تتواصل جهود العراق لاستعادة آثاره المهربة من الخارج، بينما تبقى المواقع الأثرية نفسها أمام خطر آخر لا يقل خطورة، يتمثل بالنبش العشوائي، الذي يحوّل إرث آلاف السنين إلى غنائم للمتاجرين.
وتنتزع عمليات سرقة القطع الأثرية جزءاً من تاريخ الموقع وسياقه العلمي، وتطرح تساؤلات عن حجم ما فُقد، وصعوبة استعادته، ومدى قدرة الجهات المختصة على حماية ما تبقى.
النبش العشوائي.. سرقة وإهدار لسياق الاثار التاريخي
لم تكن سرقة الآثار العراقية ظاهرة وليدة السنوات الأخيرة، إلا أن الحروب والاضطرابات الأمنية التي مر بها العراق عمّقت من حجم الخطر الذي يهدد المواقع الأثرية ومقتنياتها.
وتصف اليونسكو النبش غير المشروع للمواقع والاتجار غير القانوني بالقطع الأثرية، إلى جانب النهب الذي طال المتاحف والمواقع، بأنها من أبرز التهديدات التي واجهت التراث العراقي، فيما شهدت البلاد موجات واسعة من النهب بعد عام 2003، ثم تعرضت مواقع ومتاحف أخرى للدمار والنهب خلال فترة سيطرة تنظيم داعش.
ولا تقف خسارة النبش العشوائي عند حدود القطعة التي تخرج من باطن الأرض، فالقطعة الأثرية تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها العلمية عندما تُنتزع من سياقها ومكانها الأصلي من دون توثيق.
فالموقع الأثري بالنسبة للباحث ليس مجرد مكان يخفي مقتنيات قديمة، حيث يمثل سجلا تاريخيا متكاملا تساعد طبقات الأرض ومواقع اللقى وعلاقتها ببعضها على إعادة بناء تسلسل الأحداث والحياة التي شهدها المكان.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تنتقل القطع من المواقع إلى شبكة الاتجار الدولية؛ إذ يمكن أن تختفي في مجموعات خاصة أو تظهر في أسواق ومزادات خارج العراق، ما يجعل إثبات مصدرها وملاحقتها واستعادتها مساراً قانونياً ودبلوماسياً طويلًا.
وقد وثّقت اليونسكو منذ سنوات مخاطر الاتجار بالآثار العراقية الناتجة عن نهب المتاحف وعن الحفريات غير المشروعة، مؤكدة أن هذا النوع من التجارة ذو طبيعة عابرة للحدود.
وتشير التجربة العراقية إلى أن استرداد الآثار لا يعني بالضرورة استعادة ما فُقد بالكامل؛ فآلاف القطع أعيدت إلى العراق خلال السنوات الماضية، بينها قطع كانت قد خرجت من المتاحف وأخرى ارتبطت بعمليات نهب وتهريب.
لكن في المقابل، تبقى أعداد القطع التي خرجت نتيجة النبش العشوائي غير قابلة للحصر الدقيق، لأنها غالباً غادرت مواقعها من دون تسجيل أو توثيق مسبق، وهو ما يجعل حجم الخسارة العلمية أكبر من مجرد عدد القطع التي يمكن إحصاؤها.
ولهذا فإن المعركة لا تدور فقط حول إعادة قطعة أثرية إلى المتحف العراقي، وإنما حول حماية ما تبقى في مواقعها الأصلية، ومنع تحويل المواقع الأثرية إلى مصدر للاتجار، والحفاظ على السياق العلمي الذي يمنح القطعة معناها وقيمتها التاريخية.
استرداد أكثر من 24 ألف قطعة منذ 2021
في هذا الصدد، أكد وكيل وزارة الثقافة والسياحة والآثار قاسم السوداني، أن النبش العشوائي الذي تتعرض له المواقع والتلول الأثرية المنتشرة في العراق يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه حماية الإرث الحضاري العراقي، مشيراً إلى أن الوزارة وهيئة الآثار طالبتا في أكثر من مناسبة بتوفير حراس أثريين لتوثيق المواقع وحمايتها من أعمال التجاوز والسرقة.
وقال السوداني لـ"طريق الشعب"، إن عمليات تهريب الآثار تقف وراءها عصابات منظمة، إلى جانب أفراد متورطين بجرائم مختلفة، مبيناً أن ملاحقة القطع المسروقة عن طريق النبش العشوائي تواجه صعوبات، لكونها في الغالب لا تحمل أرقاماً متحفية أو سجلات توثيقية، بخلاف القطع التي كانت محفوظة داخل المتاحف والمسجلة رسمياً.
وأوضح أن الخبراء والآثاريين العراقيين قادرون، من الناحية الفنية، على التعرف الى القطع التي تعود لحضارات بلاد الرافدين، حتى في حال عدم امتلاكها أرقاماً متحفية، لافتاً إلى أن جهود استرداد الآثار تتم بالتنسيق بين الشرطة الآثارية والأجهزة الأمنية، ولا سيما الأمن الوطني وجهاز المخابرات ووزارة الداخلية، فضلاً عن وزارة الخارجية والجهات والمؤسسات العراقية المعنية. وأشار السوداني إلى أن العراق تمكن، بالتعاون مع الجهات والمؤسسات العراقية والدولية المعنية، من استرداد أكثر من 24 ألف قطعة أثرية منذ عام 2021 وحتى الآن، مؤكداً أن هذا العدد يفوق ما جرى استرداده خلال الفترة الممتدة من احتلال العراق وحتى عام 2021. وفي ما يتعلق بالقطع الأثرية المسجلة بأرقام متحفية، أوضح أن متابعة هذه الآثار واستردادها تكون أكثر وضوحاً من الناحية القانونية، مبيناً أن هيئة الآثار تضم أقساماً مختصة، بينها قسم معني بمتابعة الآثار، ويعمل فيه حقوقيون وقانونيون بالتنسيق مع الإنتربول العراقي ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية.
وبيّن أن استرداد القطع الأثرية المهربة يتم عبر مسارات متعددة، منها إقامة الدعاوى القضائية والاستناد إلى الاتفاقيات الدولية، فضلاً عن التعاون المباشر مع عدد من الدول، مشيراً إلى أن العراق تمكن من استعادة آثار من الأردن ومصر والولايات المتحدة ولبنان ودول أخرى.
وأكد أن الدبلوماسية العراقية تؤدي دوراً فاعلاً في هذا الملف، لافتاً إلى وجود دول صديقة تتعاون مع العراق في إجراءات استرداد الآثار، فيما تتطلب بعض الملفات مفاوضات طويلة ومعقدة بحسب الدولة الموجودة فيها القطعة الأثرية وطبيعة الإجراءات القانونية المتبعة فيها.
صعوبة تقدير اعداد الآثار المهربة
وفي شأن ما يُتداول عن وجود أعداد كبيرة من الآثار العراقية المهربة، أوضح السوداني أن تقدير الرقم الدقيق للآثار التي خرجت من العراق عن طريق النبش العشوائي أمر بالغ الصعوبة، لأن هذا النوع من السرقة لا يمتلك سجلاً أو قاعدة بيانات يمكننا من تحديد العدد.
وأضاف أن هناك نوعاً آخر من الآثار التي تعرضت للسرقة، ولا سيما ما جرى خلال أحداث الاحتلال وما تعرضت له بعض المتاحف، ومن بينها متحف الموصل، من اقتحام وتدمير ونهب على يد عصابات داعش الإرهابية، مبيناً أن تقدير حجم الآثار المهربة في هذه الحالات يختلف عن الآثار الناتجة عن النبش العشوائي.
وأشار إلى وجود خطة مستدامة لمتابعة القطع الأثرية العراقية الموجودة خارج البلاد والعمل على إعادتها إلى العراق، مؤكداً أن العراق تمكن بعد سيطرة داعش على عدد من المحافظات من حشد الرأي العام الدولي تجاه قضية حماية الآثار العراقية واستردادها.
ولفت إلى أن الجهود العراقية أثمرت أيضاً عن تحركات دولية داعمة لحماية التراث العراقي، وصولاً إلى صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي يتعلق بمنع دول الجوار من تسهيل عبور الآثار العراقية إلى الخارج.
وعن أبرز الصعوبات التي تواجه عملية الاسترداد، قال السوداني إن الملف يواجه تحديات مالية وقانونية ودبلوماسية، من بينها ارتفاع تكاليف إقامة الدعاوى القضائية، فضلاً عن محدودية التخصيصات المالية والظروف الاقتصادية التي يمر بها العراق، إضافة إلى حاجة بعض الملفات إلى مفاوضات طويلة مع الدول التي توجد فيها الآثار.
وأوضح أن الآثار العراقية تظهر أحياناً في مزادات علنية، بينما توجد أخرى ضمن مزادات سرية، وهو ما يجعل عملية الرصد والمتابعة أكثر تعقيداً، مؤكداً أن وزارة الثقافة والسياحة والآثار تعمل، بحسب اختصاصها، على مسارات متوازية تشمل العمل السياسي والدبلوماسي والأمني والقانوني لاستعادة القطع الأثرية.
وشدد السوداني على أن استرداد الآثار مسؤولية وطنية تتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي، مؤكداً أن الآثار العراقية تمثل ثروة وطنية وإرثاً إنسانياً يتجاوز حدود العراق، باعتبارها شاهداً على واحدة من أقدم الحضارات في العالم.
دعوة لحماية الآثار
ودعا المواطنين، ولا سيما سكان المناطق القريبة من المواقع الأثرية، إلى التعاون مع السلطات المختصة والأجهزة الأمنية والإبلاغ عن عمليات النبش والسرقة والتهريب، وعدم العبث بالمواقع والتلول الأثرية، مؤكداً أن مكافحة تهريب الآثار لا تقتصر على السارق المباشر، وإنما تشمل أيضاً كل من يقدم الدعم أو التسهيلات اللوجستية لهذه العمليات.
كما دعا السوداني الجاليات العراقية في الخارج إلى الإسهام في حماية التراث الوطني، من خلال الإبلاغ عن أي قطع يُشتبه بأنها عراقية وتظهر في مزادات أو متاجر خارج البلاد، عبر السفارات العراقية، بما يتيح للجهات المختصة متابعتها قانونياً والعمل على استردادها.
وأكد في ختام حديثه أن حماية الآثار العراقية مسؤولية جماعية، وأن المواطن، ولا سيما القريب من المواقع الأثرية، يمكن أن يكون عيناً للجهات المختصة في رصد عمليات النهب والتهريب والإبلاغ عنها، بما يسهم في الحفاظ على الإرث الحضاري للعراق وإعادته إلى موطنه الأصلي.
النبش العشوائي يعطل عمل المنقبين
من جانبه، اوضح الباحث الآثاري جنيد عامر أن المجاميع الآثارية تمثل الهوية المعرفية لأي موقع أثري، سواء كان معلناً عن أثريته أو لا يزال في مراحل التسجيل والتوثيق، مبيناً أن اللقى الأثرية وعمليات التنقيب العلمي، تشكل الأساس في تحديد الأدوار التاريخية للمواقع وتسلسلها الزمني. وقال لـ"طريق الشعب"، إن فقدان أي قطعة أثرية، بغض النظر عن تاريخها أو مواصفاتها، يمثل خسارة معرفية وعلمية، لأنه يؤدي إلى فقدان جزء من المعلومات التي يمكن من خلالها تحديد هوية التل الأثري أو نقطة اكتشاف القطعة، فضلاً عن تأثير ذلك في الدراسات اللاحقة المتعلقة بالموقع.
وأوضح أن ما يُعرف بـ"النبش العشوائي" لا يمكن اعتباره تنقيباً بالمعنى العلمي، كون التنقيب الأثري عملية منظمة تقوم على أسس ومناهج علمية دقيقة، فيما ترتبط عمليات النبش غير المنظم غالباً بأشخاص أو جماعات لا يدركون القيمة التاريخية والحضارية للقطع الأثرية، ويهدفون بالدرجة الأساس إلى تحقيق مكاسب مالية من خلال استخراجها وبيعها أو تهريبها.
وأشار إلى أن الوازع الديني يمثل أحد المسارات المهمة للحد من هذه الممارسات، مستشهداً بفتاوى المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني بشأن الآثار، والتي تمنع استخراج الآثار من المواقع وبيعها أو تهريبها، ولا تجيز شراء القطع المنهوبة، مع التأكيد على ضرورة إعادتها إلى المتحف العراقي في الحالات التي تتعلق بمقتنياته.
وبيّن أن الفتاوى الشرعية أكدت كذلك عدم وجود فرق في الحكم بين الآثار الإسلامية وغيرها، مشدداً على أهمية الاستناد إلى هذه المواقف الدينية في توعية المجتمع بخطورة الاتجار بالآثار العراقية باعتبارها ثروة وطنية وإرثاً حضارياً. ولفت عامر إلى أن التشريعات العراقية تجرّم عمليات الاعتداء على الآثار والتنقيب غير المرخص والاتجار بها، مشيراً إلى أن قانون الآثار والتراث العراقي رقم (55) لسنة 2002 يتضمن سبعة فصول و53 مادة قانونية تنظم حماية الآثار والتراث، والآثار المنقولة وغير المنقولة، وعمليات التنقيب، فضلاً عن العقوبات والأحكام العامة والختامية.
وأوضح أن القانون نُشر في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 3957 في 18 تشرين الثاني 2002، ويتضمن في مادته الأولى التأكيد على الحفاظ على الآثار والتراث في جمهورية العراق باعتبارهما من أهم الثروات الوطنية.
وأشار إلى أن القانون ألزم من يكتشف أثراً غير منقول بإبلاغ أقرب جهة رسمية أو منظمة جماهيرية خلال 24 ساعة، على أن تقوم تلك الجهة بإبلاغ السلطة الآثارية فوراً، فيما نصت إحدى مواد القانون المتعلقة بالآثار المنقولة على تسليمها إلى السلطة الآثارية ضمن المدة المحددة قانوناً.
وأضاف أن الفصل السادس من القانون خصص للعقوبات، ويتضمن عشر مواد عقابية مختلفة تبدأ بالمادة 38 وتنتهي بالمادة 47، بما يعكس الطبيعة القانونية الصارمة التي أحاط بها المشرّع العراقي حماية الآثار والتراث.
وأكد عامر أن استخراج القطع الأثرية بطرق غير علمية يؤدي إلى إعاقة عمل المنقبين والباحثين، موضحاً أن التنقيب الأثري ليس مجرد عملية استخراج للقطع، وإنما عمل حقلي متكامل يبدأ برسم وتخطيط نقطة التنقيب وتشبيكها وفق أسس علمية، ثم إخضاع المكتشفات لسلسلة من الإجراءات الفنية والإدارية والدراسات المتخصصة.
وبيّن أن فقدان القطعة من سياقها الأثري يؤدي إلى ضياع جزء من هوية الموقع، وقد يتسبب في فقدان معلومات أساسية تتعلق بتاريخ المكان وهويته الحضارية، الأمر الذي ينعكس على الدراسات الأثرية ويؤخر الوصول إلى النتائج العلمية الدقيقة.
وأوضح أن الباحثين يعتمدون على مجموعة من المناهج والوسائل العلمية لتحديد أعمار المكتشفات وفهم سياقاتها التاريخية، من بينها التأريخ بالكربون المشع «كربون 14» ونظام بوتاسيوم-أرغون، فضلاً عن الدراسات المقارنة والاستفادة من البحوث والمقالات المنشورة في المجلات العلمية المحلية والأجنبية، إضافة إلى رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه والمصادر المتخصصة.
وأشار إلى أهمية المجلات والدوريات العلمية المتخصصة في هذا المجال، ومنها مجلة «سومر» ومجلة «المسكوكات»، لما توفره من بحوث ودراسات تساعد الباحثين على بناء رؤية علمية أكثر دقة بشأن القطع والمواقع الأثرية، مؤكداً ضرورة مواكبة التطور التقني العالمي وإدخال الأجهزة والأساليب الحديثة التي تساعد في تحديد خصائص المكتشفات وتفاصيلها.
وفي ما يتعلق بالتمييز بين القطع الأثرية الأصلية والمزيفة، أكد عامر أن العملية معقدة وتتطلب خبرة فنية واختصاصاً دقيقاً، مشيراً إلى أن الجهات المختصة في هيئة الآثار والتراث ودائرة المتاحف العامة واللجان الفنية المعنية هي الجهات صاحبة الاختصاص في فحص القطع وتقييمها.
وأضاف أن هناك إجراءات تتعلق باستلام الآثار من المواطنين أو الجهات الأمنية المختصة، وفي الحالات التي يثبت فيها ارتباط القطعة بمخالفة للقانون، تتخذ الإجراءات القانونية بحقها، مبيناً أن التشريعات العراقية تحظر كذلك تقليد القطع الأثرية أو تزييفها.
وأشار إلى وجود شعبة الصب في المختبر المركزي، وهي الجهة المعنية بإنتاج النماذج الجبسية واللدائنية، لافتاً إلى أن هذه النماذج متاحة للراغبين بالاقتناء بأسعار حكومية مدعومة وبموجب كتب ووصولات رسمية، بما يتيح الحصول على نماذج تحاكي القطع الأثرية دون اللجوء إلى الاتجار بالقطع الأصلية.
وشدد الباحث الآثاري في ختام حديثه على أن ظاهرة النبش العشوائي مرفوضة بكل أشكالها، ولا ترتبط بموقع أثري محدد، داعياً إلى توفير الدعم اللازم للجهات المعنية وتعزيز الحماية الميدانية للمواقع الأثرية، وتكثيف التعاون بين المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والمجتمع المحلي، للحد من هذه الممارسات التي تهدد جزءاً من هوية العراق الحضارية.