اخر الاخبار

حملة مكافحة الفساد بين التشكيك والتحديات

مازالت الصحف والمواقع الإخبارية العالمية مهتمة بالحملة التي شنّها القضاء، وبدعم من الحكومة الجديدة، ضد بعض حيتان الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة العراقية.

أولوية الحكومة الجديدة

ففي صحيفة "ذا ناشيونال" الناطقة بالإنكليزية، كتب سنان محمود مقالاً نقل فيه عن بعض المصادر المطلعة أخباراً عما يواجهه رئيس الحكومة من اعتراضات متزايدة من الأحزاب السياسية الرئيسية بسبب حملته لمكافحة الفساد، وهي المهمة التي جعلها ـ وفق الكاتب ـ محوراً أساسياً لعمله، منذ أن أمر بإنشاء المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة، والتدقيق في الإنفاق الكبير، ومراجعة الصفقات الكبرى التي أبرمتها الحكومة السابقة، وإحالة القضايا مباشرة إلى القضاء.

الحلفاء غير راضين

وبعد أن سرد الكاتب تفاصيل ما حدث يوم اعتقال عدد من النواب والمسؤولين والسياسيين بتهم الفساد، ذكر أن الاجتماع المغلق الذي عقده قادة "الإطار التنسيقي" الحاكم عقب العملية شهد توتراً حاداً، إذ انتقد بعضهم طريقة تنفيذ الحملة، وعدم إبلاغ القادة السياسيين قبل الاعتقالات، وتسريب شيء من مجريات التحقيق، وإغلاق المنطقة الخضراء في مشاهد مثيرة بدت وكأنها استهداف شخصي ومسعى لتشويه سمعة أطراف محددة. وأشار الكاتب إلى أن المجتمعين أعربوا عن دعمهم لمكافحة الفساد من حيث المبدأ، لكنهم حذروا من أن أي إجراء "أحادي" قد يُؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم.

رسائل خطيرة

وورد في المقال أنه، وبعد ساعات من ذلك الاجتماع، رُصدت فوق المنطقة الخضراء طائرة مسيرة، عجزت الدفاعات الجوية عن إسقاطها بسبب ارتفاعها الشاهق. ولأن أحداً لم يعلن مسؤوليته عنها، سرت تكهنات تشير الى إنها كانت رسالة من العناصر المعارضة للحملة.

وفي المقابل، حظيت الحملة بدعم كبير من زعيم التيار الصدري، الذي وصفها بـ "الإصلاح البطولي"، ونعت رئيس الحكومة بـ "جندي الإصلاح"، الذي ينبغي أن تُقوّى عزيمته وتُضعف عزيمة الفاسدين.

حملة غير مسبوقة

أما آميز احمد فقد كتب مقالاً في صحيفة "صباح اليوم" التركية، ذكر فيه أن المحققين العراقيين تمكنوا من كشف إحدى أكبر شبكات الفساد في البلاد، وصادروا ملايين الدولارات، وعشرات العقارات، وسيارات فاخرة، وكميات كبيرة من الذهب، من مسؤولين حاليين وسابقين، ونواب، وشخصيات أخرى ذات نفوذ سياسي، كانت تعّد سابقاً فوق القانون، بل و"مناهضة للفساد". كما ذكرت الصحيفة أن التقدم في الحملة وتطويرها لتكون بداية التغيير الحقيقي بعد سنوات من حملات مكافحة الفساد الفاشلة، سيعتمد على نجاح المحاكمات، واسترداد الأموال العامة المسروقة، وإجراء إصلاحات تعزز الشفافية والمساءلة.

جذور الفساد العميقة

وأشار الكاتب إلى أن فهم أهمية هذه الحملة يتطلب التعرف إلى كيفية ترسخ الفساد في النظام السياسي العراقي. فمع إعادة هيكلة الهيئات الحكومية بعد 2003، خضعت العديد منها لنفوذ الأحزاب السياسية من خلال نظام "المحاصصة"، الذي يُوزّع المناصب الحكومية الرئيسية بين الجماعات الطائفية والإثنية. ومكّن هذا النظام شبكات المحسوبية من التوسع، ما سمح للأحزاب بممارسة سيطرة أكبر على الموارد العامة، وصار التوظيف في العديد من المؤسسات مرتبطًا، بشكل متزايد، بالعلاقات السياسية بدلًا من المؤهلات.

تشكيك له ما يبرره

وذكر المقال أن حملات مكافحة الفساد، ومنها ما سمّي "سرقة القرن" عام 2022، التي استولى فيها لصوص على 2.5 مليار دولار من حسابات مصلحة الضرائب، تلقى غالباً شكوكاً شعبية كبيرة، بسبب التغاضي عن محاسبة الشخصيات النافذة، وفشل حملات مماثلة منذ 2015. ولهذا رأى الكاتب أن الأمر سيتوقف على مدى إمكانية الحملة لتحول ملموس، فالاعتقالات وحدها لن تُغير نظامًا استغرق بناؤه عقودًا، إلا إذا أدت التحقيقات إلى إدانات، واسترداد الأموال العامة، وطالت بعض الشخصيات السياسية الأكثر نفوذًا، وذات الدعم السياسي أو العسكري القوي.

دعم دولي

وأكد الكاتب أن مواجهة أشخاص بهذا المستوى من النفوذ تتطلب دعمًا قويًا من المؤسسات السياسية والمجتمع الدولي، إضافة إلى الدعم الشعبي. وربما يمكن أن تلعب الولايات المتحدة، التي لا تزال تتمتع بنفوذ كبير على النظام المالي العراقي، دوراً رئيسياً في ذلك.

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن توقيت الحملة يُعد مهماً، لأنها تتزامن مع سعي العراق لتعزيز الأنظمة المصرفية، ومكافحة غسل الأموال، وتحسين الشفافية بما يتماشى مع المعايير المالية العالمية، فضلاً عن محاولاته تعزيز التعاون الاقتصادي وكسب ثقة دولية أكبر، في وقت يواجه فيه ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تراجع عائدات النفط، الذي يُثقل كاهل المالية العامة. ويبقى التساؤل عما إذا كان هدف الحملة مقتصراً على استعادة هيبة الحكومة في الإدارة، أم أيضاً إلى تعزيز موقفها في مواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة.