تشهد المؤشرات المالية للبلاد، منعطفاً بنيوياً حرجاً مع وصول الدين العام الداخلي إلى مستوى قياسي ناهز خمسة وتسعين تريليوناً وستمائة وثمانين مليار دينار عراقي، في خطوة تكشف عن اتساع الفجوة التمويلية وانكشاف الموازنة العامة أمام الصدمات الخارجية.
وتكمن خطورة هذا التحول في وتيرته المتسارعة، حيث استنزفت الحكومة نحو تريليون وثلاثمائة مليار دينار شهرياً من السيولة المحلية خلال الثلث الأول من العام الحالي فقط لتأمين النفقات الجارية، وسط غياب تام لموازنة 2026 وتراجع الإيرادات النفطية نتيجة عدم الاستقرار الذي يضرب خطوط الملاحة الاقليمية.
وكان رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، أكد في وقت سابق، أن حكومته تسلمت مسؤوليتها وسط مديونية إجمالية بلغت نحو 208 تريليونات دينار عراقي، مبيناً أن الجزء الأكبر منها دين داخلي، بينما يشكل الدين الخارجي نسبة أقل.
إذا لم يُطفأ في مواعيده يتراكم
وتعقيبا حول الموضوع، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الدين الداخلي أقل خطورة من الخارجي، لكونه يتركز داخل المؤسسات المالية الحكومية ولا يرتبط بالأسواق المالية الدولية أو الجدارة الائتمانية للدولة.
وقال صالح في تصريح لـ"طريق الشعب"، إن الدين الداخلي ينشأ من اقتراض الحكومة من سيولة المصارف الحكومية لتمويل نفقاتها التشغيلية، مشيراً إلى أن هذه المصارف تمتلك حوالات وسندات حكومية يمكن إعادة خصمها لدى البنك المركزي عند الحاجة لتوفير السيولة.
واضاف أن تنامي الدين الداخلي جاء نتيجة الانخفاض الحاد في الإيرادات النفطية، بعد تعثر الصادرات بسبب أزمة مضيق هرمز، لافتاً إلى أن نحو 85 في المائة من إيرادات النفط تراجعت، وأن تراجع موارده وضع المالية العامة تحت ضغط كبير، ما اضطر الحكومة الى اللجوء للاقتراض الداخلي لتغطية النفقات.
وأشار إلى أن الدين الداخلي إذا لم يُطفأ في مواعيده فإنه يتراكم، مبيناً أن آجال هذه الديون تمتد عادة لسنة واحدة، إلا أنها قد تُرحّل مع استمرار دفع الفوائد لحاملي السندات، ما يؤدي إلى زيادة الرصيد القائم للدين.
وذكر صالح أنه يعادل نحو 80 مليار دولار، إلا أنه ما يزال ضمن المستويات الآمنة عند قياسه إلى الناتج المحلي الإجمالي، موضحاً أن نسبته اقل من 40 في المائة، في حين يبلغ السقف العالمي المتعارف عليه نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
ونوه بان مؤشر صندوق النقد الدولي يحدد نسبة 40 بالمئة كسقف عام للدين تُستخدم كمؤشر تحوطي في بعض الحالات، بينما يبقى المعيار الدولي الشائع هو 60 بالمائة.
وطمأن أن الدين الداخلي لا يزال “مسيطراً عليه”، لافتاً إلى أن هناك خطة لإطفائه ومعالجته مستقبلاً عبر تسويات مالية وإدارة أفضل للأصول الحكومية، فضلاً عن تحسن الإيرادات العامة.
ونبّه الى أن الحكومة تحتاج شهرياً إلى ما لا يقل عن 10 تريليونات دينار لتغطية النفقات الأساسية، يذهب نحو 8 تريليونات منها للرواتب والتقاعد، فيما تُخصص التريليونان المتبقيان لتسديد التزامات الطاقة والقطاع الصحي والنفقات الضرورية الأخرى، الأمر الذي يخلق عجزاً شهرياً يتم تمويله بالاقتراض الداخلي.
ورهن صالح تراجع الحاجة للاقتراض وانخفاض الدين الداخلي تدريجياً بانتهاء أزمة مضيق هرمز واستئناف الصادرات النفطية بصورة طبيعية، مؤكداً أن زيادة الإنتاج النفطي مستقبلاً ستوفر مورداً مالياً أكبر، يمكّن العراق من إطفاء ديونه والتوجه نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
زيادة قدرها 5 تريليونات!
وسجل الدين العام الداخلي ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، ليبلغ 95.68 تريليون دينار (نحو 73 مليار دولار) حتى نهاية نيسان، مقارنة بـ90.52 تريليون دينار (نحو 69 مليار دولار) في نهاية عام 2025، وفقاً لبيانات البنك المركزي العراقي، لكنه ارتفع، الشهر الجاري، طبقا لتصريح المستشار المالي، الى 80 مليار دولار.
وأظهرت الجداول الصادرة عن البنك أن الزيادة جاءت مدفوعة بارتفاع ديون وزارة المالية لدى البنك المركزي إلى 55.67 تريليون دينار (42.52 مليار دولار)، بعد أن كانت 45.67 تريليون دينار (34.89 مليار دولار) نهاية العام الماضي، أي بزيادة بلغت 10 تريليونات دينار، لتستحوذ بذلك على الحصة الأكبر من إجمالي الدين الداخلي.
في المقابل، شهدت مكونات أخرى من الدين الداخلي تراجعاً، إذ انخفضت القروض إلى 20.27 تريليون دينار مقابل 22.9 تريليون دينار نهاية عام 2025، كما تراجعت قيمة السندات الحكومية إلى 10.87 تريليون دينار بعد أن كانت 13.1 تريليون دينار، فيما حافظت حوالات الخزينة على استقرارها عند 8.84 تريليون دينار.
ورغم نمو حجم الدين الداخلي، أكد البنك المركزي أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 43 في المائة، وهي نسبة تعد، وفق المعايير الدولية، ضمن الحدود الآمنة ولا تمثل في الوقت الراهن تهديداً للاستقرار الاقتصادي أو المالي.
اين الخلل؟
في هذا الصدد، حذّر المختص في الشأن الاقتصادي، صالح الهماشي من التداعيات المتوسطة والبعيدة المدى لاستمرار تصاعد وتيرة الدين العام الداخلي، والذي كشفت المؤشرات الرسمية الأخيرة للبنك المركزي عن قفزه إلى عتبة خمسة وتسعين تريليوناً وستمائة وثمانين مليار دينار عراقي حتى نهاية الثلث الأول من العام الحالي.
وقال الهماشي لـ"طريق الشعب"، أن هذه الأرقام تعكس زيادة شهرية مقلقة تقترب من تريليون ونصف التريليون دينار، مما يؤكد وجود خلل هيكلي عميق في إدارة المالية العامة للبلاد.
وأضاف أن لجوء وزارة المالية المتكرر الى الاقتراض من البنك المركزي والمصارف الحكومية لسداد العجز ما هو إلا مسكن مؤقت يخفي وراءه أزمة سيولة نقدية حقيقية نجمت عن تراجع إيرادات الصادرات النفطية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية التي أثرت على سلاسل الإمداد في المنطقة.
وشخص المتحدث مواطن الخلل الأساسية في السياسة المالية الحالية، مبيناً أن أولى الاخطاء تكمن في توجيه القروض والاستدانة نحو تغطية النفقات التشغيلية والاستهلاكية وفاتورة الرواتب المتضخمة، بدلاً من توجيه تلك الأموال نحو مشاريع استثمارية إنتاجية قادرة على توليد فرص عمل وتعظيم الإيرادات غير النفطية.
ونبّه إلى أن خطورة هذا النهج تكمن ايضاً في استنزاف السيولة النقدية المتوفرة لدى الجهاز المصرفي المحلي، مما يؤدي إلى ما يُعرف اقتصادياً بظاهرة مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص في الحصول على الائتمان.
متى نستشعر الخطر؟
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي أن ارتفاع الدين العام لا يُعد، بحد ذاته، مؤشراً خطيراً، ما دام ضمن الحدود الآمنة قياساً بالإيرادات العامة للدولة، موضحاً أن الدين الخارجي الواجب سداده لا يتجاوز 13 مليار دولار، فيما تخضع بقية الديون لجدولة طويلة الأمد وبفوائد منخفضة لا تتجاوز في بعض الحالات 2%.
وقال الشيخلي لـ"طريق الشعب"، أن الاقتراض الخارجي يُعد ممارسة اقتصادية طبيعية عندما يُوظف في تمويل مشاريع تنموية تحقق عائداً يفوق كلفة الاقتراض، مبيناً أن العديد من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة واليابان، تعتمد على الاقتراض ضمن سياساتها المالية، لذلك فإن وجود الدين بحد ذاته لا يمثل مشكلة، وإنما تكمن المشكلة في حجم الدين مقارنة بالإيرادات وقدرة الدولة على السداد.
وأشار إلى أن المعايير الدولية، ومنها معايير صندوق النقد الدولي، تعتبر أن تجاوز الدين نسبة 40 في المائة، من إجمالي الإيرادات العامة يمثل مؤشراً على دخول الاقتصاد في منطقة الخطر، لافتاً إلى أن نسبة الدين في العراق ما زالت بحدود 32 في المائة، من الإيرادات، أي أنها ما تزال ضمن المستويات الآمنة.
وبيّن أن انخفاض الإيرادات خلال الأشهر الماضية، نتيجة تراجع تدفقات النفط والظروف التي أثرت في حركة الصادرات، أدى إلى ارتفاع نسبة الدين قياساً بالإيرادات، إلا أن ذلك لا يثير القلق في الوقت الراهن، ولا سيما مع امتلاك العراق احتياطيات مالية جيدة تعزز الاستقرار المالي.
وفيما يتعلق بالدين الداخلي، أوضح الشيخلي أن أكثر من 80 في المائة من الكتلة النقدية المصدرة بالدينار العراقي مودعة أصلاً في المصارف الحكومية، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الدين الداخلي هو التزام يقع داخل المنظومة المالية نفسها، ولذلك فإن تسويته وسداده لا يشكلان مشكلة حقيقية، حتى وإن بلغ حجمه نحو 90 تريليون دينار.
وأضاف أن المشكلة الحقيقية تتمثل في اكتناز السيولة خارج الجهاز المصرفي، إذ إن نسبة كبيرة من الأموال يحتفظ بها الأفراد وأصحاب رؤوس الأموال والتجار خارج القنوات المصرفية، بسبب ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، الأمر الذي يحرم الاقتصاد من توظيف هذه الأموال في عمليات الإقراض والاستثمار وتحقيق النمو.
وأكد أن طباعة العملة ليست خياراً مرغوباً، لأنها تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وإضعاف القوة الشرائية للدينار وحذر من اللجوء الى هذا الخيار.
وختم الشيخلي بالتأكيد أن الخطر الحقيقي يبدأ إذا اضطرت الدولة إلى تمويل نفقاتها عبر التوسع في طباعة العملة. أما في ظل المؤشرات الحالية فإن أوضاع الدين العام العراقي لا تزال تحت السيطرة ولا تستدعي القلق.