اخر الاخبار

بغداد – تبارك عبد المجيد

 تتجه عداد متزايدة من الأسر إلى تسجيل أطفالها في رياض الأطفال الأهلية، بحثا عن تعليم مبكر أكثر جودة، إلا أن الرسوم المرتفعة وما يرافقها من تكاليف إضافية تجعل هذا الخيار خارج متناول الكثير من العائلات.

ومع اتساع الفجوة بين القطاعين الحكومي والأهلي، تتصاعد التساؤلات بشأن الرقابة على الرسوم وجودة الخدمات، وما إذا كانت مرحلة يفترض أن تكفل تكافؤ الفرص للأطفال أصبحت تعكس تفاوتاً اقتصادياً يحدد منذ سنوات العمر الأولى من يحظى بتعليم أفضل ومن يُحرم منه.

 رياض الأطفال الخاصة تبتلع العامة

 وحددت وزارة التربية أجور التسجيل في رياض الأطفال الحكومية بـ ٥٠ الف دينار تدفع لمرة واحدة عند التسجيل، إضافة إلى اشتراك شهري قدره 25 ألف دينار عن كل طفل.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة، كريم السيد، في حديث تابعته "طريق الشعب"، أن الوزارة لا تحدد أجور رياض الأطفال الأهلية، كونها تترك لإدارات تلك المؤسسات، مشيراً إلى أن الرسوم تختلف من روضة إلى أخرى بحسب الموقع والخدمات التي تقدمها.

وتشير مؤشرات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، التي اطلعت عليها "طريق الشعب"، إلى نمو ملحوظ في أعداد رياض الأطفال خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عددها من 804 رياض في العام الدراسي 2014-2015، تضم 149 ألفاً و312 طفلاً، إلى 1268 روضة في العام الدراسي 2022-2023، تضم 194 ألفاً و776 طفلاً.

وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات وزارة التربية أن عدد رياض الأطفال الأهلية بلغ 1400 روضة خلال عام 2021، مقابل 765 روضة حكومية، ما يعكس اتساع دور القطاع الأهلي في تقديم خدمات رياض الأطفال مقارنة بالمؤسسات الحكومية، في ظل تزايد الطلب على هذه المرحلة التعليمية.

 رسوم لا تناسب دخول اغلب العوائل

 تقول أشواق علي، معلمة في احدى رياض الاطفال، إن "رسوم رياض الأطفال الأهلية تختلف باختلاف المنطقة ومستوى الخدمات وتتراوح بين 100 ألف و600 ألف دينار شهرياً، فيما تفرض بعض الرياض رسوما تشمل أجور النقل والزي المدرسي والطعام والأنشطة وهو ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر".

وتضيف علي، ان عملها في رياض الأطفال الأهلي جاء بسبب غياب التوظيف الحكومي.

وترى علي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن هذه التكاليف ترهق ميزانية الكثير من العائلات، وقد تدفع بعضها إلى تأجيل تسجيل أطفالها أو الاكتفاء بروضة أقل كلفة، حتى وإن كان ذلك على حساب الجودة.

 كما أشارت إلى أن عددا من الأهالي يضطرون إلى حرمان أطفالهم من المشاركة في الاحتفالات والمناسبات والرحلات التي تنظمها الروضة بسبب الرسوم الإضافية المترتبة عليها، الأمر الذي ينعكس سلبا على اندماج الطفل مع أقرانه.

وفي المقابل، أوضحت علي أن هناك العديد من رياض الأطفال الأهلية التي تقدم برامج تعليمية متميزة، وتعتمد مناهج حديثة تهتم بتنمية مهارات الطفل منذ سن مبكرة، لاسيما تعلم اللغة الإنكليزية، مبينة أن "الكثير من الأطفال يكتسبون القدرة على التحدث باللغة الإنكليزية في أعمار صغيرة، كما أن الأطفال الذين كانوا يعانون من الخجل أو يرفضون الاختلاط بالآخرين يصبحون أكثر تفاعلا واجتماعية بفضل الأنشطة اليومية والبيئة التعليمية التي توفرها الروضة.

وعن الجانب الأمني، أوضحت أن الروضة التي تعمل فيها تعتمد نظام متابعة يومي للأطفال، إذ يتم توثيق أنشطتهم منذ لحظة دخولهم إلى الروضة وحتى مغادرتهم، مع نشرها عبر حساب الروضة على تطبيق "سناب شات"، بما يتيح لأولياء الأمور متابعة أبنائهم والاطمئنان عليهم خلال ساعات الدوام.

وأكدت أن مرحلة رياض الأطفال تمثل أساسا مهما في بناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته اللغوية والاجتماعية، ما يجعل جودة البرامج التعليمية والأنشطة المقدمة لا تقل أهمية عن الرسوم التي تتحملها العائلات.

 مراقبة الرياض الاهلية شبه معطلة

 من جانبها، تقول نبأ فائق، إحدى الأمهات، إنها واجهت صعوبة كبيرة في العثور على روضة أهلية مناسبة لطفليها، تجمع بين القرب من مكان عملها والرسوم المعقولة وجودة الرعاية.

وتضيف علي في تعليق لـ "طريق الشعب"، انه "بحكم عملي كنت أحتاج إلى روضة قريبة حتى أتمكن من إيصال طفلي والالتحاق بالدوام في الوقت المحدد، لكنني وجدت أن أغلب الرياض القريبة تفرض رسوماً مرتفعة. لدي طفلان، وأدفع 300 ألف دينار عن كل طفل، من دون احتساب 75 ألف دينار للمنهج الدراسي، فضلاً عن تكاليف السفرات والأنشطة التي تفرضها الروضة بين فترة وأخرى."

وتابعت بالقول: "لم تكن المشكلة في الأسعار فقط، بل في البيئة التعليمية أيضاً. في إحدى الرياض فوجئت بأن الأطفال يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم أمام شاشة التلفزيون، ويشاهدون محتوى سطحياً وغير تعليمي، وبعضه لم يكن يتناسب مع أعمارهم، لذلك اضطررت إلى سحب طفليّ منها رغم أن إيجاد بديل مناسب كان أمراً صعباً."

وأكدت أن جميع العوائل تبحث عن روضة توفر بيئة تعليمية حقيقية بأسعار معقولة، داعية الجهات المعنية إلى تشديد الرقابة على رياض الأطفال الأهلية، سواء من حيث الرسوم أو نوعية البرامج والأنشطة المقدمة للأطفال.

من جهتها، ذكرت اورين عزيز، ناشطة في مجال التعليم، إن مرحلة رياض الأطفال لم تعد ترفا تعليميا، بل تمثل الأساس الذي تبنى عليه شخصية الطفل ومهاراته المستقبلية، مؤكدة أن ارتفاع الرسوم في العديد من الرياض الأهلية بات يشكل عائقا أمام حصول الأطفال على التعليم المبكر.

وتقول ان ارتفاع رسوم رياض الأطفال الأهلية لم يعد يمثل عبئا ماليا على الأسر فحسب، بل أصبح يكرس فجوة طبقية في فرص التعليم منذ السنوات الأولى من عمر الطفل.

وتضيف عزيز لـ"طريق الشعب"، أن "التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة هو حق لكل طفل، لكن عندما تصبح رسوم الروضة مرتفعة إلى هذا الحد، فإنها تقصر فرص الالتحاق بها على العائلات القادرة مادياً، بينما يحرم أطفال الأسر محدودة الدخل من بيئة تعليمية تسهم في تنمية مهاراتهم، وهو ما يخلق فجوة تبدأ في سن مبكرة، وتستمر آثارها خلال المراحل الدراسية اللاحقة".

وأوضحت أن اختيار الروضة يجب ألا يكون مبنياً على ارتفاع الرسوم أو شهرة المؤسسة، وإنما على جودة البرامج التعليمية والبيئة التربوية، قائلة: ان "بعض الرياض تقدم برامج تعليمية متميزة، لكن هناك أخرى تركز على الجانب الربحي أكثر من اهتمامها بالعملية التربوية، لذلك من الضروري أن تكون هناك معايير واضحة تضمن جودة التعليم في جميع الرياض".

وأكدت عزيز أن مسؤولية وزارة التربية لا تقتصر على منح الإجازات والإشراف على المناهج، بل ينبغي أن تمتد إلى تشديد الرقابة على جودة الخدمات، ومؤهلات الكوادر والأنشطة المقدمة للأطفال، فضلاً عن وضع ضوابط تحد من الرسوم والمبالغ الإضافية التي تثقل كاهل الأسر، بما يضمن تكافؤ الفرص في الحصول على تعليم مبكر جيد، بغض النظر عن المستوى الاقتصادي للعائلة.