مع اقتراب عمر حكومة الزيدي من 100 يوم، لا تزال الكابينة الوزارية غير مكتملة، في مشهد بدأ من جلسة منح الثقة نفسها، عندما منح مجلس النواب الثقة للزيدي و14 وزيرا فقط من أصل 23 وزارة، فيما أرجأ التصويت على تسع حقائب إلى وقت لاحق.
وبحلول الثاني والعشرين من آب، تكون الحكومة قد أمضت مئة يوم منذ جلسة الرابع عشر من أيار، من دون أن تنجح القوى السياسية في إغلاق ملف الوزارات الشاغرة، رغم سلسلة طويلة من التعهدات والمواعيد التي حددت لاستكمالها.
اللافت أن الملف لم يكن غائبا عن طاولة الحكومة والقوى السياسية منذ الأيام الأولى؛ ففي السابع عشر من أيار، ناقش الزيدي مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ملف استكمال الكابينة، باعتباره ضرورة لتمكين الحكومة من تنفيذ برنامجها الحكومي بصورة متكاملة.
وبعدها بيومين، دعا رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم إلى الإسراع في تسمية الوزراء للحقائب الشاغرة، مع التأكيد على اعتماد الكفاءة والخبرة في اختيار الشخصيات المرشحة.
وفي الخامس عشر من أيار، أي بعد يوم واحد فقط من جلسة منح الثقة، كان رئيس تحالف النهج الوطني عبد الحسين الموسوي والأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري يؤكدان ضرورة حسم الحقائب المتبقية واستكمال الكابينة.
مواعيد تتكرر.. والحسم لا يأتي
في العشرين من أيار، أعلن الإطار التنسيقي أنه سيمضي باستكمال الحقائب الشاغرة بعد انتهاء عطلة العيد، وفقا للسياقات الدستورية والتفاهمات السياسية.
وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته، عاد ملف الكابينة إلى واجهة الاتصالات السياسية، قبل أن يلتقي الزيدي في الثامن والعشرين بنوري المالكي، وسط تأكيدات على ضرورة استكمال تشكيل الحكومة.
ثم جاء التاسع من حزيران ليحمل تعهدا سياسيا جديدا؛ إذ أعلن عضو تيار الحكمة فهد الجبوري أن الإطار التنسيقي فوّض الزيدي مواصلة التشاور مع القوى السياسية الأخرى بهدف استكمال الكابينة وحسم ما تبقى من الاستحقاقات الحكومية.
وفي اليوم التالي، لم يعد الأمر مجرد نقاش داخل الكتل، بل وصل إلى اجتماع الرئاسات، حيث أكد رئيس الجمهورية نزار ئاميدي، ورئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ضرورة الإسراع في استكمال الكابينة الوزارية، وربطوا ذلك برفع كفاءة الأداء الحكومي وقدرة المؤسسات على تنفيذ البرنامج الوزاري.
تموز.. الموعد الذي لم يتحقق
وفي الثامن عشر من حزيران، كانت المفاوضات السياسية قد دخلت ما وصفته مصادر إعلامية بحلقة مفرغة، مع استمرار الخلافات على الوزارات التسع رغم مرور شهر على منح الثقة للحكومة.
النائب عامر الفائز أعلن في الثاني والعشرين من حزيران وجود اتفاق سياسي لتمرير الوزارات التسع قبل العاشر من تموز، مؤكدا أن الزيدي أبلغ قوى الإطار التنسيقي بأنه سيمضي بإكمال الكابينة قبل مغادرته إلى واشنطن.
وكانت الخطة، بحسب الفائز، أن تكون وزارتا الداخلية والدفاع في مقدمة الوزارات التي يجري تمريرها، مع وجود خلافات حول بعض الأسماء، وطرح تساؤلات بشأن إمكانية إعادة تقديم مرشحين سبق أن رفضهم البرلمان.
وفي الحادي والعشرين من حزيران، حدد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي النصف الأول من تموز موعدا لاستكمال الكابينة، قبل زيارة الزيدي إلى واشنطن.
وقال إن الحكومة تتطلع إلى استكمال الكابينة لاستكمال أدواتها، مشيرا إلى أن عطلة مجلس النواب والتوافق السياسي يمثلان عاملا حاسما في عقد جلسة التصويت. لكن تموز انتهى، ولم تكتمل الكابينة. بل إن زيارة واشنطن نفسها لم تغلق الملف، وإنما أعادت وضعه أمام تعقيدات سياسية وأمنية أكبر، خصوصا مع تصاعد النقاش بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
تسع حقائب.. أكثر من مجرد شواغر
الوزارات المتبقية ليست هامشية. وتشمل الدفاع والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي والبحث العلمي، والإعمار والإسكان والبلديات العامة، والثقافة والسياحة والآثار، والعمل والشؤون الاجتماعية، والشباب والرياضة، والهجرة والمهجرين. وهذا يعني أن ملف الاستكمال لا يتعلق بمجرد إضافة تسعة وزراء إلى حكومة قائمة، بل بتعيين مسؤولين أصيلين لوزارات أمنية وسيادية وخدمية واقتصادية، ترتبط مباشرة بإدارة الدولة وملفاتها اليومية.
ويقول الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي: إن تأخر الاستكمال يمثل نتيجة مباشرة لبقاء الملف خاضعا للتوافقات السياسية والمساومات بين الكتل.
ويرى التميمي أن منح الحكومة الثقة بصورة جزئية، من دون وجود سقف زمني صارم لحسم الوزارات المتبقية، أتاح للقوى السياسية مساحة واسعة لتأجيل الاتفاق.
ويصف المشهد بأنه حالة من "الاسترخاء السياسي"؛ فالحكومة تعمل، والوزارات الشاغرة تدار بالوكالة، ولا يوجد ضغط دستوري مباشر يجبر القوى السياسية على إنهاء التفاوض خلال مدة محددة.
الداخلية والدفاع.. العقدة الأصعب
وإذا كانت الوزارات التسع جميعها جزءا من المشكلة، فإن الداخلية والدفاع تبدوان في قلب الأزمة؛ فالحقيبتان لا تتعلقان بالخدمات أو الإدارة فقط، بل بمنظومة الأمن والقرار العسكري في مرحلة شديدة الحساسية، خصوصا مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة في الثلاثين من أيلول.
وهنا تظهر روايات سياسية مختلفة بشأن أسباب التأخير.
مصادر مطلعة تحدثت عن أن بعض القوى السياسية المسؤولة عن تقديم المرشحين للداخلية والدفاع، تفضل الابتعاد مؤقتا عن تحمل مسؤولية مباشرة في مرحلة قد تتطلب مواجهة مع فصائل مسلحة، ولا سيما أن الحكومة جعلت من حصر السلاح أحد أبرز ملفاتها.
وبحسب هذه المصادر، فإن شغل حقيبتي الداخلية والدفاع في هذه المرحلة يعني، عمليا، توزيع الكلفة السياسية والأمنية لأي مواجهة محتملة على القوى التي تمسك بالوزارتين.
فقوى الاطار التنسيقي، وفقا للرواية نفسها، تتخوف من تحول الملف إلى مواجهة شيعية ـ شيعية، بينما تخشى قوى سنية من تداعيات أي تصعيد أمني وإمكانية انعكاسه طائفيا على مناطقها.
السلاح يدخل على خط الكابينة
توقيت الأزمة يجعل الربط بين استكمال الحكومة وملف حصر السلاح أكثر حضورا؛ فالزيدي أعلن خلال زيارته إلى واشنطن أن قرار حصر السلاح بيد الدولة قد اتخذ، وأنه بعد الثلاثين من أيلول لن يسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج سيطرة الدولة.
وفي حزيران، كانت الحكومة قد أعلنت تشكيل لجنة عليا لوضع آليات عسكرية لإنهاء المظاهر المسلحة وسحب السلاح، بمشاركة ممثلين عن الجيش والشرطة والحشد الشعبي ووزارتي الدفاع والداخلية.
ومن هنا، فإن غياب الوزيرين الأصيلين عن وزارتي الدفاع والداخلية في هذه المرحلة يطرح سؤالا سياسيا وأمنيا أكبر: من يتحمل مسؤولية إدارة هذا الملف إذا دخل مرحلة التنفيذ الصعب؟
الفيتو الأميركي والصراع على الحصص
في مقابل الرواية التي تربط التأخير بحساسية ملف السلاح، يضع النائب جمال كوجر سببا آخر في مقدمة المشهد.
كوجر يقول إن "الفيتو الأميركي على بعض الشخصيات المرشحة للمناصب هو العائق الأكبر أمام حسم الكابينة الحكومية"، مضيفا أن العائق الآخر يتمثل بصراعات الكتل السياسية على المناصب، وأن اجتماع العاملين ـ بحسب تعبيره ـ أدى إلى تعطيل اختيار بقية الوزراء.
وتظهر تقارير سياسية أخرى أن الخلاف لم يعد مقتصرا على الأسماء، بل امتد إلى طبيعة النفوذ الذي ستحتفظ به القوى السياسية بعد تعيين الوزراء.
وبحسب تقرير نشر في أواخر تموز، فإن بعض القوى طرحت فكرة "تدوير المناصب" نتيجة الخلاف على بعض الحقائب. بينما برزت تساؤلات بشأن المرشحين الذين قد يواجهون اعتراضات أميركية. كما ربط التقرير بين استمرار الشغور وبين حساسية ملف حصر السلاح قبل 30 أيلول.
وبذلك، تبدو الكابينة بالنسبة إلى القوى السياسية أكثر من مجرد توزيع للوزارات؛ إنها جزء من إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الدولة.
آب.. اعتراف جديد بأن الأزمة مستمرة
وفي التاسع من آب، استبعد ائتلاف النصر بقيادة حيدر العبادي إكمال الكابينة خلال الشهر.
وقال المتحدث باسم الائتلاف عقيل الرديني، إن الخلافات بين الكتل لا تزال قائمة، وإنها تدور حول الحصص والشخصيات المرشحة للوزارات.
وفي الحادي عشر من آب، استبعد تحالف "أبشر يا عراق" استكمال الكابينة في الأسبوع التالي، رابطا التأخير بتغييرات في الأحجام السياسية، نتيجة انتقالات النواب بين الكتل والأحزاب والانسحابات التي حصلت.
وفي الثاني عشر من آب، جاء موقف أكثر تحديدا من ائتلاف الإعمار والتنمية، الذي أكد استمرار مشكلة الوزارات الشاغرة، ووضع وزارة الداخلية في مقدمة العقد، مشيرا إلى وجود اعتراض على الاسم المرشح للوزارة.
وفي العاشر من آب، أكد الزيدي خلال اجتماع للإطار التنسيقي قرب استكمال تشكيلة الحكومة، لكن الاجتماع لم يعلن عن موعد نهائي أو اتفاق تفصيلي لإنهاء الملف.
وهكذا، انتقل الخطاب من "الاستكمال بعد العيد"، إلى "النصف الأول من تموز"، ثم "قبل زيارة واشنطن"، ثم إلى وعود بالحسم في آب، فيما لا تزال الوزارات التسع شاغرة.