اخر الاخبار

لا ينظر العراقيون لكرة القدم على أنها مجرد لعبة، إنما يجدونها هوية وروحا تجمع كل اطياف الشعب بمختلف انتماءاتهم. انها لعبة الشعب في مواجهة الطائفية وخطابات الكراهية. وهذا ما جسدته جماهير الزوراء في شعاراتها، أخيرا، خلال مباراة فريقهم أمام نادي زاخو.

ففي الأيام الاخيرة، عاد الخطاب الطائفي ليظهر بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، عبر مقاطع ومنشورات تستحضر الخلافات المذهبية وتثير حساسيات دينية واجتماعية. ما يفتح باب التساؤلات حول أسباب عودة الخطاب الطائفي في هذا التوقيت، ودور السياسة والإعلام في تغذيته، ومدى تأثيره في الشارع العراقي.

تعزيز مفاهيم المواطنة والدولة والقانون

ويقول المنسق العام للتيار الديمقراطي العراقي أثير الدباس، إن عودة الخطاب الطائفي في كل مرة يقترب فيها البلد من استحقاق سياسي حساس، لا يمكن التعامل معها بوصفها ظاهرة عابرة أو عفوية، لافتاً إلى أن ما يحدث اليوم يتزامن مع نقاشات مهمة بشأن حصر السلاح بيد الدولة وترسيخ سلطة القانون.

ويشير الدباس في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن الخطابات الطائفية اعتادت العودة إلى الواجهة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والسياسية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن كونها تعبيرا عن انقسام مجتمعي حقيقي، أم أداة سياسية تلجأ إليها بعض القوى لتحقيق مصالحها والحفاظ على نفوذها.

ويرى أن استثمار الطائفية يقوم على مخاطبة مخاوف الناس وانفعالاتهم، ودفعهم للاحتماء بهوياتهم الفرعية بدلا من النظر إلى مصالحهم كمواطنين، مبيناً أن هذا الأسلوب قد تستخدمه بعض الفصائل والقوى السياسية عندما تشعر بأن مصالحها مهددة.

ويؤكد الدباس أن العراق اليوم يمتلك وعياً مجتمعياً أكبر، وأن المواطنين باتوا أكثر إدراكاً بأن الطائفية لا توفر الأمن ولا تبني الدولة ولا تعالج الأزمات، مشيراً إلى أن المواطن يبحث عن دولة تحميه وتضمن العدالة والخدمات وفرص العمل، وتكون صاحبة القرار الحصري في ملف السلاح.

ويشدد على أن مواجهة الخطاب الطائفي لا تكون بإنتاج خطاب طائفي مضاد، وإنما بتعزيز مفاهيم المواطنة والدولة والقانون، ورفض استغلال مخاوف المواطنين للحفاظ على النفوذ والمصالح.

ويخلص الدباس إلى أن تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح والقرار بيدها سيؤدي، بالضرورة، إلى تضييق مساحة الاستثمار السياسي في الطائفية والتقليل من قدرتها على التأثير في المجتمع.

محاولة تعميق الانقسامات داخل المجتمع

ومن جهته يقول المحلل السياسي محمد زنكنة، أن الاحتقان الطائفي في العراق ليس ظاهرة جديدة، مشيرا إلى أن عددا من علماء الاجتماع والباحثين الذين تناولوا المجتمع العراقي، من الجاحظ وصولا إلى علي الوردي، تطرقوا إلى هذه الإشكالية وحللوا جذورها الاجتماعية والتاريخية.

ويضيف زنكنة في حديث لـ"طريق الشعب"، أن السياسة أسهمت في نقل بعض الحساسيات الكامنة داخل المجتمع من إطارها المستتر إلى العلن، وحولتها في مراحل مختلفة إلى ظاهرة قابلة للتوظيف والاستثمار.

ويرى أن الخطاب الطائفي المتصاعد اليوم يمثل خطوة إضافية باتجاه تعميق الانقسام داخل المجتمع العراقي.

ويحمل زنكنة القوى السياسية المتنفذة والإعلام المرتبط بها، مسؤولية تصاعد الخطاب الطائفي.

ويشير إلى أن هذه الممارسات ليست جديدة على التجربة العراقية، حيث لم يكن النظام السابق بمنأى عن التوظيف الطائفي، رغم محاولات تقديمه أحياناً بصورة مغايرة، معتقدا أن بعض هذه الأنماط أعيد إنتاجها بعد عام 2003، ولكن ضمن أطر متعددة، بينها الحزبي والميليشياوي والمذهبي والطائفي، الأمر الذي جعل الانتماءات المختلفة أدوات للصراع على السلطة والنفوذ.

ويؤكد زنكنة أن اطراف الصراع تتحمل مسؤولية تغذية هذا المسار، محملا السياسيين الذين يقودون الخطاب ووسائل الإعلام التي تروّج له مسؤولية تحويل المشاعر الطائفية إلى أداة للصراع السياسي.

وينوه بأن بعض القوى السياسية تستخدم الخطاب الطائفي للحصول على مكاسب شعبية، والوصول إلى مواقع السلطة، سواء في البرلمان أو الحكومة، قبل أن تعود، بعد الوصول إلى تلك المواقع، إلى التفاهم مع خصومها وتقاسم المصالح والمشاريع.

ويضيف أن هذه الظاهرة لم تقتصر على الخلافات بين المذاهب بل ظهرت حتى داخل المذهب الواحد، عندما تتنافس الأحزاب على النفوذ والمناصب والمصالح السياسية.

ويرى أن وصول الخطاب إلى هذه المساحات يعكس خطورة المرحلة، لأن استمرار التجييش لا يبقى محصوراً في المنافسة السياسية، بل يمكن أن يتحول إلى عامل لتفكيك النسيج الاجتماعي وتعميق حالة عدم الثقة بين العراقيين.

تطوير البيئة التشريعية لمواجهة خطاب الكراهية

أما المحلل السياسي د. عباس الجبوري، فيعتقد ان تصاعد الخطاب الطائفي خلال محطات سياسية مختلفة لا يعكس بالضرورة انقساما مجتمعيا بقدر ما يمثل أداة للتعبئة السياسية والاجتماعية يجري استحضارها مع اشتداد التنافس على السلطة والنفوذ.

ويقول الجبوري، أن المجتمع العراقي، بمختلف مكوناته، ما يزال يستند لمشتركات تاريخية وجغرافية وعشائرية عميقة، تجعل تماسكه الاجتماعي أوسع من حدود الصراعات السياسية الطارئة.

وبحسب الجبوري، تلجأ بعض القوى السياسية إلى شحن المشاعر الطائفية بوصفه طريقا سريعا لحشد الجمهور ولا سيما في ظل تراجع الأداء الخدمي او غياب البرامج التنموية القادرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين.

ويضيف ان توظيف الخطاب الطائفي لا يقتصر على طرف سياسي دون آخر، إذ قد تلجأ أطراف مختلفة إلى خلق "عدو أو تهديد مفترض" لإعادة رسم الحدود الفئوية، وتعزيز تماسك قواعدها الشعبية، خصوصاً في المراحل التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.

ويضع الجبوري عودة الخطاب الطائفي في سياق التنافس الانتخابي، مبينا أن حدته غالبا ما ترتفع مع اقتراب الانتخابات، حين تصبح التعبئة الفئوية وسيلة لتعزيز فرص القوى السياسية في الحصول على أصوات الناخبين، بدلا من التنافس على أساس البرامج والخدمات.

كما يرتبط الخطاب وفق رؤيته بالصراع على إدارة الموارد والنفوذ والمناصب، إذ يجري أحيانا تقديم التعيينات والمواقع الحكومية تحت عناوين مثل "استحقاق المكون" و"التوازن السياسي"، بما يعزز منطق المحاصصة على حساب معايير الكفاءة والمواطنة.

ويربط الجبوري المشهد العراقي بمحيطه الإقليمي، مشيراً إلى أن التوترات والصراعات في المنطقة يمكن أن تنعكس على الداخل العراقي، وتتحول بعض الملفات الإقليمية إلى أدوات إضافية لتعميق الاستقطاب السياسي والمجتمعي.

ويرى الجبوري أن المجتمع العراقي أظهر خلال السنوات الماضية مستوى متزايداً من الوعي تجاه محاولات استثماره في الصراعات المذهبية، مع تنامي الاهتمام بالقضايا المعيشية والاستقرار وتحسين الخدمات وبناء مؤسسات الدولة.

ويشير إلى أن هذا التحول يمثل فرصة للانتقال من منطق الاستقطاب إلى منطق المواطنة، شرط أن ترافقه إصلاحات سياسية وتشريعية ومؤسسية حقيقية.

ويؤكد الجبوري أهمية تطوير البيئة التشريعية لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، مع تفعيل القوانين التي تحد من التحريض عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إصلاح قانون الأحزاب بما يمنع قيام كيانات سياسية على أسس طائفية أو فئوية ضيقة. كما يشدد على ضرورة ترسيخ المهنية والكفاءة في مؤسسات الدولة، وتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الأمنية، بما يضمن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

ويرى أن للإعلام ومراكز الفكر والبحث العلمي دورا محوريا في هذه المواجهة، من خلال إنتاج خطاب وطني يركز على التنمية والخدمات والمصلحة العامة، وتفكيك السرديات التي تقوم على التخويف والتجييش والتفرقة.

ويعتقد أن الانتقال الحقيقي يتطلب الخروج تدريجياً من مفهوم "دولة المكونات" نحو "دولة المواطنة والقانون"، بحيث تصبح الحقوق والواجبات مرتبطة بالمواطنة لا بالانتماء الطائفي أو الفئوي، وتتحول مؤسسات الدولة إلى الضامن الأساسي لجميع العراقيين، بعيداً عن منطق المحاصصة والتجييش السياسي.