اخر الاخبار

لم تعد العلاقة بين هيئة الإعلام والاتصالات ووسائل الإعلام، تقتصر على تنظيم البث ومراقبة المحتوى، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الإعلامي، مع تصاعد قرارات الإنذار والتغريم والإيقاف ومنع الظهور بحق برامج وقنوات ومحللين وشخصيات سياسية.

55 قرارا خلال 90 يوما

وبحسب تقرير أصدرته جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، فقد رصدت الجمعية 55 قرارا وإجراء اتخذتها هيئة الإعلام والاتصالات خلال الفترة الممتدة من الأول من حزيران وحتى نهاية آب 2026، شملت إيقاف برامج، وإنذارات لوسائل إعلام، وغرامات مالية، ومنع أو حظر ظهور شخصيات، إضافة إلى إنذارات طالت شخصيات إعلامية وسياسية.

وتظهر البيانات التي أوردها التقرير أن الإجراءات توزعت على خمسة مسارات رئيسية: 5 قرارات لإيقاف برامج، و13 إنذارا لوسائل إعلام، و8 قرارات تغريم، و22 قرارا بمنع أو حظر الظهور، فضلا عن 7 إنذارات لشخصيات، ليصل مجموع الإجراءات إلى 55 قرارا.

وتقول الجمعية إن هذا الرقم يمثل ارتفاعا ملحوظا في وتيرة الإجراءات مقارنة بالفترة السابقة من العام، وترى أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد القرارات، وإنما بطبيعة العقوبات المستخدمة، خصوصا قرارات منع الظهور وإيقاف البرامج، والتي تعتبرها الجمعية تدابير تمس بصورة مباشرة مساحة العمل الإعلامي.

من الإنذار إلى إيقاف البرامج

الرصد الذي أعدته الجمعية يكشف أن قرارات الهيئة لم تقتصر على التنبيه إلى مخالفات محتوى، وإنما وصلت في عدد من الحالات إلى إيقاف برامج ومنع مقدميها أو ضيوفها من الظهور لفترات زمنية متفاوتة.

ففي السابع من حزيران، سجل التقرير إنذارا لبرنامج "الملف 13 مع أحمد الحربي"، ثم قرارا بمنع محلل سياسي من الظهور لمدة 45 يوما.

وفي حالات أخرى، فرضت الهيئة قرارات منع ظهور لمدة 30 و60 و90 يوما، بينما وصلت بعض العقوبات إلى منع الظهور لمدة عام كامل.

كما شملت الإجراءات برامج على عدد من القنوات العراقية، من بينها الرشيد، الأولى، عراق الحدث، UTV، الفلوجة، دجلة، سامراء، آي نيوز، والدولة، وفقا لما أورده التقرير.

ومن بين الحالات التي رصدها التقرير، إيقاف برنامج "صدى الشارع" على قناة عراق الحدث ومنع مقدميه وضيوفه من الظهور لمدة 90 يوما، إضافة إلى قرارات أخرى بحق برامج سياسية وحوارية بسبب ما اعتبرته الهيئة مخالفات لقواعد العمل الإعلامي.

الغرامات المالية أداة أخرى للردع

ويشير التقرير إلى فرض غرامات على عدد من المؤسسات الإعلامية، تراوحت في الحالات التي وثقها بين مبالغ مختلفة، من بينها غرامات وصلت إلى 25 مليون دينار.

كما أورد التقرير قرارا بفرض غرامة مقدارها 15 مليون دينار على إحدى القنوات، إلى جانب غرامات أخرى بلغت خمسة ملايين دينار في عدد من الحالات.

وتقول الجمعية إن استخدام الغرامات إلى جانب الإيقاف ومنع الظهور يجعل العقوبات متعددة المستويات: تبدأ بالإنذار، وقد تنتقل إلى الغرامة، ثم إلى تعطيل البرنامج أو منع مقدم البرنامج والضيف من الظهور.

ما الذي تقوله هيئة الإعلام والاتصالات؟

الأسباب التي تظهر في الرصد المرتبط بقرارات الهيئة تدور في معظمها حول مخالفات قواعد البث الإعلامي، ومن بينها ما وصفه التقرير بأنه نشر معلومات كاذبة أو مضللة، التحريض على العنف والكراهية، الإساءة إلى المؤسسات، مخالفة الذوق العام، عدم الدقة في نقل المعلومات، أو تناول قضايا منظورة أمام القضاء بطريقة قد تؤثر في سير العدالة.

وفي حالات أخرى، ارتبطت القرارات باستخدام عبارات اعتبرتها الهيئة مسيئة أو تحريضية، أو بمحتوى نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا تبرز واحدة من أهم نقاط الخلاف: هل تملك الجهة التنظيمية صلاحية الانتقال من تنظيم المحتوى إلى منع الأشخاص من الظهور وإيقاف البرامج؟

جمعية الدفاع عن حرية الصحافة تجيب بالنفي في عدد من الحالات التي وثقها التقرير، وتعتبر أن بعض الإجراءات تجاوزت حدود التنظيم إلى تقييد حرية التعبير والعمل الصحفي.

المادة 38 في قلب الجدل

تستند الجمعية في اعتراضها إلى المادة 38 من الدستور العراقي، التي تكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.

كما يشير التقرير إلى الالتزامات الدولية للعراق في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير.

وترى الجمعية أن حماية النظام العام ومنع التحريض والكراهية ونشر المعلومات المضللة يمكن أن تكون أهدافا مشروعة للتنظيم الإعلامي، لكن الإشكالية، بحسب موقفها، تكمن في كيفية استخدام الصلاحيات والعقوبات والجهة التي تملك قرار تقييد الظهور الإعلامي.

ويذهب التقرير إلى أن بعض قرارات المنع لم ترتبط فقط بما قيل على شاشة التلفزيون، وإنما بمواقف أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما تعتبره الجمعية توسعا في نطاق سلطة الهيئة.

الخلاف القانوني حول صلاحيات الهيئة

لا يتوقف اعتراض الجمعية عند مضمون القرارات، بل يمتد إلى الأساس القانوني الذي تستند إليه الهيئة في اتخاذ بعض الإجراءات.

ويشير التقرير إلى الأمر رقم 65 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، باعتباره الإطار الذي ينظم عمل هيئة الإعلام والاتصالات، كما يستند إلى المادة 103 من الدستور العراقي التي تتناول الهيئات المستقلة وتنظيم عملها بالقانون.

وبحسب قراءة الجمعية، فإن وجود الهيئة كجهة تنظيمية لا يعني منحها صلاحيات مفتوحة لتقييد الحريات الإعلامية، وترى أن إصدار قرارات بمنع ظهور شخصيات إعلامية أو سياسية يتطلب سندا قانونيا واضحا، خصوصا عندما تمتد العقوبة لفترات طويلة.

وهذه النقطة هي جوهر القضية: أين تنتهي صلاحية تنظيم الإعلام وتبدأ عملية تقييد حرية التعبير؟

فإذا كانت القناة أو البرنامج قد خالف فعلا قواعد البث، فإن وجود آليات للمساءلة أمر طبيعي في أي نظام إعلامي منظم. لكن الخلاف يصبح أكبر عندما تتحول العقوبة من تصحيح المحتوى أو فرض غرامة إلى منع شخص من الظهور الإعلامي أو إيقاف برنامج لفترة طويلة.

الجمعية: قرارات الهيئة تتجاوز التنظيم

التقرير لا يقدم هذه الإجراءات باعتبارها حالات منفصلة، بل يضعها ضمن سياق أوسع، إذ ترى جمعية الدفاع عن حرية الصحافة أن ارتفاع عدد القرارات خلال الربع الثالث من العام يمثل مؤشرا على تصاعد القيود المفروضة على الإعلام.

وتشير الجمعية إلى أنها رصدت خلال النصف الأول من العام 30 قرارا، بينما ارتفع العدد إلى 55 قرارا خلال الربع الثالث وحده، وفقا لبياناتها.

وتربط الجمعية هذا التصاعد، في قراءتها، بالسياق السياسي العام وبالعلاقة بين السلطة التنفيذية وهيئة الإعلام والاتصالات، وتنتقد ما تعتبره تدخلا سياسيا في عمل الهيئة.

كما تطرح تساؤلات بشأن استقلالية الهيئة، خصوصا في ظل ما أورده التقرير عن لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي برئيس هيئة الإعلام والاتصالات. وترى الجمعية أن توقيت اللقاء، بالتزامن مع ارتفاع قرارات المنع والإيقاف والإنذار، يستوجب مزيدا من التدقيق.

وفي ختام تقريرها، طرحت الجمعية مجموعة من التوصيات، من بينها تشكيل تحالف لوسائل الإعلام العراقية لمواجهة ما تصفه بقرارات الهيئة التعسفية، وإشراك مجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى ومجلس الأمناء في نقاش مسار الهيئة.

كما دعت إلى الإسراع في تشريع قانون لهيئة الإعلام والاتصالات يضمن استقلاليتها ويضع حدا للتدخل السياسي، إضافة إلى مطالبة مجلس النواب بممارسة دوره الرقابي ومساءلة السلطة التنفيذية بشأن أوامر المنع والإيقاف.

وبذلك تنتقل القضية من كونها سلسلة قرارات متفرقة بحق برامج وشخصيات، إلى سؤال أوسع حول شكل العلاقة بين الدولة والإعلام في العراق، وحدود التنظيم، واستقلالية الجهة المنظمة، والضمانات القانونية لحرية التعبير.

وبينما ترى الهيئة، في قراراتها، أن هناك محتوى يستوجب المساءلة وفقا للقواعد الإعلامية، ترى جمعية الدفاع عن حرية الصحافة أن حجم وتنوع الإجراءات خلال ثلاثة أشهر يكشف عن مسار أكثر تشددا تجاه الإعلام.