اخر الاخبار

مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تعود معاناة العائلات العراقية من كلفة المستلزمات المدرسية إلى الواجهة، في وقت تواجه فيه المدارس أزمة أخرى تتمثل في تأخر وصول الكتب الدراسية وعدم طباعة أعداد كافية من المناهج الجديدة. وبينما تبحث الأسر عن العروض والأسواق الأقل سعراً، يلجأ بعضها إلى شراء الكتب والقرطاسية المستعملة أو استنساخها لتقليل النفقات.

عبء مالي يتجدد كل عام

تقول نادية عصام، وهي أم لثلاثة تلاميذ، إن الاستعداد للعام الدراسي أصبح "يشكل عبئاً مالياً كبيراً علينا، في ظل ارتفاع أسعار الكتب والقرطاسية والمستلزمات المدرسية"، مبينة أنها تضطر في كل عام إلى البحث عن خيارات أقل كلفة لتوفير احتياجات أبنائها.

وتوضح لـ"طريق الشعب"، أن "الذهاب لشارع المتنبي لشراء الكتب والقرطاسية أصبح مكلفاً، أو أحياناً نذهب لمكتبات تقدم عروضاً خلال هذه الفترة، فالكثير من الكتب والمستلزمات أسعارها مرتفعة، خصوصاً عندما تكون العائلة لديها أكثر من طفل"، مشيرة إلى أنها تضطر أحياناً إلى شراء بعض الكتب والمستلزمات المستعملة لتقليل المصاريف.

وتضيف أن تكاليف العام الدراسي لا تقتصر على الكتب والدفاتر والأقلام، وإنما تشمل مستلزمات أخرى تتراكم على الأسرة، ما يجعل توفير الاحتياجات المدرسية للأطفال الثلاثة عبئاً واضحاً، ولا سيما مع ارتفاع الأسعار.

وتتابع أن "الأم تحاول تدبر الأمور قدر الإمكان، فتشتري الجديد عندما يكون ضرورياً، وتلجأ إلى المستعمل في الأشياء التي يمكن استخدامها مرة أخرى"، لافتة إلى أن الأسر باتت تبحث عن البدائل الأرخص بدلاً من شراء كل المستلزمات الجديدة في بداية العام الدراسي.

متى تتجاوز الوزارة هذه الأزمة؟

من جانبها، تقول هناء جبار، ناشطة تربوية، إن مشكلة توزيع الكتب والمناهج الدراسية تتكرر مع بداية كل عام دراسي، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، مبينة أن المدارس كانت في السابق تبدأ توزيع الكتب قبل انطلاق الدوام بمدة كافية، بحيث تكون نسبة كبيرة من المناهج متوفرة لدى الإدارات والطلبة، إلا أن الوضع تغير خلال السنوات الأخيرة. وتضيف جبار لـ"طريق الشعب"، أن المدارس باتت تستلم الكتب على دفعات متفرقة، إذ تصل مادة دراسية في وقت، تليها مادة أخرى بعد فترة، ما يجعل الطالب يبدأ عامه الدراسي من دون امتلاك المناهج الكاملة، مشيرة إلى أن بعض المدارس تضطر إلى الانتظار شهراً أو شهرين لاستكمال حصص الكتب وتوزيعها على الطلبة.

وتعتقد أن هذا التأخير لا ينعكس على الطلبة وحدهم، وإنما يحمّل إدارات المدارس أعباء إضافية، إذ تضطر الإدارات إلى مراجعة الجهات المعنية ونقل الكتب واستلام حصص المدارس على نفقتها الخاصة، من دون توفير وسائل نقل أو دعم مالي لهذا الغرض، الأمر الذي يزيد من كلفة العمل ويستهلك وقت وجهد الكوادر التربوية.

وتؤكد أن التأخر في توفير الكتب يضع الأهالي أمام خيارات صعبة، فبعضهم يلجأ إلى شراء الكتب أو استنساخها أو طباعتها لتوفيرها لأبنائهم، في وقت يفترض أن تكون الكتب المدرسية متاحة للطلبة قبل بدء العام الدراسي، باعتبارها من المستلزمات الأساسية التي تقع مسؤولية توفيرها على وزارة التربية والجهات المختصة.

لماذا عدم الاستفادة من العطل الصيفية؟

وتتساءل جبار عن أسباب استمرار المشكلة رغم وجود أشهر طويلة خلال العطلة الصيفية تتيح للجهات المعنية التخطيط والطباعة والتوزيع، قائلة إن "توفير الكتاب المدرسي لا ينبغي أن يبدأ مع بدء دوام الطلبة"، بل يفترض أن تكون الحصص جاهزة في المدارس قبل فتح أبوابها أمام الطلبة. وترى أن تأخر المناهج يسبب هدراً في الوقت والجهد، ويؤثر في سير العملية التعليمية، لأن الطالب يدخل إلى الصف من دون أن يمتلك الكتاب الذي يعتمد عليه في متابعة الدرس، فيما يجد المعلم نفسه أمام طلبة لا تتوفر لديهم المناهج بصورة كاملة.

وتشير جبار إلى مشكلة أخرى تتمثل في اعتماد بعض المدارس على الكتب القديمة أو الفائضة من السنوات السابقة، موضحة أن بعض الطلبة، ولا سيما في الصفوف والمراحل الأولى، قد يتسلمون كتباً مستعملة أو ممزقة، وهو ما يؤثر حتى في الحالة النفسية للطالب وعلاقته بالكتاب المدرسي.

وتلفت إلى أن الكتاب الجديد كان يمثل في السابق جزءاً من فرحة الطالب ببداية العام الدراسي، إذ كان يحرص على تجليده والمحافظة عليه، بينما أدى تراجع جودة الكتب وتأخر وصولها، فضلاً عن تسليم بعض الطلبة كتباً مستعملة، إلى تراجع هذا الشعور، وبالتالي انخفاض اهتمام الطالب بالكتاب والمحافظة عليه.

ولا تقتصر المشكلة، بحسب جبار، على المدارس الحكومية، بل تمتد إلى المدارس الأهلية، خصوصاً في الحالات التي ينتقل فيها الطالب من مدرسة أهلية إلى أخرى حكومية، إذ قد يواجه صعوبة في الحصول على الكتب المدرسية بحجة اختلاف آلية التوزيع بين المدارس.

وتشير إلى أن المدارس الأهلية تحصل هي الأخرى على حصص من الكتب، إلا أن بعض المدارس تعتمد في العملية التعليمية بصورة أكبر على الملازم والمواد التي تعدها أو تطبعها، فيما يتحمل الطلبة تكاليف إضافية لشراء تلك المواد، متسائلة عن مصير الكتب التي يفترض أن يحصل عليها الطالب ضمن استحقاقه الدراسي.

وتشدد جبار على أن تأمين الكتاب المدرسي في الوقت المناسب ليس تفصيلاً ثانوياً في العملية التعليمية، بل جزء أساسي من التخطيط للعام الدراسي، محذرة من أن استمرار التأخير يراكم الأعباء على الإدارات والمعلمين والأهالي، ويحمّل الطالب في النهاية نتائج خلل لا علاقة له به.

الوزارة تعتمد على الكتب المدوّرة!

بدورها، أكدت رئيسة لجنة التربية النيابية، زليخة إلياس، مطلع الشهر الجاري، عدم البدء بطباعة الكتب المدرسية الجديدة حتى الآن، مشيرة الى ان الوزارة "تعتمد حالياً على الكتب المدوّرة من الأعوام السابقة، التي لا تتجاوز نسبتها التقديرية 40 في المائة".

وبينت في حديث تابعته "طريق الشعب"، أن وزير التربية أبلغ اللجنة عدم وجود إجراءات فعلية أو عقود للطباعة حتى الآن، بسبب الأزمة المالية وعدم توفير التخصيصات اللازمة.

وتساءلت إلياس عن موقف الوزارة في حال جلوس التلاميذ في الصفوف مع بداية الدوام من دون كتب مدرسية، مؤكدة أن الموجود حالياً يقتصر على المناهج والكتب المستخدمة خلال الأعوام السابقة.

وكان رئيس الوزراء قد أعلن توفير 50 مليار دينار لوزارة التربية من أجل طباعة كتب الصفوف الأربعة الأولى من المرحلة الابتدائية، وهي الأول والثاني والثالث والرابع، إلا أن المبلغ لم يصل إلى الوزارة حتى الآن، بحسب قول إلياس. وذكرت الوزارة في وقت سابق أن إجراءات طباعة الكتب المدرسية للعام الدراسي الحالي تسير وفق ضوابط وتعليمات واضحة وشفافة، أُعدّت بما يضمن تحقيق أعلى معايير الجودة الفنية والكفاءة في تنفيذ هذا الملف المهم للطالب والأسرة العراقية.

وأكدت الوزارة عبر متحدثها، كريم السيد، أنها "شكلت لجاناً مختصة تحققت ميدانياً من إمكانية وواقع المطابع والشركات واعتمدت الجودة معياراً أساسياً في عملية الإحالة والتنافس بين المطابع والشركات دون تمييز، إذ تخضع جميع العطاءات إلى معايير فنية وقانونية ومالية معلنة، وبما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص ويحافظ على المال العام بأعلى كمية ممكنة".

وبيّن أن "المبلغ المخصص لطباعة الكتب لهذا العام يمثل نحو ثلث المبالغ التي كانت تُخصص لهذا الملف في سنوات سابقة، قياساً بعدد الطلبة، والاعتماد على إعادة تدوير الكتب المستخدمة سابقاً".

مبادرات تطوعية لمساعدة الطلبة

فيما يقول أحمد ليث، ناشط في مجال التعليم، إن تأخر توزيع الكتب المدرسية وارتفاع أسعار القرطاسية يمثلان عبئاً إضافياً على الطلبة وعائلاتهم، خصوصاً مع بدء العام الدراسي وتعدد المستلزمات التي يحتاجها الطالب.

ويبين ليث لـ"طريق الشعب"، أن "الكتاب المدرسي من أبسط حقوق الطالب، ومن المفترض أن يكون متوفراً في المدرسة قبل بدء الدوام، لكن تأخر وصوله يدفع بعض الأهالي إلى شراء الكتب أو استنساخها من الأسواق، وهذا يعني أن الأسرة تتحمل كلفة مشكلة يفترض أن تعالجها الجهات التعليمية".

ويضيف أن ارتفاع أسعار القرطاسية يزيد من الضغط على العائلات، ولا سيما الأسر التي لديها أكثر من طفل في المدارس، موضحاً أن "العائلة لا تشتري دفتراً أو قلماً واحداً، وإنما تحتاج إلى قائمة كاملة من المستلزمات لكل طفل".

ويلفت ليث إلى ظهور مبادرات تطوعية تحاول مساعدة الطلبة في مواجهة هذه التكاليف، مبيناً أن "هناك فرقاً ومبادرات تطوعية تجمع الكتب المدرسية القديمة التي لم تعد تحتاجها العائلات، وتعمل على فرزها وإيصالها إلى طلبة آخرين بحاجة إليها، خصوصاً من الأسر محدودة الدخل".

ويؤكد أن هذه المبادرات تمثل حالة تضامن مهمة داخل المجتمع، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن دور المؤسسات التعليمية، قائلاً إن "العمل التطوعي يساعد ويسد جزءاً من الحاجة، لكنه لا يعفي الجهات المسؤولة من توفير الكتاب المدرسي والمستلزمات الأساسية للطالب في الوقت المناسب".

ويرى أن معالجة المشكلة تحتاج إلى تخطيط مبكر من وزارة التربية يبدأ قبل انتهاء العام الدراسي والعطلة الصيفية، لضمان طباعة الكتب وإيصالها إلى المدارس في الوقت المناسب.