اخر الاخبار

رغم ارتفاع الخزين المائي في العراق، ما تزال أهوار محافظة ميسان تواجه تداعيات شح المياه وتراجع الإطلاقات المائية، في مشهد تتباين فيه المؤشرات المائية مع واقع الصيادين والسكان المحليين، الذين يواجهون تقلص مساحات الصيد وتراجع الثروة السمكية، وصولاً إلى نفوق جماعي للأسماك. وبين مطالبات بتأمين حصة مائية ثابتة للأهوار ودعوات إلى زيادة الإطلاقات خلال الموسم الشتوي المقبل، تتصاعد المخاوف من استمرار التدهور البيئي وانعكاساته على سبل عيش السكان والأنشطة الزراعية.

شح المياه يبتلع مهنة الصيد

وقال عباس كاظم، أحد صيادي هور الحويزة في محافظة ميسان، إن «شح المياه خلال السنوات الماضية أثّر بشكل كبير على الصيد، لأن مساحات من الهور انحسرت، وصارت مناطق الصيد أقل من قبل، وهذا انعكس على كمية الأسماك اللي نكدر نصيدها».

وأضاف عباس لـ«طريق الشعب» أن «الصيد بالنسبة إلنا مو مجرد مهنة، وإنما مصدر رزق نعتمد عليه بإعالة عوائلنا، لكن مع تراجع المياه وقلة الأسماك، صارت مواصلة العمل أصعب، خصوصاً أن معيشتنا مرتبطة بما يوفره الهور».

وأشار إلى تعرض الأسماك في الأهوار إلى النفوق بأعداد كبيرة قبل مدة قصيرة، وقد وثّق ذلك العديد من الشخصيات في ميسان، إلا أن الأمر يتكرر من دون استجابة.

وتابع أن «استمرار شح المياه يهدد مستقبل الصيادين، وإذا ما استمرت الإطلاقات المائية ووصلت كميات كافية إلى الهور، راح تتفاقم المشكلة وتتضرر الثروة السمكية أكثر». وأشار إلى أن «اللي نحتاجه هو إطلاقات مائية مستمرة، لا حلول مؤقتة، حتى يستعيد الهور عافيته ونكدر نستمر بمهنتنا».

الشتاء على الأبواب والاهوار عطشى

ويرى مدير ناحية المشرح، سلام رحيم، أن الإطلاقات المائية الواصلة خلال الفترة السابقة إلى الأهوار والقرى التابعة للناحية عبر نهر المشرح جيدة، مؤكداً ضرورة زيادتها خلال الموسم الشتوي المقبل، بما يسهم في ديمومة الأهوار وإنعاشها ودعم القطاع الزراعي والمزارعين وسكان القرى.

وبين رحيم لـ«طريق الشعب» أن «الأهوار تعكس إرثاً حضارياً، فيما لها أهمية في رفد القطاعات الاقتصادية المختلفة، ولا سيما الزراعة»، مشيداً بالجهود التي تبذلها الجهات المعنية لدعم المناطق المتضررة.

مطالبات بحصة مائية مستقرة

وقال الناشط البيئي من ميسان، مصطفى هاشم، إن الوضع المائي في العراق يبدو جيداً خلال العام الحالي، في ظل ارتفاع مناسيب الخزين المائي في السدود والخزانات العراقية، نتيجة الإطلاقات المائية من تركيا باتجاه نهري دجلة والفرات، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بالمستوى المطلوب على واقع الأهوار.

وأضاف هاشم في تعليق لـ«طريق الشعب» أن الإطلاقات المائية المخصصة للأهوار ما زالت دون مستوى الطموح، ولا تتناسب مع حجم الخزين الاستراتيجي المتوافر في السدود العراقية، مشيراً إلى أن وزارة الموارد المائية تركز على خزن المياه، فيما تقتصر الإطلاقات الحالية، بحسب وصفه، على تلبية جزء من احتياجات الزراعة ومياه الشرب، من دون ضمان حصة مائية ثابتة للأهوار.

وأوضح أن سكان الأهوار والناصرية يطالبون منذ فترة طويلة بتحديد حصة مائية مستقرة تضمن استمرار تدفق المياه، بدلاً من ربط وصولها بهطول الأمطار أو بزيادة الإطلاقات عند تحقق فائض في الخزين المائي.

وتابع هاشم أن استمرار التعامل مع الأهوار على أساس ما يتبقى من المياه، بدلاً من تخصيص حصة واضحة لها ضمن الخطط المائية، يعزز شعور سكانها بالتهميش وعدم إدراج احتياجات مناطقهم ضمن الأولويات الحكومية، مؤكداً أن هذا الواقع دفعهم إلى التحرك والمطالبة بإنهاء ما وصفه بالتمييز في توزيع المياه، وضمان حقوق الأهوار وسكانها في الحصول على حصتهم المائية.

لم ينعكس ارتفاع الخزين المائي في البلاد على واقع الأهوار والمسطحات المائية، إذ شهدت قناة العمشان في ناحية الخير التابعة لقضاء المجر الكبير نفوقاً جماعياً للأسماك، جراء تراجع الإطلاقات المائية وانخفاض المناسيب.

وكانت رئيسة لجنة الزراعة والمياه في مجلس محافظة ميسان، سكنة نعمة الياسري، قد عزت في وقت سابق الحادثة إلى الانخفاض الحاد في الإطلاقات المائية المخصصة للمحافظة، محذرة من تداعيات استمرار الأزمة على الثروة السمكية والأراضي الزراعية، ولا سيما مع نفوق أعداد كبيرة من الأسماك صغيرة الحجم، وما يرافق ذلك من خسائر بيئية واقتصادية.

وتتزامن هذه الحادثة مع شكاوى سكان الأهوار من عدم تخصيص حصص مائية ثابتة تضمن استدامة تدفق المياه، رغم إعلان ارتفاع الخزين المائي في البلاد إلى 34 مليار متر مكعب. ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن آليات توزيع المياه وأولويات إطلاقها، في وقت يحذر فيه ناشطون بيئيون من تكرار نفوق الكائنات الحية وتراجع التنوع الأحيائي، نتيجة استمرار انخفاض المناسيب وعدم كفاية الإطلاقات المائية.