اخر الاخبار

في خطوة تُعد من أبرز التطورات التي شهدها القطاع المصرفي العراقي خلال السنوات الأخيرة، استعادت سبعة مصارف عراقية حقها في العودة الى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية، بعد فترة من القيود التي فرضتها متطلبات الامتثال الدولية.

وبينما يرى مختصون أن هذه الخطوة تمثل مؤشراً على تقدم مسار الإصلاح المصرفي، يؤكدون في الوقت نفسه أنها لا تمثل نهاية الطريق، وليست سوى بداية لمرحلة أكثر تعقيداً تتطلب استكمال إعادة هيكلة القطاع، وتعزيز الحوكمة، واستعادة الثقة بالنظام المالي العراقي، بما ينعكس على حركة التجارة والاستثمار والاقتصاد الوطني.

كيف بدأت القيود؟

شهد القطاع المصرفي العراقي منذ عام 2023 تشديداً في إجراءات الامتثال والرقابة، بعد فرض قيود على عدد من المصارف المحلية بسبب ملاحظات تتعلق بآليات التحويلات الخارجية، والالتزام بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والامتثال للمعايير الدولية الخاصة بالتعاملات المالية.

وأدت تلك الإجراءات إلى تقييد تعامل عدد من المصارف بالدولار الأمريكي، ما انعكس على حركة التجارة الخارجية وأثار تحديات أمام المستوردين والمتعاملين مع النظام المصرفي.

وفي المقابل، أطلق البنك المركزي العراقي برنامجاً لإصلاح القطاع المصرفي، تضمن تحديث أنظمة الامتثال، وتعزيز الحوكمة، وتطوير البنية التقنية، والتعاون مع شركات استشارية دولية لإعادة هيكلة المصارف ورفع كفاءتها.

ومؤخراً، أُعلن عن عودة سبعة مصارف عراقية إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بعد استيفائها جانباً من متطلبات الإصلاح، الأمر الذي يتيح لها تنفيذ التحويلات الخارجية عبر مصارف مراسلة وبعملات أجنبية غير الدولار في هذه المرحلة، مع إمكانية توسيع نطاق نشاطها مستقبلاً إذا استكملت جميع متطلبات الامتثال.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الخطوة قد تسهم في خفض كلفة التحويلات، وتسهيل التجارة الخارجية، وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالقطاع المصرفي العراقي، إلا أنهم يشددون على أن نجاحها يبقى مرتبطاً باستمرار الإصلاحات، ومعالجة أوضاع بقية المصارف، وتعزيز الرقابة والشفافية، بما يضمن بناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وقدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي.

خطوة نحو استعادة الثقة الدولية

في هذا الصدد، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن عودة عدد من المصارف العراقية إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية، حتى وإن كانت في المرحلة الحالية بعملات غير الدولار الأمريكي، تمثل خطوة مهمة ضمن مسار إصلاح القطاع المصرفي، لأنها تعكس – بحسب تقديره – استيفاء تلك المصارف جانباً من متطلبات الامتثال والحوكمة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما أسهم في استعادة جزء من الثقة الدولية بها.

وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز قدرة المصارف على تنفيذ المدفوعات الخارجية بصورة مباشرة، وتقليل الاعتماد على المصارف الوسيطة، الأمر الذي يسهم في خفض كلفة التحويلات وتسريع إنجاز العمليات التجارية، فضلاً عن إتاحة خيارات أوسع للمستوردين العراقيين لتسوية معاملاتهم بعملات مثل اليورو واليوان الصيني والدرهم الإماراتي، بما ينسجم مع توجهات التجارة العالمية نحو تنويع عملات التسوية.

وفي ما يتعلق بسعر صرف الدولار، أكد أن هذه التطورات تمثل عاملاً داعماً للاستقرار، لكنها ليست العامل الحاسم، إذ إن استقرار سعر الصرف يرتبط أيضاً بعوامل أخرى، من بينها حجم التجارة الخارجية، ومستوى الاحتياطيات الأجنبية، ومدى الالتزام بالضوابط الرقابية، واستمرار الإصلاحات في القطاع المصرفي.

وأضاف أن استكمال المصارف متطلبات الإصلاح واستعادتها مستقبلاً حق التعامل بالدولار الأمريكي سيعزز اندماجها في النظام المالي العالمي، ويوسع علاقاتها مع المصارف الدولية، فضلاً عن رفع مستوى ثقة المستثمرين بالقطاع المالي العراقي، وتوفير فرص أكبر لتمويل التجارة والاستثمار، إلى جانب تعزيز المنافسة وتحسين جودة الخدمات المصرفية.

ورأى السعدي، أن انعكاسات ذلك قد تمتد إلى الاقتصاد الكلي من خلال دعم بيئة الأعمال، وتقليل كلف التجارة الخارجية، وزيادة جاذبية العراق للاستثمارات، وتحسين موقعه في المؤشرات المالية الدولية، بما يدعم جهود تنويع الاقتصاد، شريطة استمرار تنفيذ الإصلاحات وتعزيز كفاءة القطاع المصرفي 

ضبط القطاع المصرفي هو الاهم

من جهته، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي إن إعادة سبعة مصارف عراقية إلى نظام المراسلات المصرفية الأجنبية جاءت بعد أن تمكنت من معالجة جزء كبير من الملاحظات التي سبق أن سجلها عليها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وشركة أوليفر وايمن، والمتعلقة بالالتزام بالمعايير والضوابط المصرفية الدولية.

ونوه الشيخلي في حديث "طريق الشعب"، الى أن هذه المصارف كانت محظورة من التعامل بالدولار، لكنها لم تكن ممنوعة من التعامل بالعملات الأجنبية الأخرى، مشيراً إلى أن العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على الدولار في تعاملاته الخارجية، بحكم أن إيرادات النفط تُسعّر وتُحصّل بالدولار، الأمر الذي جعل القيود على العملة الأمريكية تؤثر عملياً في نشاط تلك المصارف.

وأضاف أن التزام المصارف بالحوكمة والإجراءات الرقابية أسهم في استعادة حقها بالمراسلات المصرفية الخارجية، معتبراً أن استمرار هذا الالتزام قد يمهد مستقبلاً لرفع القيود المفروضة على تعاملها بالدولار.

وفيما يتعلق بالمصارف التي ما تزال خاضعة للقيود، أشار الشيخلي إلى أن هناك 38 مصرفاً لم تستكمل حتى الآن متطلبات الامتثال، مرجحاً أن تتجه المرحلة المقبلة إلى إعادة هيكلة بعضها أو دمجها مع مصارف أكبر أو مؤسسات مالية قادرة على تطبيق المعايير الدولية، فيما قد تواجه المصارف غير القادرة على الإصلاح إجراءات قد تصل إلى سحب إجازتها.

ورأى أن السوق المصرفية العراقية لا تحتاج إلى العدد الحالي من المصارف إذا كانت غير قادرة على العمل وفق المعايير المهنية، لافتاً إلى أن بعض المصارف هي عبارة عن دكاكين، الأمر الذي يستدعي وضع ضوابط تضبط القطاغ المصرفي وتوسع قاعدة المساهمين بما يعزز الحوكمة والاستقلالية.

وعدّ الشيخلي إعادة المصارف السبعة "خطوة أولى إيجابية" ضمن مسار إصلاح القطاع المصرفي، لكنه أكد أن ستفقد قيمتها اذا لم تقترن باجراءات ضابطة تمنع غياب الامتثال، راهناً نجاحها باستكمال إجراءات الإصلاح والرقابة وتطبيق المعايير الدولية على بقية المصارف.

كما أشار إلى أن انفتاح القطاع المصرفي العراقي قد يسهم في جذب مصارف ومؤسسات مالية عالمية للعمل داخل العراق، معتبراً أن ذلك من شأنه تعزيز حركة التمويل، وتوسيع العلاقات المصرفية الدولية، ودعم اندماج النظام المصرفي العراقي بالأسواق العالمية، إذا ما استمرت عملية الإصلاح المؤسسي.