دخلت موازنة العراق لعام 2027 مرحلة الإعداد وسط ضغوط مالية متزايدة، في وقت لم تعد فيه معالجة العجز وتأمين النفقات الأساسية وحدهما كافيين لتجاوز الاختلالات المزمنة في المالية العامة، مع استمرار اعتماد الدولة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، وتضخم النفقات التشغيلية، وتراكم المشاريع المتلكئة، وضعف الإيرادات غير النفطية. وبينما تتحدث الحكومة عن الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء وربط الإنفاق بالنتائج، تبرز الحاجة إلى إجراءات فعلية تعيد ترتيب أولويات الإنفاق، وتوقف الهدر، وتعزز الإيرادات، وتدعم القطاعات الإنتاجية والقطاع الخاص المحلي، بما يقلل هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسواق النفط والأزمات الخارجية.
في 20 آب الجاري، قال رئيس الوزراء علي الزيدي إن الحكومة تعمل على إعداد موازنة عام 2027، وستُرسَل إلى مجلس النواب قريبا، وإنها تمثل خريطة للمستقبل الاقتصادي للعراق، مضيفا أن الحكومة أوجدت مسارات بديلة لتصدير النفط العراقي غير مضيق هرمز، وستقوم بتنفيذ خطة لزيادة الإنتاج والتصدير في السنوات المقبلة.
موازنة أكثر تقشفاً
وحذّر المستشار المالي لرئيس الوزراء د. مظهر محمد صالح من أن موازنة 2027 ستكون من أصعب الموازنات، بسبب الضغوط المالية وتداعيات أزمة مضيق هرمز، مشيراً إلى أن المشروعات الاستثمارية ستبقى معلقة إلى حين استئناف صادرات النفط بشكل كامل.
وأكد أن الأولوية ستكون لتأمين الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية والنفقات الأساسية، مع استمرار تمويل بعض المشاريع الاستراتيجية، خصوصاً الكهرباء، لافتاً إلى أن الرواتب مؤمّنة حتى نهاية 2026.
كما كشف عن توجه الحكومة إلى تشريع قانون ينظم الاقتراض والمنح ومصادر التمويل.
وفي الجانب الإصلاحي، دعا صالح إلى الانتقال من موازنة تموّل حجم الإنفاق إلى موازنة تقيس النتائج والأثر، عبر ربط تخصيص الأموال بأهداف البرامج ونتائجها، وتقييم أداء الوزارات قبل زيادة تمويلها، مع إمكانية إعادة توجيه أو دمج أو إيقاف البرامج غير المجدية.
وطبقا لصالح فإن الحكومة تتجه إلى موازنة أكثر تقشفاً وتركيزاً على النفقات الأساسية، مع تعليق جزء كبير من الاستثمار بسبب أزمة هرمز، ومحاولة تحويل الموازنة من أداة لتمويل الإنفاق إلى أداة لقياس النتائج.
الموازنة والحسابات الختامية
من جانبه، اكد الكاتب والباحث في الشأن الاقتصادي قاسم السلطاني، أن نجاح موازنة العراق لعام 2027 يرتبط بقدرتها على الانتقال من مجرد أرقام للنفقات والإيرادات إلى أداة اقتصادية، تتضمن استراتيجيات واضحة لمعالجة الاختلالات وتنويع مصادر الدخل.
وقال السلطاني لـ"طريق الشعب"، إن الموازنة المقبلة قد تتضمن تعيينات لفئات محددة، من بينها ذوو المهن الطبية وبعض الأوائل وحملة الشهادات العليا، فضلاً عن تعديلات محتملة على رواتب بعض الوزارات ذات المستويات الدنيا، مبيناً أن هذه الإجراءات ستنعكس على هيكل الموازنة للعام المقبل.
وأضاف أن أحد أبرز التوجهات التي يجب ان تكون حاضرة هي تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتنويع مصادر الدخل، مشيراً إلى وجود توجه حكومي لزيادة مساهمة الإيرادات غير النفطية في تمويل الموازنة، وهو ما يمثل، بحسب رأيه، مساراً إيجابياً للاقتصاد العراقي إذا جرى تطبيقه بصورة واقعية.
وأشار إلى أهمية التحول نحو الموازنة الرقمية وتوظيف الأنظمة الرقمية في المنافذ الحدودية والمطارات وغيرها من المؤسسات، بهدف تعزيز الرقابة على حركة الأموال والحد من عمليات غسل الأموال وتهريبها، فضلاً عن الحفاظ على الكتلة النقدية داخل الاقتصاد.
وفي ما يتعلق بالنفقات، أوضح السلطاني أن الاتجاه ينبغي أن يركز على خفض النفقات غير الضرورية وترشيد الإنفاق، وليس خفض رواتب الموظفين، داعياً في الوقت ذاته إلى معالجة التفاوت الكبير في الرواتب بين موظفي مؤسسات الدولة.
وبيّن أن بعض الموظفين في وزارات معينة يتقاضون رواتب أعلى بكثير من نظرائهم في وزارات أخرى، رغم تقارب طبيعة العمل والمؤهلات، معتبراً أن معالجة هذا التفاوت يجب أن تتم من خلال تحسين رواتب أصحاب الدخول المنخفضة، بما ينسجم مع تكاليف المعيشة ومستويات التضخم.
وأكد السلطاني أن الموازنة المقبلة يجب أن ترتبط بالحسابات الختامية، باعتبارها الأداة التي تتيح للحكومة والجهات الرقابية معرفة الأموال التي خُصصت لكل وزارة أو محافظة، وكيف جرى إنفاقها، وما تبقى منها، ومدى تطابق الصرف الفعلي مع الخطط والأهداف المقررة.
وشدد على أن موازنة 2027، إذا طُبقت وفق الأسس الاقتصادية والرقابية السليمة، يمكن أن تمثل خطوة مهمة لمعالجة إخفاقات الموازنات السابقة، داعياً إلى أن تكون مبنية على حسابات اقتصادية دقيقة واستراتيجيات واضحة، لا أن تقتصر على تسجيل الإيرادات والنفقات في صورة "دفتر حسابات".
إعادة هيكلة الإنفاق
فيما اعرب المتخصص في الشأن الاقتصادي مصطفى الفرج عن امله في ان تنجح موازنة العراق لعام 2027 في تحقيق انتقال فعلي من موازنات تقوم على توزيع التخصيصات إلى موازنة برامج ترتبط بأهداف اقتصادية وتنموية واضحة، مشيراً إلى أن نجاح هذا التحول لا يقاس بحجم الأموال المرصودة، وإنما بمدى انعكاس الإنفاق على النمو والخدمات والإيرادات وفرص العمل.
وقال الفرج في تعليق لـ "طريق الشعب"، أن الحكومة مطالبة بإعادة النظر في هيكل الإنفاق العام، خصوصاً في ظل ارتفاع النفقات التشغيلية وتزايد كلفة الرواتب والأجور، مؤكداً أن استمرار التوسع في الإنفاق من دون زيادة موازية في الإيرادات غير النفطية، سيبقي المالية العامة شديدة الحساسية من تقلبات أسعار النفط.
وأشار إلى أن موازنة البرامج يفترض أن تكون أكثر صرامة في تقييم المشاريع، بحيث لا تُدرج المشاريع غير ذات الجدوى الاقتصادية أو تلك التي لم تحقق نسب إنجاز مقبولة، لافتاً إلى أن المشاريع المتلكئة والمشاريع التي لم تتجاوز نسب إنجازها 20 في المائة، ينبغي أن تخضع للمراجعة، مع إمكانية إلغاء غير القابل منها للاستمرار وإعادة توجيه تخصيصاته إلى مشاريع ذات أولوية.
وبيّن أن من أهم الاختبارات أمام موازنة 2027 هو تقليل الاعتماد على النفط، معتبراً أن الهدف ينبغي ألا يقتصر على تغيير نسبة الاعتماد في جداول الموازنة، بل يتطلب زيادة حقيقية في الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح الضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية وتطوير القطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن تنويع الإيرادات مرهون بدعم الزراعة والصناعة والاستثمار في الطاقة، وتوسيع النشاط التصديري، لأن معالجة الاعتماد على النفط لا تتحقق بمجرد فرض رسوم أو زيادة الإيرادات الحكومية، وإنما ببناء قطاعات اقتصادية قادرة على إنتاج القيمة وتوفير مصادر دخل مستدامة.
وفي ملف التعيينات، استبعد الفرج أن تشهد موازنة 2027 تعيينات حكومية واسعة، في ظل الضغوط التي تواجه الإنفاق العام، مشيراً إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الاحتياجات الفعلية من الملاكات، بدلاً من إضافة أعداد جديدة إلى الجهاز الحكومي.
رواتب الموظفين
وفي المقابل، توقع الفرج أن تتجه الحكومة إلى معالجة رواتب أصحاب الدخول المنخفضة، ولا سيما الموظفين الذين تبلغ رواتبهم نحو 500 ألف دينار، مبيناً أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تكون محسوبة مالياً وألا تتحول إلى زيادة عامة في كتلة الرواتب من دون موارد مقابلة.
وأكد أن ملف سلم الرواتب يحتاج إلى معالجة أكثر شمولاً، لكنه لا ينبغي أن يُطرح بمعزل عن قدرة الدولة المالية وعن هيكل الرواتب الاسمية والمخصصات، مشيراً إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يعالج التشوهات والفوارق غير المبررة في الأجور بدلاً من الاكتفاء بزيادة الرواتب بصورة عامة.
ولفت الفرج إلى أن خفض النفقات لا يعني بالضرورة المساس برواتب الموظفين، وإنما يمكن تحقيقه من خلال مراجعة بنود الإنفاق غير الضرورية، وإعادة تقييم بعض المخصصات والامتيازات، فضلاً عن ضبط الإنفاق الإداري والاستثماري غير المنتج.
كما دعا إلى إعادة النظر في طريقة تمويل المؤسسات والهيئات والشركات الحكومية، موضحاً أن المؤسسات ذات النشاط الربحي ينبغي أن تتحول تدريجياً نحو التمويل الذاتي، بحيث لا تبقى معتمدة بصورة مستمرة على الموازنة العامة رغم امتلاكها مصادر إيرادات خاصة بها.
وأكد أهمية تعزيز إيرادات المنافذ الحدودية والضرائب والجمارك، إلى جانب ضبط حركة الاستيراد والتصدير وتطوير الأنظمة الرقمية، معتبراً أن التحول الرقمي في إدارة الإيرادات يمكن أن يقلل من التسرب المالي ويرفع كفاءة التحصيل ويعزز الرقابة.
وشدد الفرج على أن التحدي الأكبر أمام موازنة 2027 لا يتمثل في توفير الأموال فقط، وإنما في تغيير فلسفة الإنفاق الحكومي، بحيث تنتقل الدولة من تمويل النفقات بصورة تلقائية إلى تمويل البرامج والمشاريع التي تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً.
تنشيط وحماية المنتج المحلي
يقول الخبير الاقتصادي إبراهيم الجلبي، أن موازنة العراق لعام 2027 ينبغي أن تتجه نحو تقليل تسرب الدولار إلى الخارج، من خلال خفض الاستيرادات السلعية وتوجيه الأموال نحو تنشيط القطاع الخاص المحلي، بما يعزز دوره في حركة الاقتصاد.
ويذكر الجلبي في تعليق لـ"طريق الشعب"، ان من بين السياسات المطلوبة للحد من الاستيرادات، منع دخول المنتجات الأجنبية التي تنافس المنتجات المحلية، إلى جانب إلزام مؤسسات القطاع العام بتجهيز احتياجاتها من الشركات المحلية، ولا سيما في قطاعات الأثاث ومواد البناء وغيرها من المجالات التي يمكن أن يوفر فيها الإنتاج المحلي بدلا من المستورد.