الصناعة العراقية بين الواقع والطموح
نشر مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية مقالًا للباحثة شذى خليل، ذكرت فيه أن العراق يمتلك إمكانات صناعية هائلة قلّما تجتمع في بلد واحد؛ من موارد نفطية وغازية ومعدنية وفيرة، وسوق محلية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط الخليج بتركيا وإيران وبلاد الشام، وقوى عاملة يمكن تطويرها لتصبح أساسًا للصناعات التحويلية والتصديرية القادرة على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
ولكن؟
ومع ذلك، لا يزال أداء القطاع الصناعي العراقي أقل بكثير من إمكاناته؛ فعشرات المصانع لا تزال متوقفة عن العمل أو تعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية، وتنافس المنتجات المستوردة الإنتاج المحلي بشدة، ويواجه المستثمرون إجراءات مطولة تشمل جهات حكومية متعددة، فيما تعتمد العديد من الشركات المملوكة للدولة على عقود الشراكة وإعادة التأهيل مع القطاع الخاص لإعادة تشغيل مصانعها.
ورأت الكاتبة أنه لا يمكن اختزال المشكلة ببساطة في كلمة فساد، لأن أسبابها تمتد لتشمل مزيجًا من القصور الإداري، وضعف الحوكمة، والبيروقراطية، وتضخم القوى العاملة، ومعاناة الشركات المملوكة للدولة، ومحدودية الشفافية، والاعتماد المفرط على عقود الشراكة.
أبرز المعوقات
وللبحث عن الأسباب التي أعاقت تحويل موارد العراق ومصانعه ومؤسساته وقوته العاملة إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل ونمو اقتصادي مستدام، ذكرت الكاتبة أن وزارة الصناعة والمعادن، التي تشرف على 31 شركة مملوكة للدولة و312 مصنعًا، 87 منها متوقف عن العمل، لم تفعل شيئًا لمعالجة توقف أو تعثر الكثير من هذه المؤسسات، من خلال تحديث التكنولوجيا، وتوفير التمويل والطاقة اللازمين، وإصلاح الإدارة، وحماية منتجاتها من منافسة المنتجات المستوردة في السوق.
كما نوّه المقال بحجم البطالة المقنّعة في هذه المؤسسات، التي تُعد شكلًا من أشكال الهدر الإداري والمالي المستمر، والذي يتطلب اعتماد برنامج شامل لتحويل هذه القوة العاملة إلى أيدٍ ماهرة ومنتجة، تنتشل المؤسسات مما هي فيه من خراب.
واعتبر المقال الاعتماد المتزايد على عقود الشراكة، التي فاقت 234 عقدًا، مشكلة أخرى بدلًا من أن تكون حلًا يضمن توفير استثمار حقيقي، وزيادة الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص عمل، وزيادة إيرادات الحكومة، وتعزيز الصناعة المحلية، وزيادة الصادرات. فبسبب غياب نظام مراقبة شفاف، حكومي وشعبي، نخَر الفساد وتضارب المصالح والنفوذ السياسي والمحسوبية العملية برمتها، فلا أحد يعرف هوية المستثمر والمالكين المستفيدين من الشركة، وقيمة الاستثمار الموعودة والفعلية، وتقييم أصول الدولة المشمولة في الاتفاقية، وحصة الحكومة من الأرباح، وحصة المستثمر، ومدة العقد، والطاقة الإنتاجية المستهدفة، وعدد الوظائف المستحدثة، ونسبة المحتوى المحلي، وأداء الصادرات، والالتزامات البيئية، ومؤشرات الأداء القابلة للقياس.
تفشي الفساد وتغوّل البيروقراطية
وأشارت الكاتبة إلى أنه، وعلى مر السنين، واجهت وزارة الصناعة وبعض شركاتها قضايا تتعلق بمخالفات تعاقدية أو إدارية، أسفر بعضها عن أحكام قضائية. ويمكن تصنيف ذلك في ثلاثة أبواب: الفساد المثبت بحكم قضائي؛ والفساد المشتبه به الذي لا يزال قيد التحقيق؛ والقرارات الإدارية غير السليمة أو غير المجدية اقتصاديًا، والتي لا تُشكّل بالضرورة سلوكًا فاسداً.
كما تُعد البيروقراطية وإجراءات الاستثمار المعقدة من أبرز العوائق التي تواجه الاستثمار الصناعي في العراق. فقد يتطلب أي مشروع صناعي الحصول على موافقات أو التواصل مع وزارة الصناعة، والهيئة الوطنية للاستثمار، ووزارة المالية، والبلديات، وهيئات الكهرباء، وهيئات البيئة، والجمارك، وهيئات الضرائب، والبنوك، والجهات الحكومية المالكة للأراضي، والمؤسسات الأمنية، فضلًا عن كثرة اللجان وقلة المساءلة الفردية، حتى لا يمكن تحديد الشخص أو المؤسسة المسؤولة عن الفشل، فيما تدّعي جهات متعددة الفضل في النجاح.
مشاكل أخرى
وذكر المقال أنه في الوقت الذي تبني فيه الدول جزءًا كبيرًا من تحولها الصناعي على مبدأ دعم الحكومة للشركات التي تثبت قدرتها على الإنتاج بكفاءة، وتطوير التكنولوجيا، والمنافسة في أسواق التصدير، فشلت الحكومات العراقية ليس في تقديم الدعم فقط، بل أيضًا في حماية المنتج الوطني من المنافسة، وتزويد المدن الصناعية الجديدة مسبقًا ببنية تحتية موثوقة من الكهرباء والغاز والمياه والطرق والاتصالات والخدمات اللوجستية.
وخلصت الكاتبة إلى أن لوزارة الصناعة والمعادن القدرة على أن تصبح أحد أهم محركات التنويع الاقتصادي، إذا تطورت من إدارة شبكة واسعة من الشركات المتعثرة والعقود والإجراءات البيروقراطية إلى مؤسسة تقود استراتيجية صناعية وطنية قائمة على الإنتاجية والشفافية والتكنولوجيا والمنافسة والاستثمار والصادرات، وأن تواجه الفساد من خلال القانون والتحقيقات والتدقيق المستقل والمساءلة، وأن تُصلح وتحدّث الإدارة العامة، وتعيد هيكلة الشركات المملوكة للدولة، وتطور القوى العاملة.