رغم استمرار الحملات الرقابية الرسمية، لا تزال سوق الأدوية غير النظامية حاضرة في مدينة الموصل، مستفيدة من نقص بعض العلاجات وارتفاع أسعار أخرى، وهو ما يدفع عددًا من المرضى إلى شراء أدوية مجهولة المصدر، في ظل تحذيرات متكررة من أضرار صحية قد تصل إلى مضاعفات خطيرة.
ويؤكد اختصاصيون أن حجم الظاهرة تراجع مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أنها لم تختفِ، مشيرين إلى ان بعض الأصناف الدوائية لا يزال يدخل إلى الأسواق عبر منافذ غير رسمية، بعيدًا عن إجراءات التسجيل والفحص التي تفرضها وزارة الصحة على الأدوية المتداولة داخل البلاد.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشن فيه وزارة الصحة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، حملات ملاحقة واسعة في الموصل وبقية المحافظات، للحد من رواج الأدوية المهربة ومجهولة المصدر. حيث تُسفر تلك الحملات بين فترة وأخرى، عن ضبط منافذ تتاجر بالمواد الطبية خارج الضوابط القانونية وبعيدا عن الرقابة الدوائية الرسمية، فضلا عن ضبط أدوية غير مسجلة تُباع في الصيدليات.
بين غلاء الأدوية وانحسارها
في حديث لـ"طريق الشعب"، يقول صيدلي من مدينة الموصل أن انخفاض أسعار بعض الأدوية المهربة مقارنة بالمسجلة رسميًا يشكل أحد أهم أسباب استمرار الطلب عليها، إلى جانب فقدان بعض العلاجات المهمة، لا سيما أدوية الأورام والعلاجات البيولوجية".
ويضيف الصيدلي الذي طلب عدم ذكره اسمه، قائلا أن "بعض الأطباء يوصون بأدوية تنتجها شركات عالمية لم تعد مسجلة في العراق، الأمر الذي يدفع المرضى للبحث عنها خارج القنوات الرسمية. بينما تجد بعض الصيدليات نفسها أمام ضغوط لتوفير تلك الأدوية بأي وسيلة".
ويبيّن أن الفرق بين الدواء النظامي والمهرب لا يقتصر على مصدر الاستيراد، إنما يشمل إجراءات الفحص والسيطرة النوعية، موضحًا أن "الدواء المرخص يخضع لسلسلة من الاختبارات المختبرية قبل طرحه في الأسواق، في حين لا توجد ضمانات بشأن جودة الأدوية المهربة أو ظروف خزنها ونقلها".
ويشير الصيدلي إلى أن "نقابة الصيادلة سبق أن سحبت كميات من مستحضر (الألبومين) مجهول المنشأ بعد تسجيل حالات تحسس لدى مرضى استخدموه، في وقت كانت فيه المؤسسات الصحية تُعاني نقصا في هذا الدواء".
ويلفت إلى أن "جزءًا من هذه المنتجات يصل إلى الصيدليات عبر شبكات التهريب، فيما تنتشر بعض المكملات الغذائية غير المسجلة عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمتاجر الإلكترونية"، داعيًا إلى تسريع تسجيل الأدوية الضرورية وتوفيرها داخل المؤسسات الصحية للحد من لجوء المرضى إلى السوق الموازية.
مخاطر صحية
من جهته، يحذر الطبيب الاختصاصي أحمد محمد من استخدام الأدوية غير المرخصة، مؤكدًا في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "غياب الرقابة على تصنيع الأدوية أو خزنها قد يجعلها أقل فاعلية أو أكثر خطورة، خصوصًا بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة والسرطان الذين يعتمد علاجهم على جرعات دقيقة ومواصفات دوائية محددة".
ويضيف قوله أن "الحد من الظاهرة يتطلب رفع الوعي الصحي لدى المواطنين، وتشجيعهم على شراء الأدوية من الصيدليات المرخصة فقط، وعدم الانسياق وراء الأسعار المنخفضة أو الإعلانات المنتشرة عبر الانترنيت".
الصحة: فرقنا تتابع حركة الدواء
تواصل وزارة الصحة حملاتها لمكافحة تداول الأدوية غير المسجلة. وفي هذا السياق يقول مدير عام دائرة التفتيش في الوزارة د. صباح نوري الخزعلي، في بيان رسمي، أن الفرق الرقابية تتابع حركة تداول الدواء في المكاتب العلمية والمذاخر والصيدليات، بالتعاون مع الجهات الأمنية، لضمان وصول أدوية آمنة ومفحوصة إلى المواطنين.
وفي وقت سابق أعلنت وزارة الصحة إتلاف أكثر من 1.6 مليون قطعة دوائية مخالفة بعد ضبطها خلال حملات التفتيش.
وفي عملية أخرى، أعلنت الوزارة أن فريقًا مشتركًا مع مديرية مكافحة الجريمة المنظمة وجهاز الأمن الوطني تمكن من ضبط أكثر من 50 طنًا من الأدوية المهربة والمقلدة في بغداد وديالى ونينوى، وإغلاق عدد من المواقع المخالفة، مع إحالة 17 متهمًا إلى القضاء.
ويرى اختصاصيون أن إنهاء تجارة الأدوية المهربة لا يعتمد على الرقابة وحدها، إنما يتطلب معالجة الأسباب التي تغذيها، وفي مقدمتها نقص بعض العلاجات وارتفاع أسعارها، إلى جانب تطوير آليات تسجيل الأدوية وتوسيع مظلة توفيرها داخل المؤسسات الصحية، بما يقلل الحاجة إلى السوق غير النظامية ويحافظ على سلامة المرضى.
وينوّه الاختصاصيون إلى أن النقص الحاد في بعض الأدوية الضرورية والمزمنة داخل المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، يمثل المحرك الأساسي الذي يدفع المرضى وعائلاتهم قسرا للبحث عن بدائل مجهولة ومحفوفة بالمخاطر في السوق الموازية، مشيرين إلى أن السيطرة الفعلية تتطلب توفير الدواء المجاني في المستشفيات وتسهيل آليات الاستيراد الرسمي لقطع الطريق تماما أمام شبكات التهريب التي تستغل حاجة المواطن.