تفتح الضرائب والرسوم المقترحة في مشروع موازنة العراق لعام 2027 باباً واسعاً للنقاش بشأن اتجاهات السياسة المالية وقدرة الحكومة على معالجة العجز، بعيداً عن تحميل جيوب المواطنين والقطاع الخاص أعباء إضافية.
فبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر توسيع قاعدة الجباية وفرض ضرائب على طيف واسع من الخدمات والأنشطة، يحذّر اقتصاديون من تداعيات هذه الإجراءات على القدرة الشرائية والأسعار والاستثمار، فضلاً عن إشكالات دستورية تتعلق بصلاحيات فرض الرسوم وتعديلها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع فيه قدرة السوق على استيعاب أعباء جديدة.
جلسة استثنائية
وأفاد مصدر حكومي، بأن مجلس الوزراء سيعقد جلسة استثنائية السبت المقبل، للتصويت على مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، تمهيداً لإرساله إلى مجلس النواب للتصويت عليه قبل نهاية العام الحالي.
ويأتي إعداد موازنة 2027 بعد عدم إقرار جداول موازنة 2025، وعدم إقرار قانون موازنة لعام 2026، ما أبقى الإنفاق الحكومي خلال العامين وفق آلية الصرف المؤقت بنسبة 1/12، استناداً إلى قانون الإدارة المالية.
ضرائب ورسوم تثير إشكالات دستورية
وفي هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، ان موازنة العراق لعام 2027، تتضمن حزمة واسعة من الضرائب والرسوم الجديدة، تشمل فرض رسوم على الإعلانات التجارية التي ينشرها المشاهير وأصحاب المحتوى الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والوكالات والمواقع الإلكترونية التابعة للمؤسسات الإعلامية العاملة في العراق
واشار الى استحداث رسم مطار بقيمة 25 ألف دينار عن كل تذكرة سفر إلى الخارج، و10 آلاف دينار في المطارات العراقية والمنافذ الحدودية.
وذكر المرسومي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الحزمة تشمل أيضاً فرض ضريبة مبيعات بنسبة 10 في المائة على خدمات الهاتف النقال وشبكات الإنترنت، وضرائب على الخدمات المقدمة في المطاعم والفنادق حتى الدرجة الثانية، وعيادات أطباء التجميل ومراكز التجميل والمستشفيات الخاصة والعيادات البيطرية والنوادي والقاعات الرياضية والترفيهية، إلى جانب فرض ضريبة على أصحاب المنازل الذين يمارسون أنشطة تجارية من داخلها.
وأشار إلى أن المادة 19 ستمنح الوزراء والمحافظين صلاحيات جباية تتيح فرض الرسوم وتعديلها وفق ضوابط إدارية، مع الاحتفاظ بنسبة 80 في المائة من إيراداتها. فيما تتيح المادة 18 لمجلس الوزراء تعديل مقياس ضريبة الدخل، معتبراً أن هذه الصلاحيات تثير إشكالية دستورية لتعارضها مع المادة 28 من الدستور التي تشترط فرض الضرائب والرسوم وتعديلها وجبايتها والإعفاء منها بموجب قانون.
وأضاف أن المادة 16 أولاً/أ تمثل شكلاً من أشكال الجباية بالإكراه، من خلال ربط إنجاز المعاملات الحكومية بتقديم فواتير الماء والكهرباء وغيرها، موضحاً أن ذلك يعني تعطيل معاملات المواطنين لحين تسديد فواتير خدمات لا تستطيع الدولة ضمان توفيرها على مدار اليوم.
وحذّر المرسومي من أن توسيع الرسوم والجباية يضيف أعباء مالية على المواطنين، في ظل ذروة صدمة الطاقة، مشيراً إلى أن هذا التوجه يتعارض مع توصيات صندوق النقد الدولي بشأن تقديم دعم مؤقت وموجّه للفئات الأكثر فقراً.
إلقاء كلفة العجز المالي على كاهل المواطنين
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن الضرائب والرسوم المقترحة في موازنة العراق لعام 2027 تعكس توجهاً نحو توسيع الجباية لتعويض جانب من الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة، مع تركيز أكبر على المواطنين والأنشطة الاقتصادية والخدمية بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية في الإنفاق العام.
وأضاف في حديثه مع "طريق الشعب"، أن الأزمة المالية العراقية لا تقتصر على نقص الإيرادات، إذ ترتبط ببنية المالية العامة القائمة على الاعتماد الكبير على النفط، وتضخم النفقات التشغيلية، وارتفاع فاتورة الرواتب والتقاعد، وضعف الإيرادات غير النفطية، مشيراً إلى أن معالجة العجز بصورة مستدامة تتطلب مراجعة الإنفاق الحكومي ومكافحة الهدر والفساد ورفع كفاءة المؤسسات العامة، بدلاً من تحميل المواطنين كلفة الاختلالات المتراكمة.
وأوضح أن توسيع الإيرادات غير النفطية يمثل ضرورة اقتصادية، لكن فرض ضرائب متزامنة على قطاعات واسعة من دون دراسة آثارها يختلف عن إصلاح النظام الضريبي، لافتاً إلى أن الإنترنت والاتصالات لم يعودا من الخدمات الكمالية، بل أصبحا مدخلين أساسيين للإنتاج والتعليم والتجارة والاستثمار، وأن زيادة تكلفتهما قد تؤثر في الاقتصاد الرقمي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وبيّن أن الضرائب المفروضة على المطاعم والفنادق والسفر قد تنعكس على المستهلك من خلال ارتفاع الأسعار، أو تؤثر في حجم الطلب ومستويات التشغيل، داعياً الحكومة إلى إعلان تقديرات تفصيلية للإيرادات المتوقعة من كل ضريبة ورسم، بما يتيح تقييم جدواها ومقارنتها بالأعباء الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها.
وأشار إلى أن جزءاً من الضرائب والرسوم الجديدة قد ينتقل إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات، محذراً من أن الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك تتحمل الفئات محدودة الدخل عبئاً أكبر منها، كونها تخصص نسبة أعلى من دخولها للاستهلاك والاحتياجات الأساسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب المحلي والتأثير في مبيعات الشركات وفرص العمل.
وأكد السعدي أن الإصلاح الضريبي ينبغي أن يكون تدريجياً وعادلاً، وأن يراعي القدرة التكليفية للمواطنين، مشيراً إلى أن المادة 28 من الدستور العراقي تنص على إعفاء أصحاب الدخول المنخفضة بما يضمن عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة.
وتابع أن الاحتفاظ بنسبة 80 في المائة من إيرادات الرسوم للجهات التي تفرضها يثير تساؤلات بشأن وحدة الموازنة العامة والرقابة المالية وعدالة توزيع الموارد بين المحافظات، محذراً من تحول المحافظات إلى وحدات تتنافس في فرض الرسوم على المواطنين والشركات.
وشدد السعدي على ضرورة أن يستند الإصلاح المالي إلى مراجعة الإنفاق العام وتقليل الهدر والنفقات غير المنتجة، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتوسيع القاعدة الاقتصادية المنظمة، وتحفيز القطاع الخاص والاستثمار، إلى جانب بناء نظام ضريبي عادل ومتدرج يحمي أصحاب الدخول المحدودة، وتعزيز الشفافية والرقابة على الإيرادات العامة وتحديد أوجه إنفاقها.
تفاقم الضغوط المعيشية
الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن حزمة الضرائب والرسوم المقترحة ضمن موازنة عام 2027 تعكس توجهاً نحو تعزيز الإيرادات غير النفطية، وهو هدف مطلوب من حيث المبدأ، إلا أن الإشكالية تكمن في آلية تحقيقه وتوقيته، في ظل الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الإنفاق العام، وفي مقدمتها تضخم النفقات التشغيلية وضعف كفاءة الإنفاق.
واضاف في حديثه مع "طريق الشعب"، أن المواطن العراقي يواجه ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتغير سعر الصرف، الذي أدى بصورة غير مباشرة إلى تراجع القيمة الحقيقية للرواتب، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أن معالجة اختلالات الإنفاق كان ينبغي أن تتقدم على توسيع الأعباء الضريبية.
وأوضح أن تنويع الإيرادات الضريبية لا يمثل مشكلة بحد ذاته إذا استند إلى العدالة والكفاءة وتوسيع القاعدة الضريبية، لكن فرض رسوم على طيف واسع من الخدمات والأنشطة، تشمل الإنترنت والاتصالات والمطاعم والسفر والإعلانات الرقمية، قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتسويق والخدمات، ومن ثم انتقال هذه الأعباء إلى المستهلك النهائي.
وبيّن أن الركود الذي يعاني منه السوق العراقية يطرح تساؤلات بشأن مدى تناسب الإيرادات المتوقعة مع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإجراءات، محذراً من أن محدودية الحصيلة المالية، مقابل احتمال تراجع الاستهلاك والمبيعات والاستثمار، قد تضعف القاعدة الاقتصادية التي تعتمد عليها الحكومة في تحصيل الإيرادات مستقبلاً.
وأشار إلى أن تأثير هذه الضرائب في القدرة الشرائية سيكون مباشراً وغير مباشر، نتيجة انعكاس ارتفاع تكاليف الخدمات على أسعارها وتراجع الدخل الحقيقي للأسر، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، لافتاً إلى أن انخفاض الطلب الاستهلاكي قد ينعكس بدوره على نشاط القطاع الخاص وفرص العمل، بما يفاقم مشكلتي البطالة والفقر.
وأكد دعدوش أن تقييم السياسة الضريبية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإيرادات التي تحققها، بل يجب أن يشمل تأثيرها في النمو الاقتصادي والتشغيل والاستقرار الاجتماعي.
وفي ما يتعلق بربط إنجاز المعاملات الحكومية بتسديد فواتير الماء والكهرباء، قال إن هناك تداخلا مع العدالة المالية والاجتماعية، خصوصاً أن الدولة لا توفر هذه الخدمات بصورة منتظمة على مدار الساعة، معتبراً أنه من غير المنصف تحميل المواطن كلفة ضعف الخدمة واستخدام المعاملات الحكومية وسيلة ضغط لتحصيل المستحقات.
وشدد على ضرورة ربط الجباية بتحسين مستوى الخدمات وشفافية الفواتير، وإتاحة آليات للاعتراض على الأخطاء، مع مراعاة الظروف الاجتماعية لأصحاب الدخول المحدودة.
ولفت إلى أن منح الوزراء والمحافظين صلاحيات فرض الرسوم وتعديلها والاحتفاظ بنسبة 80 في المائة من إيراداتها يستوجب تدقيقاً دستورياً ومالياً، مبيناً أن المادة 28 من الدستور العراقي تشترط أن يكون فرض الضرائب والرسوم وتعديلها وجبايتها والإعفاء منها بقانون، الأمر الذي يتطلب أن تكون الصلاحيات التنفيذية محددة بسند تشريعي واضح وألا تتحول إلى تفويض مفتوح.
وختم دعدوش بالقول إن الاحتفاظ بنسبة كبيرة من الإيرادات محلياً قد يعزز اللامركزية المالية، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تفاوت مستويات الجباية بين المحافظات، وخلق حوافز للتوسع في فرض الرسوم على المواطنين والأنشطة الاقتصادية.