اخر الاخبار

رغم مرور أكثر من عقد ونصف على إطلاق عدد من مشاريع المستشفيات في العراق، ما تزال عشرات المشاريع الصحية غير مكتملة أو خارج الخدمة، في وقت يتزايد فيه الطلب على الرعاية الطبية بفعل النمو السكاني وازدياد الاحتياجات الصحية. وبينما تتكدس أعداد المرضى في المؤسسات الصحية القائمة، يحذر مراقبون من أن استمرار تعثر هذه المشاريع لا يقتصر على تأخير افتتاح مستشفيات جديدة، بل يمتد إلى تعميق الضغط على الكوادر الطبية، وإطالة فترات انتظار المرضى، وتراجع جودة الخدمات، وسط مطالبات بإصلاحات إدارية وتسريع إنجاز المشاريع المتلكئة ضمن رؤية صحية طويلة الأمد.

تلكؤ بيَن في انجاز المشاريع

ودعا النائب مختار الموسوي إلى مراجعة شاملة لاستراتيجية بناء المستشفيات في العراق، مؤكداً أن استمرار تعثر إنجاز عدد من المشاريع الصحية لأكثر من 15 عاماً يفاقم الضغوط على القطاع الطبي ويؤثر في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وقال الموسوي، في حديث اطلعت عليه "طريق الشعب"، إن دول العالم تعتمد خططاً واضحة لبناء المستشفيات وفق الكثافة السكانية واحتياجات المناطق المختلفة، لافتاً إلى أن المستشفيات تمثل مراكز طبية متكاملة تضم أقساماً تخصصية وإمكانات لإجراء العمليات الجراحية بمختلف مستوياتها.

وبيّن أن المستشفيات الحديثة قد تضم مئات الأسرة وتوفر خدمات علاجية متقدمة، إلا أن السياسة الصحية التي اتبعت بعد عام 2003 ركزت بصورة أكبر على إنشاء المراكز الصحية التي تقدم خدمات الكشف والعلاج الأولي، من دون أن تعالج الحاجة المتزايدة إلى المستشفيات التخصصية القادرة على استيعاب الأعداد المتنامية من المرضى.

وأضاف أن عدد المستشفيات التي أُنجزت خلال السنوات الماضية لا يتناسب مع النمو السكاني في العراق، ما أدى إلى استمرار الزخم والضغط على المستشفيات الرئيسة في المحافظات، مشيراً إلى أن العديد من مشاريع المستشفيات ما زالت متوقفة أو متلكئة رغم مرور أكثر من عقد ونصف على إطلاق بعضها.

وأشار الموسوي إلى أن تجربة طرح المستشفيات بصيغة الاستثمار لم تحقق النتائج المطلوبة، داعياً إلى إعادة تقييم هذا المسار والاعتماد على الكفاءات الوطنية في إدارة وتشغيل المؤسسات الصحية، بما يسهم في خفض الكلف وتحسين مستوى الخدمات.

وأكد أن العراق يمتلك طاقات طبية كبيرة، في ظل وجود أعداد واسعة من الأطباء والكوادر الصحية، بينهم آلاف الخريجين بانتظار فرص التعيين، ما يستدعي توظيف هذه الإمكانات ضمن خطة وطنية للنهوض بالقطاع الصحي.

وشدد على أهمية التوجه نحو إنشاء مستشفيات تخصصية في المجالات النادرة والحساسة، مثل زراعة الكلى، وعلاج الأمراض السرطانية، والتخصصات الدقيقة الأخرى، بما يسهم في تقليل حاجة المرضى إلى السفر خارج البلاد لتلقي العلاج.

ملفات فساد تنتظر الملاحقة

من جانبه، يقول زيد شبيب، صيدلي ممارس، إن ملف المستشفيات المتلكئة يعكس حجم التراجع الذي يشهده القطاع الصحي، مشيراً إلى أن العديد من مشاريع بناء المستشفيات تعطلت لسنوات بسبب عوامل متعددة، من بينها ضعف تخصيصات وزارة الصحة في الموازنة العامة، إلى جانب تنامي دور القطاع الخاص على حساب القطاع العام.

وقال شبيب لـ"طريق الشعب"، إن القطاع الصحي شهد خلال السنوات الماضية ملفات فساد عديدة، مستشهداً بقضايا أُثيرت سابقاً تتعلق بصفقات شراء مستلزمات طبية وأدوية، فضلاً عن تجهيزات قيل إنها لم تكن مطلوبة أو بقيت مخزنة من دون استخدام، في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية من نقص في الاحتياجات الأساسية.

وأضاف أن العراق يعاني من نقص واضح في عدد المستشفيات مقارنة بالمعايير السكانية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغط على المؤسسات الصحية القائمة، ولا سيما المستشفيات الحديثة، نتيجة غياب التوزيع المتوازن للمرافق الصحية بين الأقضية والنواحي، وهو ما ينعكس أيضاً على توزيع الكوادر الطبية، إذ توجد وفرة في بعض الاختصاصات مقابل نقص في اختصاصات أخرى.

وفيما يتعلق بالخدمات الصحية، أشار شبيب إلى أن ضعف الإمكانات داخل المستشفيات الحكومية دفع المواطنين إلى اللجوء إلى الخدمات المدفوعة للحصول على الفحوصات أو العمليات خلال فترات زمنية قصيرة، بينما قد تستغرق الإجراءات في القطاع العام أشهراً، متسائلاً عن مصير الإيرادات المتحققة من الرسوم التي تُستوفى من المواطنين، ومدى انعكاسها على تحسين مستوى الخدمات.

وبيّن أن "الفساد يقف وراء جانب كبير من أزمات القطاع الصحي"، معتبراً أن مؤسسات الدولة تُدار وفق نهج المحاصصة، وأن مواقع المسؤولية تحولت إلى غنائم تُستغل لتحقيق مكاسب لفئات متنفذة.

وأضاف أن معالجة هذه المشكلات تتطلب ترسيخ معايير النزاهة والكفاءة في إدارة القطاع الصحي، معرباً عن اعتقاده بأن تحقيق ذلك يواجه تحديات كبيرة في ظل استمرار نفوذ الجهات التي وصفها بالمستفيدة من الواقع الحالي.

كما اتهم جهات سياسية واقتصادية وشركات مرتبطة بأحزاب نافذة بالاستفادة من مشاريع الإعمار والخدمات، مدعياً أن بعض المشاريع تُنفذ بصورة شكلية أو تتكرر أعمال صيانتها خلال فترات قصيرة، وهو ما اعتبره مؤشراً على ضعف جودة التنفيذ وسوء إدارة المال العام.

اختلالات إدارية وتشغيلية معتقة

ويذكر مصدر مطلع في مستشفى الشهيد غازي الحريري للجراحات التخصصية في مدينة الطب، رفض الكشف عن هويته، أن قراءة الواقع المؤسسي للمستشفى تكشف أن التحديات التي تواجهه اليوم لا ترتبط بضعف الإمكانات الطبية أو نقص الكفاءات، بل بوجود اختلالات إدارية وتشغيلية تراكمت على مدى سنوات، حتى أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في سير العمل، واستقرار الملاكات، وجودة الخدمات المقدمة للمرضى.

ويوضح أن "المستشفى يعد من أهم المؤسسات الصحية التخصصية في العراق، إذ يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من الحالات المعقدة والحرجة، ويضم اختصاصات جراحية نادرة وخبرات طبية عالية، إلا أن هذه الإمكانات لا تجد منظومة إدارية قادرة على استثمارها بالشكل الأمثل".

ويضيف لـ"طريق الشعب" أن المراجعات الداخلية والدراسات والمؤشرات المنشورة أظهرت وجود فجوة واضحة بين الأداء الطبي المتقدم والإدارة التشغيلية، مبيناً أن عدداً من المشكلات لا تظهر بشكل مباشر في البيانات الرسمية، لكنها تتجلى من خلال تكرار شكاوى الموظفين، وطبيعة الدراسات العلمية التي تناولت واقع المستشفى، وحجم الملاحظات الرقابية، فضلاً عن الضغط المستمر الذي تتعرض له الملاكات الطبية والتمريضية.

ويتابع المصدر أن أبرز التحديات تتمثل فيما يمكن وصفه بـ"أزمة الثقة التنظيمية"، إذ يشكو عدد من الموظفين من تفاوت في تطبيق التعليمات الإدارية، سواء فيما يتعلق بمنح الاجازة الزمنية والعلاوات والترفيعات والإجازات أو توزيع الخفارات، فضلاً عن اختلاف آليات التعامل بين الأقسام والشعب الإدارية. ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في الجوانب المالية فحسب، وإنما في شعور بعض العاملين بأن القرارات الإدارية تعتمد أحياناً على الاجتهاد الشخصي أكثر من اعتمادها على معايير موحدة، الأمر الذي ينعكس على مستوى الرضا الوظيفي، ويؤدي إلى انخفاض الحافز المهني، وضعف روح الفريق، وازدياد الاعتراضات على القرارات الإدارية.

ويؤكد أن الضغط التشغيلي يمثل تحدياً آخر لا يقل خطورة، موضحاً أن المستشفى يعمل بطاقة تفوق قدرته التشغيلية، مع استمرار ارتفاع أعداد العمليات الجراحية والمراجعين، والتداخل بين العمليات الطارئة والباردة، في وقت لا تشهد فيه الموارد البشرية والبنية الداعمة توسعاً يتناسب مع هذا النمو. ويبين أن هذا الواقع أدى إلى زيادة ساعات العمل والخفارات الطويلة، وارتفاع مستويات الإرهاق والاحتراق الوظيفي بين الأطباء والممرضين، فضلاً عن زيادة الضغط على الإدارات الفنية والخدمية، وهو ما قد ينعكس على سرعة إنجاز الإجراءات العلاجية وفترات انتظار المرضى.

ويشير المصدر إلى أن استمرار هذه التحديات من دون إصلاحات هيكلية قد يفاقم المشكلات مستقبلاً، لأن المؤسسات الصحية الكبرى، بحسب تعبيره، "لا تتعرض للاهتزاز بسبب خطأ واحد، وإنما نتيجة تراكم اختلالات صغيرة تتحول مع مرور الوقت إلى أزمة مؤسسية تؤثر في الخدمة العلاجية، والاستقرار الوظيفي، والسمعة المهنية، وثقة المواطنين بالمؤسسة".

ويلفت إلى أن الإصلاح المطلوب ينبغي أن يكون شاملاً، يبدأ بإنشاء نظام إلكتروني موحد لإدارة الحقوق الوظيفية يضمن احتساب الاستحقاقات والعقوبات والمكافآت وفق معايير ثابتة وشفافة، وإصدار دليل إداري موحد يمنع تضارب التفسيرات والاجتهادات الفردية، إلى جانب تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة التظلمات الإدارية وربطها مباشرة بالإدارة العليا.

كما يدعو، بحسب المصدر، إلى إنشاء مركز متخصص لإدارة العمليات التشغيلية يتولى متابعة الإشغال، وجدولة العمليات، وإدارة الأسرة، والتنسيق بين الأقسام، مع إعادة توزيع الملاكات وفق حجم العمل الفعلي وطبيعة الاختصاصات، والتوسع في الأتمتة لتقليل الإجراءات الورقية التي تستنزف وقت الكوادر الطبية، مؤكداً أن نجاح هذه الخطوات من شأنه أن ينقل المستشفى من إدارة الأزمات اليومية إلى إدارة مؤسسية حديثة قادرة على الحفاظ على مكانته العلمية والطبية، وتطوير جودة الخدمات المقدمة للمرضى.

ويؤكد المصدر أن جانباً كبيراً من الضغوط التي يواجهها المستشفى يرتبط بتلكؤ إنجاز عدد من المستشفيات في بغداد والمحافظات، ما أدى إلى تزايد الإحالات إلى مدينة الطب بوصفها الملاذ الأخير للحالات التخصصية. ويبين أن هذا الواقع تسبب في ارتفاع أعداد المراجعين والعمليات الجراحية إلى مستويات تفوق الطاقة التشغيلية للمستشفى، الأمر الذي ضاعف الضغط على الكوادر الطبية والتمريضية والخدمات الساندة، وجعل الإدارة تواجه تحديات متزايدة في تنظيم العمل وضمان استمرارية تقديم الرعاية الصحية.

محدودية القدرة الاستيعابية ونقص في التخصصات

وتقول فرح الزيدي، العاملة في أحد مستشفيات ذي قار، إن "المستشفيات تعاني منذ سنوات من ضغط كبير يفوق طاقتها الاستيعابية، نتيجة الزيادة السكانية وتأخر إنجاز عدد من المشاريع الصحية التي كان من المفترض أن تخفف العبء عن المؤسسات القائمة". وتبين أن "ارتفاع أعداد المراجعين انعكس على قدرتنا في استقبال المرضى، إذ نشهد اكتظاظاً مستمراً في ردهات الطوارئ والردهات الداخلية، فضلاً عن طول فترات انتظار المراجعين للحصول على الخدمات الطبية، وهو ما يؤثر في جودة الرعاية الصحية المقدمة".

وأضافت لـ"طريق الشعب" أن "الكوادر الطبية تعمل تحت ضغط يومي كبير، فالأطباء والممرضون يتعاملون مع أعداد من المرضى تتجاوز الإمكانات المتاحة، سواء من حيث عدد الأسرة أو الأجهزة أو الملاكات الساندة. وفي كثير من الأحيان نضطر إلى تقديم الخدمة في ظروف لا تتناسب مع حجم الحاجة الفعلية، ما يزيد من الإرهاق المهني ويؤثر في سير العمل داخل المؤسسات الصحية، بالشكل الذي يتعارض مع جانبنا الإنساني".

وأشارت إلى أن "تعثر مشاريع المستشفيات أدى إلى استمرار تحويل عدد من المرضى، ولا سيما الحالات التي تحتاج إلى عناية تخصصية أو عمليات معقدة، إلى محافظات أخرى مثل بغداد والبصرة، بسبب محدودية القدرة الاستيعابية أو نقص بعض التخصصات والخدمات. وهذا يحمل المرضى وعائلاتهم أعباء مالية ونفسية إضافية، فضلاً عن أن بعض الحالات الحرجة لا تحتمل تأخير الإحالة أو التنقل لمسافات طويلة".

وأكدت أن "الحل لا يقتصر على إنشاء مستشفيات جديدة فحسب، بل يبدأ بالإسراع في إنجاز المشاريع المتلكئة، وتجهيزها بالمعدات الحديثة، وتوفير الملاكات الطبية والتمريضية الكافية. كما أن الناصرية بحاجة إلى مستشفيات تخصصية تتناسب مع حجم المحافظة وعدد سكانها، لأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى زيادة الضغط على المؤسسات الصحية وتراجع مستوى الخدمات مع مرور الوقت".

ويواجه القطاع الصحي تحديات متراكمة تتمثل في نقص البنى التحتية الطبية وتعثر إنجاز عدد من المشاريع الاستراتيجية، بالتزامن مع تزايد أعداد السكان وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية. وتطالب أوساط نيابية وطبية بضرورة تسريع إنجاز المستشفيات المتلكئة، وتبني خطط طويلة الأمد لإنشاء مؤسسات علاجية تخصصية قادرة على استيعاب الاحتياجات الصحية المتنامية وتحسين جودة الرعاية الطبية داخل البلاد.