اخر الاخبار

في نهاية يوم عمل طويل تغادر المعلمة المدرسة الاهلية وهي تحمل معها دفاتر امتحانية تحتاج إلى تصحيح، ودروسا عليها تحضيرها، وقلقا مستمرا من راتب لا يكفي لتلبية أبسط متطلبات الحياة. وبينما يواصل التعليم الأهلي توسعه تبقى مطالب المعلمين والمعلمات بأجور عادلة وضمانات تحفظ كرامتهم قائمة، لان جودة التعليم تبدأ من توفير حياة كريمة لمن يقفون كل صباح أمام السبورة لصناعة أجيال المستقبل.

استنزاف الكوادر مقابل اجور زهيدة

تروي فاطمة زهير، وهي مدرسة الرياضيات في إحدى المدارس الأهلية، تفاصيل تجربتها المهنية، حيث تحدثت عن اليه القبول في المدارس الأهلية وطبيعة العمل فيها والتحديات التي يواجهها المدرسون، وصولا إلى واقع التدريس الخصوصي والمنصات الإلكترونية التي أصبحت اليوم الوجهة الأكثر جذباً للمعلمين.

تقول فاطمة لـ"طريق الشعب"، إن الحصول على فرصة عمل في مدرسة أهلية يتم غالبا بإحدى طريقتين الأولى تعتمد على العلاقات الشخصية كأن يكون المتقدم يعرف مدير المدرسة أو مؤسسها او احد العاملين فيها وهو ما يجعل فرص قبوله أكبر، تبعا لاحتياجات المدرسة. أما الطريقة الثانية فتتمثل في امتلاك الخبرة إذ تكون المدارس أكثر استعدادا لقبول المدرسين ذوي الخبرة عندما تكون بحاجة إلى اختصاصهم بينما تقل فرص من لا يمتلكون خبرة سابقة.

وبعد القبول يبدأ المدرس بمواجهة نظام عمل يختلف من مدرسة إلى أخرى. وتوضح فاطمة أن بعض المدارس تعتمد نظام الأجر على عدد المحاضرات، حيث يتراوح أجر المحاضرة الواحدة بين ثمانية الاف و25 ألف دينار عراقي، بحسب المرحلة الدراسية وخبرة المدرس، فيما تعتمد مدارس أخرى نظام الراتب الشهري المقطوع.

وتستعيد فاطمة بداياتها المهنية قائلة إنها عملت في إحدى رياض الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 250 ألف دينار، وكانت ساعات العمل طويلة تبدأ من الثامنة صباحاً ولا تنتهي إلا بعد مغادرة آخر طفل، إذ تتحمل المعلمة مسؤولية الأطفال بشكل كامل حتى نهاية الدوام وهو ما يجعل العمل في رياض الأطفال أكثر استنزافاً من المراحل الدراسية الأخرى.

أما في المرحلتين المتوسطة والإعدادية، فتصف نظام العمل بأنه مختلف نسبيا، وتشير إلى ان المدرسة الأهلية التي تعمل فيها حاليا تمنح المدرس مرونة أكبر، إذ يقتصر وجوده على أوقات محاضراته ويمكنه مغادرة المدرسة عند انتهاء جدوله اليومي، وهو ما تعتبره من الجوانب الإيجابية في بيئة العمل. 

الاجور محكومة بايام الدوام فقط

لكن هذه الإيجابيات، بحسب فاطمة، لا تلغي جوانب سلبية عديدة. فمن أبرزها أن أجور العطل الرسمية وإجازات منتصف السنة ونهايتها، فضلا عن أعمال تصحيح الدفاتر والامتحانات لا تدخل ضمن الراتب، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض دخل المدرس بصورة ملحوظة، ويصب في مصلحة إدارة المدرسة أكثر مما يخدم العاملين فيها.

ولا تقتصر التحديات على الجانب المالي، بل تمتد إلى طبيعة العمل نفسها، إذ تؤكد أن كثيرا من المدارس تحمل المدرسين مسؤوليات إضافية مثل توفير الأوراق الامتحانية والأقلام والمواد الخاصة بالاستنساخ وهي مستلزمات ترى أن من واجب إدارة المدرسة توفيرها، لا تحميل كلفتها للمدرس.

ورغم هذه الصعوبات، ترى فاطمة أن العمل في المدارس الأهلية يمنح المدرس فرصة لاكتساب الخبرة وبناء سمعته المهنية، وهي خطوة قد تفتح أمامه أبوابا أخرى أهمها التدريس الخصوصي الذي أصبح بالنسبة إلى كثير من المعلمين مصدر الدخل الأساسي لما يوفره من عائد مالي أفضل واستقلالية أكبر في العمل.

وتوضح أن المدرس داخل المدرسة يبقى خاضعا للرقابة المستمرة من قبل الإدارة سواء عبر المدير او المؤسس أو حتى كاميرات المراقبة، وهو ما يخلق شعورا بعدم الارتياح، على عكس التدريس الخصوصي الذي يمنح المعلم مساحة أوسع لإدارة عمله بنفسه.

كما تشير إلى أن العمل في المعاهد التعليمية الخاصة يتطلب عادة منح نسبة من الإيرادات لإدارة المعهد، إلا أن فرص العمل فيها، بحسب وصفها، لا تتاح للجميع، وإنما غالباً ما تذهب إلى دائرة ضيقة من المعلمين الذين تربطهم علاقات قوية بإدارات تلك المعاهد، معتبرة أن "كل جهة تعمل مع أساتذتها المقربين".

المنصات التعليمية الإلكترونية

وفي السنوات الأخيرة، ترى فاطمة، شهد قطاع التعليم تحولا مع انتشار المنصات الإلكترونية، إذ لم يعد كثير من المدرسين يكتفون بالتدريس الحضوري، بل اتجهوا إلى تقديم الدروس عبر الإنترنت، مستفيدين من الإقبال الكبير للطلبة، وإمكانية الوصول إلى أعداد أكبر مقارنة بالدروس الحضورية، فضلا عن العائد المالي الذي توفره هذه المنصات.

وتتابع حديثها بالاشارة إلى ان واقع التعليم الأهلي، سواء في المدارس او المعاهد لا تزال تحكمه شبكة من العلاقات الشخصية والانتماءات حيث يمتلك كل معهد تقريبا مجموعة ثابتة من المدرسين، بينما يسعى بقية المعلمين باستمرار إلى إيجاد فرصة أفضل تضمن لهم الاستقرار المهني والدخل الذي يتناسب مع حجم الجهد الذي يبذلونه.

غياب الضمانات الوظيفية

تقول اروين عزيز، ناشطة في مجال التعليم: ان تدني اجور المعلمات والمدرسات في المدارس الأهلية يعد من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في القطاع، مشيرة إلى أن كثيراً من الرواتب لا تتناسب مع حجم المسؤوليات وساعات العمل.

وتضيف عزيز لـ"طريق الشعب"، انه "لا تزال شريحة كبيرة من المعلمات في المدارس الاهلية تتقاضى أجورا متدنية وبعضهن يعملن لساعات طويلة مقابل رواتب لا توفر لهن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، فضلا عن ان العديد من المدارس تعتمد نظام الأجر بالمحاضرة أو لا تحتسب العطل الرسمية وإجازات منتصف ونهاية السنة واعمال التصحيح ضمن المستحقات المالية".

وترى أن غياب الضمانات الوظيفية والعقود الواضحة يزيد من هشاشة أوضاع المعلمات، ويجعلهن اكثر عرضة للقبول بظروف عمل لا تتناسب مع طبيعة المهنة، مؤكدة أن "المعلم أو المعلمة يجب ان يحصل على اجر عادل وحقوق واضحة تضمن له الاستقرار المهني".

وتشير إلى أن هناك مؤشرات واضحة على اتساع ظاهرة التدريس الخصوصي، من بينها الانتشار الكبير للمعاهد التعليمية والمنصات الإلكترونية والإقبال المتزايد من الطلبة على الدروس الخصوصية إضافة إلى ازدياد اعداد المدرسين الذين يعلنون عن خدماتهم التعليمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتؤكد عزيز أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بتقييد التدريس الخصوصي وإنما بتحسين ظروف العمل داخل المدارس الأهلية من خلال ضمان أجور عادلة وعقود عمل واضحة واحتساب جميع المستحقات المالية وتوفير بيئة عمل تحترم المعلم وتقدر دوره في بناء المجتمع.

مطالبات بتشديد الرقابة على التعليم الاهلي

 إسراء محمد، معلمة تعمل في إحدى المدارس الاهلية ببغداد منذ عدة سنوات، لكنها ترى أن المردود المالي لا يعكس حجم الجهد الذي تبذله يومياً داخل المدرسة.

وتقول محمد لـ"طريق الشعب"، أن "راتبي الشهري لا يتناسب مع ساعات العمل فعملنا لا يقتصر على إعطاء الحصص، بل نقوم بتحضير الدروس، وتصحيح الدفاتر، وإعداد الأسئلة، ومتابعة الطلبة والمشاركة في الأنشطة المدرسية وفي أحيان كثيرة نكلف بمهام إضافية بعد انتهاء الدوام من دون أي مقابل مالي".

وتضيف أن الرواتب في المدارس الأهلية تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها في كثير من الأحيان تبقى منخفضة، مبينة أن بعض المعلمات يتقاضين ما بين 250 إلى 400 ألف دينار، بينما تصل الرواتب في بعض المدارس إلى نحو 600 ألف دينار، إلا ان ذلك لا يعتمد على الخبرة او الكفاءة بقدر ما يرتبط بموقع المدرسة وسياسة ادارتها.

وتؤكد أن من أكثر ما يرهق المعلمات هو استقطاع جزء من الراتب خلال العطل الرسمية والاجازات التي تعلنها وزارة التربية، فضلا عن عدم احتساب اعمال التصحيح او بعض الواجبات الإضافية ضمن الاستحقاقات المالية، قائلة: "الطالبة تدفع قسطها كامل للمدرسة لكن المعلمة تتحمل وحدها خسارة أيام العطل وهذا يشعرنا بعدم الإنصاف".

وتلفت إلى ان غياب الضمان الاجتماعي والعقود الواضحة يزيد من شعور المعلمات بعدم الاستقرار، موضحة أن الكثير من المعلمين يواصلون العمل خشية فقدان مصدر رزقهم، رغم أن الرواتب لا تلبي متطلبات المعيشة.

وتطالب الجهات المعنية بتشديد الرقابة على المدارس الأهلية والزامها بتطبيق قانون العمل وضمان الحد الأدنى للأجور وإشراك جميع المعلمين والمعلمات في الضمان الاجتماعي لأن تحسين أوضاعهم، بحسب قولها، هو الخطوة الأساسية للحفاظ على جودة التعليم واستقرار الكوادر التربوية.