لم تعد المخدرات في العراق تشكل تحديا أمنيا فحسب، بل تحولت إلى قضية صحية واجتماعية تتطلب استجابة تتجاوز الملاحقة القانونية؛ ففي وقت تؤكد فيه المؤشرات الرسمية توسع خدمات التأهيل وعودة آلاف المتعافين إلى المجتمع، يؤكد مختصون أن اتساع ظاهرة التعاطي، ولا سيما بين الشباب، يكشف عن فجوة بين حجم المشكلة والإمكانات المتاحة، معتقدين أن الحد من الإدمان يتطلب تطوير مراكز التأهيل، وتعزيز خدمات الصحة النفسية، وإعادة دمج المتعافين في المجتمع، بالتوازي مع استمرار الجهود الأمنية والقانونية للحد من انتشار المخدرات.
16 مركزا للتأهيل
المتحدث باسم المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، عباس البهادلي، يقول إن فصل المتعاطين عن التجار كان خطوة مهمة، بعدما كان المدمنون يزجون سابقا في السجون مع تجار المخدرات.
ويضيف البهادلي في حديث تابعته "طريق الشعب"، أن العراق أنشأ 16 مركزا للتأهيل، مشيرا إلى أن أكثر من 7270 متعاف عادوا إلى المجتمع منذ عام 2023.
وينبه الى أن ارتفاع أسعار بعض المواد المخدرة، مثل الكريستال، من 10 آلاف دينار للغرام إلى نحو 200 ألف دينار، يعكس تراجع العرض داخل السوق المحلية نتيجة العمليات الأمنية.
وحذر من أن الفئة الأكثر استهدافا من قبل شبكات المخدرات هي الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و40 عاما، واصفا ذلك بأنه استهداف مباشر للطاقات المنتجة، ومحاولة لإفراغ البلد من رأس ماله البشري.
نقص كبير في الكوادر المتخصص
اما عضو الفريق الوطني لمكافحة المخدرات في مستشارية الأمن القومي، وعضو الفريق التوعوي لاستراتيجية مكافحة المخدرات (2025-2030)، حيدر فيصل القريشي، فيجد في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن مراكز التأهيل الحالية لا تزال غير كافية لمواجهة التوسع المستمر في ظاهرة تعاطي المخدرات في العراق، رغم افتتاح 16 مركز وعودة آلاف المتعافين إلى المجتمع.
ويؤكد القريشي، أن أبرز التحديات التي تواجه هذه المراكز تتمثل في النقص الحاد في الكوادر المتخصصة، ولا سيما الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين، إلى جانب محدودية الكوادر العاملة في مجالات الرياضة والفنون، التي تعد جزءا أساسياً من برامج التأهيل وإعادة دمج المتعافين في المجتمع.
وفي ما يتعلق بدور منظمات المجتمع المدني، يشير إلى أنها تمتلك دورا مهما في التوعية وتأهيل المتعافين، إلا أن عدد المنظمات المتخصصة في هذا المجال لا يزال محدودا، إذ لا يتجاوز عشر منظمات على مستوى العراق، وهو ما يقلل من حجم الجهود الوقائية المطلوبة لمواجهة اتساع الظاهرة، خصوصاً بين فئة الشباب.
ويعد القريشي الوصم الاجتماعي من أبرز العقبات التي تواجه المتعافين بعد انتهاء رحلة العلاج، موضحاً أن كثيراً منهم يعانون شعورا دائما بالذنب تجاه ما تسبب به الإدمان من أضرار لعائلاتهم، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى الانعزال أو الهروب من الواقع، ويزيد من احتمالات الانتكاس في حال غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
وعن حملات مكافحة المخدرات، يبين أن الحملات ذات الطابع الأمني تركز في الغالب على التعريف بقانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017، في حين تنفذ وزارات الداخلية والصحة، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، حملات توعوية تستهدف طلبة المدارس والجامعات، فضلا عن الأنشطة التي تقام في المجالس البلدية على مدار العام.
ويستدرك بالقول إن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال أقل من مستوى التحدي، مؤكداً أن حجم حملات التوعية الحالية لا يتناسب مع سرعة انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، الأمر الذي يستدعي توسيع البرامج الوقائية، وزيادة الاستثمار في التوعية والتأهيل، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية والقانونية.
تطوير خدمات العلاج النفسي
فيما تعرّف الباحثة النفسية إيناس هادي، حالة الإدمان بانها اضطراب نفسي وسلوكي معقد، يرتبط بعلاقة متبادلة مع الاضطرابات النفسية، موضحة أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى المخدرات هرباً من الاكتئاب أو القلق أو الصدمات النفسية، لكن التعاطي يؤدي مع مرور الوقت إلى تفاقم هذه الاضطرابات، وقد يصل إلى الذهان أو الأفكار الانتحارية.
وتقول هادي لـ"طريق الشعب" أن آثار الإدمان لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية، إذ تزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب والكبد والكلى، وضعف الجهاز المناعي، فضلاً عن مخاطر انتقال الأمراض المعدية والوفاة بسبب الجرعات الزائدة. كما ينعكس على حياة المدمن الاجتماعية والأسرية، من خلال العزلة، وفقدان الثقة، وتفكك الأسرة، إلى جانب خسارة العمل واستنزاف الموارد المالية، ما يفاقم الأعباء الاقتصادية على الأسرة.
وتضيف أن مراكز التأهيل الحالية تمثل خطوة مهمة، لكنها بحاجة إلى تطوير خدمات العلاج النفسي والاجتماعي، وعدم الاكتفاء بعلاج الإدمان جسدياً، مشيرة إلى أن التعافي الحقيقي يتطلب برامج تأهيل متكاملة تشمل الإرشاد النفسي والأسري، مع متابعة المتعافين بعد خروجهم من المراكز للحد من الانتكاسة.
وتوضح أن الشباب هم الفئة الأكثر عرضة للإدمان بسبب الضغوط النفسية والاقتصادية، والتفكك الأسري، وتأثير رفاق السوء، وضعف الوعي، داعية إلى تكثيف برامج التوعية، وتمكين الأسرة والمؤسسات التعليمية من اكتشاف العلامات المبكرة للتعاطي والتدخل السريع قبل تطور الحالة.
وتجد أن نجاح جهود مكافحة المخدرات لا يقاس بعدد المتعافين فقط، بل بقدرة المؤسسات على إعادة دمجهم في المجتمع، عبر توفير الدعم النفسي وفرص التعليم والعمل، بما يضمن استقرارهم ويقلل من احتمالات عودتهم إلى التعاطي.
قانون المخدرات
من جهته، قال الحقوقي مصطفى البياتي إن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017 يعتبر نقلة مهمة في التعامل مع المتعاطين إذ انتقل من النظرة العقابية البحتة إلى منحهم فرصة للعلاج وإعادة التأهيل، إلا أن كثيراً من المواطنين ما زالوا يجهلون الحقوق التي كفلها لهم القانون، وفي مقدمتها إمكانية مراجعة مراكز التأهيل طوعاً والإعفاء من الملاحقة الجزائية وفق المادة ٤٠، الأمر الذي يستدعي إطلاق حملات توعية قانونية أوسع.
وأضاف البياتي في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن التشريعات العراقية تحقق إلى حد كبير التوازن بين تشديد العقوبات على تجار ومروجي المخدرات وبين التعامل مع المتعاطين بوصفهم أشخاصا بحاجة إلى العلاج، لكنه يرى أن التطبيق العملي يحتاج إلى دعم أكبر من خلال توفير مراكز تأهيل كافية وربطها بإجراءات قانونية وصحية واجتماعية متكاملة تضمن نجاح عملية التعافي.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه تطبيق القانون هو ضعف الوعي المجتمعي، فضلا عن محدودية الخدمات العلاجية في بعض المحافظات، ما يدفع بعض المتعاطين إلى تجنب طلب العلاج خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو بسبب اعتقادهم الخاطئ بأنهم سيتعرضون للمساءلة القانونية، رغم أن القانون يمنحهم الحماية إذا بادروا إلى العلاج طوعاً.
وأكد البياتي أن مكافحة المخدرات لا يمكن أن تعتمد على العقوبات وحدها، بل تتطلب تكاملا بين الإجراءات الأمنية والتشريعية والوقائية، إلى جانب توسيع برامج التوعية داخل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وتعزيز فرص إعادة دمج المتعافين في المجتمع، لأن نجاح السياسة الجنائية يقاس بقدرتها على الحد من الجريمة وحماية المجتمع، وليس فقط بعدد الأحكام الصادرة بحق المخالفين.ش