بعد سبع سنوات تقريباً على اندلاع انتفاضة تشرين عام 2019، يعود ملفها إلى الواجهة السياسية، وسط تجدد السجال بشأن الأحداث التي رافقتها، والجهات التي كان لها دور فيها، ومسؤولية الأطراف السياسية والأمنية عن أعمال العنف التي شهدتها ساحات الاحتجاج. وجاءت تصريحات الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري عن تلك المرحلة، لتعيد فتح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الذاكرة السياسية والحقوقية العراقية، وتطرح مجدداً أسئلة لم تحسم بعد بشأن حقيقة ما جرى ومسارات التحقيق والمحاسبة.
وقال العامري، في كلمة ألقاها خلال حفل تأبيني لإحياء ذكرى استشهاد محمد باقر الحكيم في النجف، إن «المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي».
يستوجب تحرك الادعاء العام
في هذا الصدد، قال علي الدهامات، شقيق الشهيد أمجد الدهامات، إن "تصريحات رئيس منظمة بدر بشأن تظاهرات تشرين لم تكن مفاجئة، لكنها تستوجب من الادعاء العام والقضاء العراقي التحرك وفتح تحقيق بشأن ما ورد فيها".
ولفت الدهامات الى أن "الجهات السياسية كانت تتحدث خلال السنوات الماضية عن وجود (طرف ثالث) يقف وراء عمليات استهداف المتظاهرين"، مبيناً أن "عوائل الشهداء والمتظاهرين لديهم معلومات بشأن الجهات التي تقف خلف عمليات القتل والقمع التي رافقت الاحتجاجات".
وتابع حديثه لـ"طريق الشعب"، أن تصريحات العامري، ولا سيما حديثه عن دور "المقاومة" في مواجهة تظاهرات تشرين، تفرض على الادعاء العام، أخذ دوره الحقيقي، والتحقيق في طبيعة هذا الدور والجهات التي شاركت في قمع المتظاهرين، مؤكداً أن الملف يتعلق بدماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى.
وأشار إلى أن الحكومات السابقة شكلت لجاناً للتحقيق في أحداث تشرين، إلا أن نتائجها، بحسب قوله، كانت ضعيفة جداً، ما دفع بعدد من ذوي الشهداء إلى التوجه نحو المنظمات الدولية وتقديم شكاوى تتعلق بملف الضحايا وقتلة المتظاهرين.
وكشف الدهامات عن وجود تواصل بين عدد من عوائل الشهداء وشخصيات فاعلة في تظاهرات تشرين، مبيناً أن هناك توجهاً في عدد من المحافظات لإقامة دعاوى قضائية على خلفية التصريحات الأخيرة، فيما لم يستبعد احتمالية اتخاذ خطوات احتجاجية أو إصدار بيانات خلال الأيام المقبلة، مبيناً ان هذه الخطوات قيد الدراسة.
ودعا الدهامات مجلس القضاء الأعلى والادعاء العام إلى تفعيل دورهما في هذا الملف، معرباً عن أمله في أن يضطلع المدعي العام الجديد بدور واضح في متابعة التصريحات التي تتضمن معلومات أو إقرارات يمكن أن تسهم في كشف ملابسات قمع تظاهرات تشرين.
ولفت إلى أن ملف تشرين يرتبط، بأكثر من 800 شهيد وأكثر من 25 ألف جريح، بينهم من تعرضوا لإعاقات دائمة، مؤكداً أن القضية لا تتعلق بالتعويضات والحقوق المادية فحسب، وإنما بحق الضحايا وعوائلهم في معرفة المسؤولين عن قتل أبنائهم ومحاسبتهم وفق القانون.
وختم الدهامات بتوجيه رسالة إلى الحكومة شدد فيها على ضرورة أن تأخذ والقضاء دورهما في كشف الحقيقة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في قتل وقمع المتظاهرين.
الرد سيكون قضائياً
من جهته، ردّ الأمين العام لحزب البيت الوطني، حسين الغرابي، على تصريح العامري، معتبراً أن ما ورد فيه يتطلب موقفاً قضائياً للتحقق من ملابسات الأحداث التي رافقت الاحتجاجات.
وقال الغرابي، إن وصف تشرين بالفتنة يمثل، بحسب تعبيره، عدم مسؤولية، خصوصاً أن الحديث يصدر عن شخصية سياسية وقيادية بارزة، داعياً السلطة القضائية إلى فتح تحقيق بشأن التصريحات، ولا سيما ما تضمنته من إشارة إلى دور "المقاومة" في مواجهة الاحتجاجات.
وأشار إلى أن تظاهرات تشرين لم تكن مشروعاً لزعزعة أمن البلاد، وإنما جاءت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ورفعت مطالب تتعلق بإصلاح النظام السياسي، ومكافحة الفساد، ومحاسبة المسؤولين، وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل.
وأضاف أن الاحتجاجات كانت ممارسة لحق دستوري وقانوني في التعبير والتظاهر، وشارك فيها، بحسب وصفه، أعداد واسعة من العراقيين المطالبين بإصلاح طريقة إدارة الدولة ومغادرة الطبقة السياسية التي عدّها مسؤولة عن إخفاقات السنوات السابقة.
وفي ما يتعلق بأحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات، قال الغرابي إن المتظاهرين السلميين تعرضوا لإطلاق النار، مشيراً إلى سقوط مئات الضحايا وإصابة الآلاف، فضلاً عن وجود ملفات تتعلق بالمغيبين قسرياً، مؤكداً أن هذه القضايا لم تُحسم بصورة تضع حداً للتساؤلات بشأن الجهات المسؤولة عنها.
وربط الغرابي بين تصريح العامري وبين الجدل المستمر منذ سنوات بشأن ما عُرف بـ"الطرف الثالث"، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية والقضاء والمرجعية الدينية سبق أن تحدثوا عن وجود جهة أو جهات أخرى وراء عمليات استهداف المتظاهرين.
وأضاف أن تصريح العامري، بما تضمنه من حديث عن دور المقاومة في التصدي لتشرين، يستوجب معرفة المقصود بهذا الدور، والجهات التي شاركت فيه، وطبيعة المهام التي قامت بها خلال فترة الاحتجاجات.
واستشهد الغرابي بمواقف سابقة لعدد من القيادات السياسية، قال إنها تضمنت اعترافاً بوجود إخفاقات في إدارة الدولة، معتبراً أن تحميل تشرين مسؤولية الأزمات التي شهدها العراق لا ينسجم مع المطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية.
وأكد أن تشرين، كانت (ثورة اجتماعية إصلاحية) واجهت الفساد والمحاصصة والطائفية، وطالبت ببناء دولة توفر العدالة وتكافؤ الفرص وتحافظ على ثروات البلاد.
وشدد على أن كثيراً من مطالب تشرين لا تزال قائمة، معتبراً أن ملفات المحاصصة والفساد وفرص العمل والسكن وإدارة الثروة ما زالت تمثل تحديات أمام الدولة والمجتمع العراقي.
محاولة لقلب الحقائق
الى ذلك، قال الصحفي والسياسي حامد السيد إن وصف تظاهرات تشرين بأنها "فتنة" يمثل محاولة لقلب الحقائق وتحويل المطالب المشروعة للعراقيين إلى قضية سياسية.
واضاف ان "أعظم تكريم للشهيد هو أن يعيش العراقي في دولة عادلة وديمقراطية، تشهد نهضة حقيقية، ولا يتحكم الفاسدون بمالها، ولا تُستباح أراضي الدولة، وتتوفر فيها مستشفيات لائقة وشوارع صالحة وأمن مستدام وحقوق متساوية لجميع المواطنين".
وتابع أن من يرفض ممارسات الفساد والفشل السياسي لا ينبغي أن يُتهم بالتبعية للسفارات، قائلاً إن بعض الخطابات السياسية الحالية تشبه الأساليب التي كان يستخدمها النظام السابق في اتهام معارضيه بالعمالة والتبعية.
وختم السيد بالتأكيد على أن رفض الفساد والفشل لا يرتبط بانتماء سياسي أو جهة خارجية، وإنما يعكس إيماناً بأن الدولة التي ضحى من أجلها الشهداء يجب أن تكون دولة مواطنة وعدالة ومساواة، لا دولة امتيازات تميز فئة من العراقيين على حساب أخرى.