في بلدٍ ينام على خامس أكبر احتياطي عربي من الغاز الطبيعي، تكشف الأرقام الاحصائية الأخيرة عن مفارقة مخزية؛ إذ تذيل العراق قائمة المنتجين العرب محتلاً المرتبة العاشرة والأخيرة بإنتاج خجول لم يتجاوز 10.9 مليار متر مكعب.
هذا الرقم يراه معنيون ترجمة لعقود من الفشل البنيوي والفساد السياسي الذي جعل من سماء البصرة محرقة لمليارات الدولارات سنوياً عبر "الغاز المصاحب"، في وقت تعيش فيه مدن البلاد تحت رحمة خطوط الاستيراد والتقنين القاسي للتيار الكهربائي.
في ذيل القائمة
كشفت أحدث البيانات الرقمية الصادرة عن "وحدة أبحاث الطاقة" لعام 2025 عن خارطة إنتاج الغاز الطبيعي في العالم العربي، حيث جاء العراق في المرتبة العاشرة بحجم إنتاج سنوي بلغ 10.9 مليار متر مكعب، مسجلاً نمواً بنسبة 4.3% مقارنة بـ 10.5 مليار متر مكعب في العام السابق.
ووفقاً للأرقام المعلنة، تصدرت قطر القائمة العربية بإنتاج ضخم يصل إلى 183.5 مليار متر مكعب، تليها السعودية في المرتبة الثانية بـ 133.8 مليار متر مكعب، ثم الجزائر ثالثاً بـ 98 مليار متر مكعب. وجاءت الإمارات في المرتبة الرابعة (58.6 مليار)، تليها سلطنة عُمان خامساً (45.6 مليار)، ثم مصر سادساً (40.8 مليار).
وفي النصف الثاني من القائمة، احتلت البحرين المرتبة السابعة بـ 16 مليار متر مكعب، تليها الكويت ثامناً بـ 15.5 مليار، ثم ليبيا في المرتبة التاسعة بـ 11.7 مليار متر مكعب، ليختتم العراق القائمة في المركز العاشر.
وعلى مستوى الاستهلاك المحلي، تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن العراق يحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً في قطاع الغاز السائل (غاز الطبخ) فقط حيث يتراوح إنتاجه اليومي بين 4700 و5000 طن.
عرقلة سياسية متعمدة
من جانبه، يرى المهندس المختص بالشؤون النفطية حمزة الجواهري، أن تراجع العراق في استثمار ثرواته الغازية لا يعود إلى أسباب فنية، وإنما يرتبط بملف سياسي بامتياز، مشيراً إلى وجود جهات نافذة تحول دون تنفيذ مشاريع معالجة الغاز واستثماره، رغم امتلاك البلاد احتياطيات كبيرة تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويقول الجواهري لـ"طريق الشعب"، إن بقاء العراق في المرتبة العاشرة عربياً من حيث إنتاج الغاز، رغم امتلاكه احتياطيات هائلة، يعكس استمرار العجز في استثمار هذه الموارد، لافتاً إلى أن نسبة النمو المسجلة في الإنتاج والبالغة 4.3 في المائة، تعد نمواً محدوداً وبطيئاً، لأنها اساساً مرتبطة بزيادة إنتاج النفط، إذ يرتفع إنتاج الغاز المصاحب تلقائياً مع ارتفاع إنتاج النفط والعكس، وليس بسبب تطوير قطاع الغاز نفسه.
وبيّن أن العراق يمتلك كميات كبيرة من الغاز الحر إلى جانب الغاز المصاحب، إلا أن كليهما يحتاجان إلى عمليات معالجة متخصصة قبل دخولهما مرحلة الاستثمار، تشمل إزالة المياه والمركبات الكبريتية، وهي عمليات تتطلب وجود منشآت متطورة، مؤكداً أن هذه المشاريع لا يُسمح بتنفيذها، الأمر الذي يعرقل استثمار الغاز بالشكل المطلوب.
وزاد بالقول، أن استمرار هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على أمن الطاقة، إذ لا يزال البلد يعاني نقصاً يقدر بنحو 40 إلى 50 في المائة من احتياجاته من الغاز اللازم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، ما يبقيه معتمداً على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاته.
وشدد الجواهري في ختام حديثه على أن استمرار العراق في استيراد الغاز يخدم مصالح جهات مستفيدة من بقاء هذا الملف معطلاً، معتبراً أن إزالة العوائق السياسية أمام مشاريع استثمار ومعالجة الغاز تمثل المدخل الأساس لتحقيق الاكتفاء وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
مفارقة قاسية
وتكمن جذور هذه المفارقة في استمرار نزف "الغاز المصاحب"؛ إذ يُعد العراق ثالث أكثر دولة حرقاً للغاز عالمياً، حيث يهدر في الهواء ما يقارب نصف إنتاجه الإجمالي بخسائر يومية مباشرة تقدّر بنحو 4 ملايين دولار، وتكلفة إجمالية تناهز 12 مليار دولار سنوياً تشمل الغاز المحروق وفرص التنمية الضائعة.
وفي مقابل هذا الهدر الدخاني، ترهق بغداد موازنتها السنوية بإنفاق ما بين 4 إلى 6 مليارات دولار لاستيراد الغاز والكهرباء لتغطية النقص، مما يضع القرار العراقي تحت رحمة تقلبات خطوط الإمداد الإقليمية والعقوبات الدولية.
وبين الوعود الحكومية المتكررة بتحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2028، والواقع الميداني المتأخر في استكمال مشاريع المعالجة، يبقى المواطن الضحية الأولى لمنظومة طاقة تبدد ثرواتها نهاراً في السماء، وتبحث عنها ليلاً في دول الجوار.
اسباب المشكلة
في هذا الصدد قال الخبير في مجال الطاقة، د. بلال الخليفة، أن العراق لا يزال بعيداً عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز، مبيناً أن الإنتاج المحلي غير كافٍ لتغطية احتياجات محطات توليد الكهرباء، حتى مع تنفيذ مشاريع تطوير الحقول وتقليل معدلات حرق الغاز.
وأضاف الخليفة لـ"طريق الشعب"، أن أكثر من 72 في المائة من الغاز المنتج في العراق هو غاز مصاحب لعمليات استخراج النفط، وليس غازاً حراً، الأمر الذي يجعل إنتاجه مرتبطاً بشكل مباشر بمستويات إنتاج النفط، لافتاً إلى أن أي انخفاض في الإنتاج النفطي سينعكس تلقائياً على كميات الغاز المستخرجة.
وأشار إلى أن نحو 28 في المائة فقط من الإنتاج يأتي من حقول الغاز الحر، مثل عكاز والمنصورية وأرطاوي، مبيناً أن هذه المشاريع ما زالت تواجه تحديات في التطوير.
وأضاف أن حقل عكاز، الذي بدأ العمل عليه منذ عام 2012، لم يدخل مرحلة الإنتاج التجاري حتى الآن، بسبب تعاقب الشركات المنفذة وانسحاب بعضها، مرجحاً أن يحتاج الحقل إلى عامين أو أكثر للوصول إلى طاقته الإنتاجية البالغة نحو 400 مليون قدم مكعب قياسي يومياً بعد استئناف العمل فيه.
وبيّن أن العراق ينتج حالياً نحو ثلاثة مليارات قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز، إلا أن جزءاً من هذه الكميات لا يزال يُحرق لعدم استكمال عمليات المعالجة، موضحاً أن نسبة الحرق انخفضت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة بفضل مشاريع استثمار الغاز، بعد أن كانت تتجاوز 50 في المائة لتتراجع حالياً إلى ما بين 500 و700 مليون قدم مكعب قياسي يومياً.
وتابع أن الغاز المنتج يوجَّه بالدرجة الأساس الى محطات توليد الكهرباء، في وقت يبلغ فيه الإنتاج الفعلي للطاقة نحو 24 الف ميغاواط، مقابل حاجة تتراوح بين 36 و40 الف ميغاواط خلال فترات ذروة الطلب الصيفية، ما يفرض استمرار الاعتماد على استيراد الغاز من إيران، إلى جانب استيراد جزء من الطاقة الكهربائية.
ولفت الخليفة في السياق نفسه، إلى أن العراق يستورد أكثر من مليار قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز الإيراني لتشغيل عدد من المحطات، وفي مقدمتها محطة بسماية، مؤكداً أن استغلال كامل الإنتاج المحلي من الغاز هو الاخر لن يكون كافياً لإيقاف الاستيراد، لأن الكميات المنتجة اساساً ما تزال أقل من حجم الطلب المحلي.
وأوضح الخبير أن تطوير حقول عكاز والمنصورية وأرطاوي يمكن أن يضيف كميات مهمة من الغاز، إلا أنها لن تنهي الحاجة إلى الاستيراد، خاصة مع استمرار العجز في إنتاج الكهرباء، مشيراً إلى أن سد الفجوة الحالية في الطاقة، يتطلب كميات إضافية من الغاز تتراوح بين 3 و4 مليارات قدم مكعب قياسي يومياً.
واختتم الخليفة بالقول إن معالجة أزمة الطاقة في العراق تستدعي تنويع مصادر الإنتاج، عبر التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب دراسة خيارات استيراد الغاز، مبيناً أن نقل الغاز عبر الأنابيب يعد أكثر جدوى اقتصادية من استيراد الغاز الطبيعي المسال، الذي ترتفع كلفته عدة أضعاف، مؤكداً أن الغاز العراقي، في وضعه الحالي، غير كافٍ لتلبية الاستهلاك المحلي.