفه الحرف الرمزي للتجويف والأنين الذي يمتص ألم البيئة القاسية في مواضع عشرين (وعشگ، وعاگولة، وعطابة، وعمري، وعضد)، بينما شكّل حرف الميم، الذي تكرر عشرون مرة، الحرف الرمزي للانغلاق والتمتمة والحزن الساكن في كلمات مثل (دمعات، ومكتوب، وسماهه، ومرّة).
وهي صورة تعكس واقع الحال في البادية، حيث الصبار و(العاگول) هما الأنيس الوحيد للغريب. وتكتمل هذه الهندسة بقوة الأفعال المضارعة التي سيطرت على النص مثل (يتغاوه، وغفت، ويوديلي)، لتمنح الوجع صفة الاستمرارية وعدم الانقطاع، بينما جاءت أفعال الأمر القليلة والموجعة مثل (هاك، واعتذر) لتعلن حالة الاستسلام المطلق وتقديم التضحيات القسرية.
ومن المثير جفريًا أن الشاعر قد هجر تمامًا حروف الثاء والظاء والذال، وهي الحروف اللثوية التي تحتاج إلى إخراج طرف اللسان، وهذا الهروب الحرفي يعكس حالة الكبت النفسي وضيق النفس الذي يعاني منه السجين؛ حيث يميل النص إلى الحروف التي تخرج من جوف الصدر أو الشفتين دون تعقيدٍ لثويٍّ مجهد، ليستبدلها بحروف الهمس واللين التي تلائم لوعة الفراق وانكسار الروح.
وقد أخفق النص رمزيًا في استخدام الحروف الجهرية الحادة، ليعوّض هذا الإخفاق بقوة الرمز المستمد من قصة القصيدة التي كُتبت خلف القضبان. وبذلك نجد أن القصيدة تمثل دائرة جفرية مغلقة تبدأ بالحسرة وتنتهي بها؛ حيث تعود الياء في نهاية النص لتغلق باب الأمل، وتعلن أن السنين العشرين لم تكن إلا رحلة في تيه (الشوگ والوحشة). وبذلك نكون قد استنطقنا بواطن الكلم من مخالب النقد التقليدي لنضعها في إطار سيمائي متين يربط بين زفرة الشاعر وهندسة الحرف الكوفية الأصيلة.
وفي ذات السياق المنهجي، واستنادًا إلى قانون الانتقاء الوظيفي للمدارس الذي اعتمدناه قاعدةً في مدرستنا الجفرية، نستنطق النص عبر مدرسة النقد النفسي التي أسسها سيجموند فرويد؛ حيث نجد الأنا المحاصَرة للشاعر، وهي تواجه الأنا الأعلى المتمثل في قسوة السلطة والسجن، مما ولّد هذا الاغتراب الذي نطق به حرف الياء الكثيف. كما ينسجم النص مع المدرسة البنيوية لمؤسسها فرديناند دي سوسير في تحليل العلاقة بين الدال والمدلول؛ حيث لم تعد الكلمة هنا مجرد صوت، بل هي بنية مغلقة تعيد إنتاج مأساة السجين عبر تكرار الكلمات والمقاطع الصوتية المتجانسة.
وفي القراءة الختامية، نُخضع النص للمنهجية الأكاديمية التي تقتضي استقصاء المصادر التاريخية وتوثيق البيئة الزمكانية للنص، لربط المنجز الإبداعي بالواقع الموضوعي؛ حيث نجد أن القصيدة التزمت بوحدة الموضوع وتماسك الوحدة العضوية رغم تباعد الصور الشعرية، مما جعلها نصًا أكاديميًا متكاملًا يستوفي شروط المتانة اللغوية والاتساق البنائي.
وبناءً على ذلك، فقد تم استبعاد المدرسة السريالية لعدم مواءمتها مع واقعية التجربة الشعورية الصادقة لهذا النص، وبهذا نكون قد أحكمنا القيد النقدي على القصيدة من كل جانب، متمسكين بكل حرف ورقم ورمز وقاعدة منهجية دون نقصان.
ـــــــــــــــــــــــــــ
*مؤسس مدرسة الحرف الجفري الرمزي الكوفية