لم تعد الهجرة في العراق تقتصر على عبور الحدود بحث عن فرص أفضل، بل باتت التغيرات المناخية وشح الموارد المائية تغذي ظاهرة نزوح السكان داخل البلاد، ولا سيما من المناطق الزراعية والأهوار في المحافظات الجنوبية.
وبينما تشير المؤشرات الرسمية إلى تراجع نسبي في حالات النزوح المرتبطة بالجفاف خلال الفترة الأخيرة، يحذر مختصون من أن استمرار أزمة المياه وتدهور القطاع الزراعي قد يعيدان إنتاج موجات نزوح جديدة، ما لم تعالج الأسباب التي تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم.
واشار وكيل وزارة الهجرة والمهجرين، كريم النوري، في حديث تابعته "طريق الشعب"، الى تسجيل حالات نزوح خلال السنوات الماضية مرتبطة بالتغيرات المناخية والجفاف، لا سيما في المحافظات الجنوبية، موضحاً أن البلاد سجلت سابقاً نحو 16 ألف حالة نزوح بسبب التصحر، إلا أن هذه الأعداد تراجعت مؤخراً مع تحسن نسبي في معدلات هطول الأمطار.
وللريع صلة..
يقول عضو المكتب الاستشاري لنقابة المهندسين الزراعيين، د. جاسم حسين عبد الله، أن تراجع القطاع الزراعي في العراق لم يعد يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكمات امتدت لعقود، في مقدمتها شح المياه، وضعف السياسات الزراعية، وعدم الاستقرار السياسي، ما أسهم في اتساع الهجرة من الريف إلى المدن.
وقال عبد الله لـ"طريق الشعب"، إن الزراعة، رغم كونها من أقدم وأهم المهن التي عرفها الإنسان، تعتمد على مقومات أساسية يأتي في مقدمتها توفر المياه واستقرارها، موضحاً أن العراق ارتبط تاريخياً باسمي "وادي الرافدين" و"أرض السواد" بفضل ازدهار الزراعة فيه، إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع التحول نحو الاقتصاد الريعي والاعتماد على النفط بوصفه المصدر الرئيس للثروة.
وأضاف أن الاهتمام بالقطاع الزراعي تراجع بشكل ملحوظ مع توسع التوظيف الحكومي، إذ أصبح الكثير من الفلاحين وأبنائهم يفضلون الوظائف الحكومية على العمل في الزراعة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الأيدي العاملة في هذا القطاع الحيوي.
وأشار إلى أن التحولات السياسية التي شهدها العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، وما تبعها من حروب وأزمات، مثلت أحد أبرز العوامل التي أعاقت التنمية، مبيناً أن عدم الاستقرار السياسي لا يزال يشكل تحدياً رئيسياً أمام أي محاولة للنهوض بالقطاع الزراعي.
وفي المقابل، أوضح أن دول الجوار، ولا سيما تركيا وإيران وسوريا، نفذت مشاريع كبيرة في مجالي المياه والزراعة، أسهمت في تقليص الإطلاقات المائية الواصلة إلى العراق، ما أدى إلى انخفاض حصته المائية بشكل كبير، وجعل البلاد تواجه موجات متكررة من الجفاف، تتفاقم مع تراجع معدلات الأمطار.
دورات جفاف متكررة
وأكد عبد الله، أن أزمة المياه باتت تمثل تهديداً مباشراً للمجتمعات المحلية، خاصة في جنوب العراق، مستذكراً الآثار التي خلفها تجفيف الأهوار في مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي تسبب بفقدان أكثر من 20 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الرطبة، وأدى إلى تراجع التنوع الأحيائي وهجرة أعداد كبيرة من سكان الأهوار إلى مناطق أخرى، معتبراً أن تلك المرحلة شكلت بداية الهجرة البيئية واسعة النطاق في المنطقة.
وذكر أن العراق يشهد اليوم دورات جفاف متكررة، تتخللها مواسم رطبة، إلا أن هذا التذبذب لا يوفر البيئة المستقرة التي يحتاجها القطاع الزراعي. ولفت إلى أن قلة المياه، وتدهور نوعيتها، وارتفاع نسب الملوحة، وتدهور التربة، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الأمطار، أدت جميعها إلى تراجع الإنتاج الزراعي ودفع المزيد من الأسر إلى ترك أراضيها والتوجه نحو المدن.
وبين أن هذا الواقع انعكس بشكل واضح على سوق العمل، إذ ازداد الإقبال على الوظائف الحكومية بعد أن فقدت الزراعة قدرتها على توفير مصدر دخل مستقر، مشيراً إلى أن القطاع الزراعي كان يستوعب أكثر من 60 بالمئة من القوى العاملة في العراق خلال منتصف القرن الماضي، بينما أصبح اليوم عاجزاً عن استقطاب العاملين، ما زاد الضغط على القطاع العام وأثقل كاهل الدولة.
وانتقد عبد الله السياسات الحكومية الحالية، معتبراً أنها لا تعكس توجهاً حقيقياً لإنقاذ الزراعة وإدارة الموارد المائية، محذراً من أن استمرار الخطط الحالية ينذر بمزيد من التدهور في هذين القطاعين الحيويين.
ودعا إلى إعادة رسم السياسات الزراعية والمائية، واعتماد برامج فاعلة لتحسين كفاءة أنظمة الري، بما يسهم في تحقيق تنمية زراعية مستدامة، والحفاظ على استقرار المجتمعات الريفية، والحد من الهجرة الداخلية الناجمة عن التدهور البيئي وشح المياه.
حرب اقتصادية
من جانبه، اكد الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن، أن أزمة الهجرة من الأرياف إلى المدن، وكذلك الهجرة إلى خارج البلاد، ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع الاقتصادية المتردية، وفي مقدمتها شح المياه وتراجع فرص العمل وضعف السياسات الحكومية في إدارة الملف الاقتصادي.
وقال حسن لـ"طريق الشعب"، إن "المياه تمثل المادة الأساسية في حياة الريف، ومع تراجعها أو فقدانها، يصبح استمرار السكان في مناطقهم أمراً بالغ الصعوبة، ما يدفعهم إلى الهجرة نحو المدن أو البحث عن فرص في أماكن أخرى".
وأضاف أن اعتماد الأرياف على الأنهار ومصادر المياه التقليدية جعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمات البيئية والاقتصادية في آن واحد.
وصف حسن ما يجري بأنه حرب اقتصادية تتدار بأدوات المال والتجويع وإضعاف قدرة الدول على النهوض، مشيراً إلى أن الاقتصاد بات وسيلة للضغط والتدمير لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية. ولفت إلى أن هذه الحرب تنعكس بشكل مباشر على واقع الشباب، الذين باتوا يبحثون عن أي فرصة عمل داخل العراق أو خارجه، هرباً من البطالة وضيق المعيشة.
وأوضح أن الشاب العراقي لم يعد يفكر بالهجرة بوصفها خيارا رفاهي، بل بوصفها وسيلة للبقاء، قائلاً إن الشاب "بحث عن رزقه أينما كان، فقد يضطر للانتقال من بغداد إلى البصرة أو إلى أي محافظة أخرى من أجل الحصول على عمل.
وانتقد حسن أداء الدولة في إدارة الملف الاقتصادي، معتبراً أن موقفها "ضعيف جدا، وأنها لم تنجح في خلق فرص استثمارية حقيقية تستوعب العاطلين وتنعش السوق. كما أشار إلى أن بعض الإجراءات الحكومية لا تصب في صالح الفئات الفقيرة، بل تزيد من معاناتها، لافتاً إلى أن معالجة التجاوزات أو تنظيم الأسواق يجب أن تترافق مع توفير بدائل مناسبة، لا أن تتحول إلى أدوات تضييق على محدودي الدخل.
وبين أن الحلول الاقتصادية ليست معقدة، إلا أن المشكلة تكمن في غياب الإرادة لتبني برامج اقتصادية واضحة وقابلة للتنفيذ. وأضاف أن العراق يمتلك السيولة والقدرات التي تمكنه من بناء برنامج اقتصادي فاعل، لكن عدم استثمار هذه الإمكانات انعكس سلباً على الاقتصاد الوطني، وأدى إلى خسائر كبيرة بدل تحقيق إيرادات مستدامة.
كما أشار حسن إلى أن غياب العدالة في الرواتب وتفاوت مستويات المعيشة وتراجع الخدمات الاجتماعية تمثل جميعها عوامل إضافية في تعميق الأزمة، مبيناً أن الدستور العراقي كفل للمواطن حق العيش الكريم والحياة اللائقة، إلا أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. وقال إن المواطن اليوم يواجه حرباً معيشية تتجلى في ضعف الدخل وارتفاع تكاليف الحياة وغياب الأمان الاقتصادي.
مع عائلات الاهوار وجها لوجه
من جهته، يقول الناشط البيئي مصطفى عجيل، إن اثار شح المياه لم تعد تقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل باتت تدفع عائلات كاملة إلى مغادرة مناطقها.
ويضيف: "خلال زياراتنا الميدانية في جنوب العراق التقينا بعشرات الأسر التي اضطرت إلى ترك قراها بعد جفاف الجداول وارتفاع ملوحة المياه. إحدى العائلات في شمال ذي قار كانت تعتمد منذ سنوات على تربية الجاموس، لكنها باعت معظم ماشيتها بعدما لم تعد تجد المياه الكافية أو المراعي، وانتقلت إلى أطراف مدينة الناصرية بحثاً عن عمل يومي لإعالة أفرادها."
وأضاف لـ"طريق الشعب"، أن مثل هذه القصص تتكرر في أكثر من منطقة، موضحاً أن كثيرا من الشباب تركوا الزراعة واتجهوا إلى المدن للعمل في مهن مؤقتة، فيما بقي كبار السن متمسكين باراضيهم رغم صعوبة الظروف.
وأشار إلى أن الهجرة البيئية في الجنوب غالباً ما تكون داخلية من الريف إلى المدن بسبب فقدان مصادر الدخل المرتبطة بالمياه، وليس لوجود ررغبة في تغيير مكان السكن بقدر ما هي وسيلة للبقاء وتأمين لقمة العيش.
وبين أن الهجرة المرتبطة بالتغيرات المناخية لم تعد ظاهرة مؤقتة بل اصبحت تحولت إلى واقع يفرض نفسه مع تراجع الموارد المائية عاماً بعد آخر. مشيرا الى ان المحافظات الجنوبية، ولا سيما ذي قار وميسان والبصرة.
وأشار إلى أن التحسن النسبي في الإيرادات المائية خلال الموسم الحالي لا يعني انتهاء الأزمة، لأن المشكلة تتجاوز وفرة المياه في عام واحد، وترتبط بملف إدارة الموارد المائية، واستمرار تأثيرات التغير المناخي فضلا عن انخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع.
واكد أن غياب المعالجات طويلة الأمد سيؤدي إلى تجدد موجات الهجرة البيئية في مواسم الجفاف المقبلة.