اعتادت معظم شعوب العالم الاحتفال بأعيادها الوطنية، ومنها أعياد الاستقلال، باستثناء دول قليلة، من بينها بريطانيا التي لا يوجد فيها يوم وطني رسمي موحّد، إذ تحتفل دولها الأربع (إنكلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية) بيوم القديس الراعي الخاص بكل منها، كما تحتفل بريطانيا بعيد ميلاد الملك في شهر حزيران (يونيو) من كل عام.
ويُذكر أن بريطانيا لم تتعرض للاحتلال من قبل أي دولة أجنبية. وهناك دول لها أكثر من عيد وطني رسمي، ومنها الهند، حيث يُحتفل بيوم الاستقلال في 15 آب (أغسطس)، ويوم الجمهورية في 26 كانون الثاني (يناير)، وعيد ميلاد غاندي في 2 تشرين الأول (أكتوبر)
وفي عراقنا الحبيب، وبجرة قلم، ألغى ساسة الصدفة الاحتفال بيوم 14 تموز 1958، ذلك اليوم الذي أخرج الوطن من نيران الأحلاف والمعاهدات الاستعمارية الاسترقاقية، ودشّن العهد الجمهوري، وقاد البلاد نحو التقدم بمنجزات كبيرة تحققت خلال فترة قصيرة، قبل أن تُجهز قوى الردة، بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية، على تلك التجربة باغتيالها وقتل قادتها في 8 شباط (فبراير) الدموي عام 1963.
واستبدل ال(هؤلاء) يوم 14 تموز بيوم 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1932، أي يوم دخول العراق إلى عصبة الأمم، رغم أن العراق كان مقيّدًا بالمعاهدة العراقية ـ البريطانية لعام 1930 التي وضعته تحت النفوذ السياسي والاقتصادي البريطاني.
ولم تختلف قراءة من ألغى 14 تموز بوصفه يومًا وطنيًا عن قراءة السلحفاة التي سقطت على ظهرها فأخذت ترى الأشياء بالمقلوب، بل جاءت منسجمة مع فكرهم وطبيعتهم المعادية للشعب، وهم بذلك لا يختلفون عن الحكام الذين ارتضوا بمعاهدة عام 1930.
كما أن هذه القوى لا تملك قرارًا وطنيًا مستقلاً، بحكم اندماج مصالحها، بوصفها «كليبتوقراطية» يزكم فسادها الأنوف، مع القوى الإمبريالية. ولذلك ليس من مصلحتها تمجيد ثورة انحازت للشعب، وحاربت الاحتكارات، وضربت الإقطاع، وسنّت القوانين لصالح العمال والفلاحين والمرأة. كما تميز قائدها الشهيد عبد الكريم قاسم، رغم كل الملاحظات عليه، بالنزاهة ونظافة اليد، ومات ـ بعد أن قتله الانقلابيون غدرًا ـ من دون أن يملك ثروة أو بيتًا.
إن ما يشغل معادي 14 تموز، في معظمهم، هو نشر الأوهام والتفاهات، وإشاعة الجهل والتخريب الثقافي والفكري، وتدشين حملات لغسل الأدمغة، من أجل تدجين الشعب وقطع صلته بذاكرته الوطنية، ولا سيما الأجيال الجديدة، وإبعاده عن تاريخ وطنه ونضالاته، وهدم كل روح وثّابة للتغيير. وإن لم ينجح هذا «العلاج» في وقف المارقين، فهناك الكيّ، أي الاغتيالات والخطف والقتل العلني، كما حدث مع منتفضي تشرين.
لقد فضح مكر التاريخ من أراد، وما يزال يريد، شطب 14 تموز من تاريخ العراقيين وذاكرتهم. فكلما ازداد فساد الفاسدين، وتفاقت معاناة الناس بسبب تردي الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء والصحة والسكن والمعيشة اليومية، ازداد حنينهم إلى ذلك اليوم، وإلى إعادة خلقه من جديد. لذلك يمكن القول إن الاحتفال به قد تأجل إلى حين، لكنه لم يُلغَ. فالمظاهرات لم تتوقف، ومساندة الحملات المطالبة بمكافحة الفساد ومحاسبة السراق وعصابات الجريمة المنظمة تزداد يومًا بعد آخر.
وهكذا تتسع المعركة، إذ بدأ يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وبدأ يتجلى الخط الفاصل بين الشعب وأعدائه المتمثلين بسرّاق المال العام. وكما يقول المثل: (لا يمكن إخفاء ثلاثة أشياء لفترة طويلة: الشمس، والقمر، والحقيقة).