منذ الإعلان عن مشروع "طريق التنمية" في بغداد عام 2023، تحوّل الملف إلى واحد من أكثر المشاريع التي رُوِّجت لها الحكومة السابقة، بوصفها نقلة استراتيجية في الاقتصاد العراقي. فقد صدعت الماكنة الاعلامية لحكومة السوداني، رؤوس العراقيين بأخبار الاجتماعات والوفود والزيارات إلى تركيا، والاتفاقية الرباعية، واللجان الفنية، والتعاقد مع شركات استشارية أمريكية وأوروبية لإعداد الدراسات والنموذج الاقتصادي للمشروع، فضلاً عن الحديث المتكرر عن اكتمال التصاميم، وجذب المستثمرين، وتحويل العراق إلى مركز لوجستي عالمي. لكن مع تسلم حكومة الزيدي، عاد الملف ليبدأ من سؤال يبدو أنه كان ينبغي حسمه منذ البداية: كيف سيموَّل المشروع؟
ففي اجتماع الزيدي مع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، كان أبرز ما خرج به اللقاء هو توجيه الحكومة بوضع آلية واضحة لتمويل المشروع وتنفيذه وفق جداول زمنية محددة. لكن هذا التطور يثير تساؤلات جوهرية: إذا كانت الحكومة السابقة قد أمضت سنوات تتحدث عن المشروع باعتباره دخل مرحلة التنفيذ، فلماذا لا تزال آلية التمويل تبحث اليوم؟ وهل كانت الخطط السابقة قد تجاوزت فعلاً مرحلة الدراسات؟
طريق التنمية.. "أسير الشعارات"
الخبير الاقتصادي دريد العنزي، شن هجوماً حاداً على أداء الحكومة السابقة، معتبراً أن مشروع "طريق التنمية" ظل أسير الشعارات أكثر من كونه مشروعاً تنفيذياً.
وقال العنزي لوكالة "طريق 24"، إن العراق "أُتخم بالسين وسوف"، بينما انتهت الدورة الحكومية بعجز مالي كبير، مؤكداً أن غياب الإرادة السياسية وشبهات الفساد والتعطيل أفشلت تحويل المشروع إلى واقع.
يشار إلى ان السردية الحكومية تحدثت، خلال السنوات الماضية، عن تعاقد العراق مع شركات استشارية عالمية، بينها Oliver Wyman وBTP، لإعداد نموذج اقتصادي متكامل يحدد العوائد وآليات التشغيل، ويشجع المستثمرين العالميين على الدخول في المشروع. كما أعلنت الحكومة السابقة أن المشروع يمتلك أكثر من 60 فرصة استثمارية، وأنه سيكون قائماً على شراكات بين القطاعين العام والخاص. لكن عودة الحديث اليوم عن آليات التمويل، يكشف أن النموذج الاقتصادي ربما د بقي في إطار الدراسات النظرية.
وهنا، يثير مراقبون سؤالا آخر: هل اكتملت التصاميم النهائية للمشروع بكل مراحله، أم أن الحكومة الجديدة ورثت ملفات غير مكتملة؟
مقترح جديد للتمويل
ويشير المراقبون إلى أن الحكومة السابقة ركزت على المؤتمرات الدولية، والاجتماعات الإقليمية، والإعلانات المتكررة عن أهمية المشروع، بينما تجد الحكومة الحالية نفسها أمام تحديات التنفيذ الفعلي، وفي مقدمتها تأمين التمويل، وتحديد الجهة المنفذة، ووضع جدول زمني واقعي.
العنزي اقترح نموذجاً مختلفاً، يقوم على تمويل المشروع عبر بنك "جي بي مورغان" بالاستفادة من الأموال العراقية المودعة فيه، مع توزيع أعمال التنفيذ على عدد كبير من الشركات العالمية، بدلاً من إسناد المشروع إلى شركة واحدة تستغرق سنوات طويلة لإنجازه.
خطة أمريكية لتقليل أهمية هرمز
بالتوازي مع ذلك، أثارت تصريحات المبعوث الأمريكي إلى العراق وتركيا، توم باراك، اهتماماً واسعاً عندما قال إن الخطة الاقتصادية الإقليمية المدعومة من واشنطن ستجعل مضيق هرمز "مجرد فكرة عابرة" خلال عامين، عبر الاعتماد على الممرات البرية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع "طريق التنمية".
وتعقيبا على ذلك، يجد المراقبون أن هذا الطرح يصطدم بـ"وقائع جيوسياسية واقتصادية معقدة". فمضيق هرمز ما يزال أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتعبر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. كما أن مشروع "طريق التنمية" نفسه لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ، بل لا تزال الحكومة العراقية تبحث آليات تمويله.
ومع هذا الحال، يبدو ان الحديث عن تقليص أهمية هرمز خلال عامين، أقرب إلى تصور استراتيجي بعيد المدى منه إلى واقع اقتصادي قابل للتحقق في المدى القريب، خصوصاً أن إنشاء البنى التحتية العابرة للحدود يحتاج إلى سنوات من التنفيذ والاستثمارات الضخمة، فضلاً عن استقرار سياسي وأمني مستدام.
مورد اقتصادي استراتيجي
يقول المختص في التجارة البحرية، إبراهيم حمدي، أن موانئ العراق تمتلك ميزات استراتيجية تجعلها قادرة على منافسة موانئ الخليج، إذا ما جرى المضي بتنفيذ مشروع طريق التنمية الذي يربط الموانئ العراقية بتركيا ومنها إلى أوروبا.
ويضيف حمدي، أن "المشروع يمكن أن يسهم في تغيير مسارات جزء مهم من حركة النقل البحري، مع تقليل كلف الشحن بنسب قد تصل إلى 30%، فضلاً عن اختصار مدة نقل البضائع بما يقارب 40%، وهو ما سيجذب المزيد من الشركات العالمية إلى اعتماد هذا الممر التجاري".
ويؤكد حمدي أن "العراق يمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى عقدة نقل إقليمية مؤثرة، إلا أن ذلك يتطلب قرارًا حكوميًا جريئًا وتسريع تنفيذ المشروع وفق رؤية استراتيجية واضحة"، لافتًا إلى أن "طريق التنمية يمكن أن يشكل موردًا اقتصاديًا استراتيجيًا يوازي في أهميته إيرادات النفط، في ظل التوجه العالمي نحو تنويع الاقتصادات وتراجع الاعتماد على الوقود التقليدي مع التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة".