اخر الاخبار

رغم امتلاك العراق أحد أكبر الاحتياطيات النفطية والغازية في العالم، ما تزال صناعة البتروكيمياويات دون مستوى الإمكانات المتاحة، في ظل استمرار الاعتماد على تصدير النفط الخام واستيراد المنتجات البتروكيمياوية.

ويؤكد مختصون أن تطوير هذا القطاع يمثل فرصة استراتيجية لتعظيم القيمة المضافة للثروات الهيدروكربونية، وتنويع مصادر الدخل، وخلق آلاف فرص العمل، شريطة معالجة تحديات البنية التحتية واستثمار الغاز المصاحب، واعتماد رؤية صناعية طويلة الأمد.

 

فشل الحكومات المتعاقبة

في هذا الشأن، قال النائب حيدر المطيري أن دعم الصناعة المحلية يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق التنمية الاقتصادية، مشيراً إلى أن العراق يمتلك المقومات اللازمة لإنشاء صناعة بتروكيمياوية متطورة بدلاً من الاكتفاء بتصدير النفط الخام واستيراد المنتجات الصناعية.

وأوضح أن المواد الأولية المستخدمة في صناعة الأنابيب البلاستيكيةمثلاً تُستورد من الخارج، رغم إمكانية إنتاجها محلياً من خلال مصانع البتروكيمياويات، مبيناً أن برميل النفط الذي يُصدَّر بنحو 60 دولاراً يمكن أن ترتفع قيمته الى نحو 600 دولار إذا جرى تحويله الى منتجات صناعية عبر مصانع بتروكيمياويات ذات قيمة مضافة.

وأضاف أن الحكومات المتعاقبة أخفقت في تطوير هذا القطاع، لافتاً إلى أن دولاً لا تمتلك ثروات نفطية، مثل الأردن، استطاعت بناء صناعات كيمياوية تحقق عوائد اقتصادية مهمة، في حين ما يزال العراق، رغم موارده النفطية الكبيرة، يعاني من بطالة بين الشباب والمهندسين، كان بالإمكان الحد منها عبر إنشاء معامل بتروكيمياويات وتشغيل الأيدي العاملة الوطنية.

ودعا المطيري الجهات الحكومية والمهندسين إلى إعطاء الأولوية للمنتج المحلي عند إعداد جداول الكميات وتنفيذ المشاريع، مؤكداً أن الصناعة العراقية لا تقل جودة عن المستوردة متى ما خضعت للفحوصات والاختبارات الفنية المطلوبة.

وأشار إلى أنه بادر منذ بداية عمله النيابي إلى مخاطبة وزارة الإعمار والإسكان لاعتماد الأنابيب المنتجة محلياً في مشاريع المجاري بعد اكتشاف وجود مصنع عراقي متخصص، مبيناً أن هذه الخطوة أسهمت في مضاعفة الإنتاج وتشغيل المزيد من الأيدي العاملة.

وبينما تتجه الدول النفطية إلى تعظيم القيمة المضافة لمواردها عبر تحويلها إلى منتجات صناعية عالية الربحية، لا يزال العراق يستورد جانباً كبيراً من المشتقات والمواد الكيمياوية التي يمكن إنتاجها محلياً.

 

اين تكمن القيمة الاقتصادية للنفط؟

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن العراق يمتلك واحدة من أكبر القواعد الهيدروكربونية في العالم، إلا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق من خلال استخراج النفط الخام، وإنما عبر تحويله إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، مبيناً أن العراق ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على استيراد المنتجات البتروكيمياوية رغم امتلاكه المواد الأولية اللازمة لإنتاجها محلياً.

وأوضح لـ"طريق الشعب"، أن غياب استراتيجية صناعية طويلة الأمد، وعدم استقرار البيئة الاستثمارية، وتراجع البنية التحتية، فضلاً عن الحروب والعقوبات، كانت من أبرز الأسباب التي حالت دون بناء صناعة بتروكيمياوية متكاملة خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أن استمرار حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب حرم العراق من أهم مادة أولية تعتمد عليها هذه الصناعة، ما يمثل هدراً اقتصادياً مزدوجاً يتمثل بخسارة الغاز وفقدان فرصة تحويله إلى منتجات ذات قيمة سوقية مرتفعة.

وبيّن السعدي أن صناعة البتروكيمياويات قادرة على مضاعفة العائد الاقتصادي من كل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز مقارنة بتصديرهما كمادتين خام، إذ يمكن تحويلهما إلى منتجات مثل البوليمرات والأسمدة واللدائن والكيماويات الصناعية التي تحقق هوامش ربح أعلى، وتؤسس لسلاسل قيمة صناعية تمتد إلى عشرات الصناعات التحويلية.

وأضاف أن هذا القطاع يمتلك القدرة على التحول خلال العقد المقبل إلى ثاني أهم مصدر للإيرادات غير النفطية إذا ما أُدير وفق رؤية اقتصادية متكاملة، وليس باعتباره مجرد مشروع صناعي منفرد.

وأشار إلى أن تحقيق هذا التحول يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة، وتطوير شبكات الغاز ومعامل المعالجة، وتوفير الكهرباء والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب تحديث التشريعات الاستثمارية، ومنح القطاع الخاص المحلي والأجنبي دوراً أكبر في تنفيذ وتشغيل المشاريع.

ولفت إلى أن استقرار العقود والبيئة القانونية يمثلان عاملاً حاسماً في جذب الشركات العالمية المتخصصة، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتطوير القطاع الصناعي.

ورأى السعدي أن العراق يمتلك فرصة تاريخية لاستثمار موارده النفطية والغازية عبر إنشاء مجمعات بتروكيمياوية متكاملة في البصرة وربطها بموانئ التصدير، بالتوازي مع الاستفادة من مشاريع التقاط الغاز المصاحب الجاري تنفيذها.

وأكد أن هذه المجمعات تحقق اقتصاديات الحجم الكبير، وتجذب الشركات العالمية، وتوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتخفض فاتورة الاستيراد، وتدعم الميزان التجاري، فضلاً عن فتح الباب أمام تصدير منتجات صناعية عراقية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

وشدد السعدي على أن نجاح الحكومة في تحويل قطاع البتروكيمياويات إلى رافد اقتصادي مستدام خلال السنوات الخمس المقبلة يتطلب الإسراع في إنهاء حرق الغاز واستثماره بالكامل، وإطلاق مشروع وطني للمجمعات البتروكيمياوية بالشراكة مع القطاع الخاص والشركات العالمية، إلى جانب توفير حوافز استثمارية وضريبية واضحة، وإنشاء صندوق تمويلي للمشاريع الصناعية الكبرى، وتطوير الكوادر الوطنية، ونقل التكنولوجيا الحديثة.

وخلص الى القول إن مستقبل الاقتصاد العراقي لن يتحدد بحجم احتياطيات النفط فقط، وإنما بقدرة البلاد على تعظيم القيمة المضافة لهذه الثروة، مؤكداً أن الدول الغنية لا تُقاس بما تستخرجه من موارد طبيعية، بل بما تنتجه منها من صناعات، وأن العراق يمتلك جميع المقومات ليصبح مركزاً إقليمياً للصناعات البتروكيمياوية إذا توفرت الإرادة الاقتصادية، والإدارة الكفوءة، والاستقرار التشريعي.

 

جملة من الاولويات

الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش أن صناعة البتروكيمياويات تمثل الركيزة الأساسية لتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد العراقي وتنويع مصادر دخله، مشيراً إلى أن امتلاك العراق احتياطيات نفطية تتجاوز 145 مليار برميل واحتياطيات غاز مؤكدة تقارب 130 تريليون قدم مكعب يمنحه ميزة تنافسية كبرى، على الرغم من بقاء هذا القطاع محدوداً نتيجة الحروب وعدم الاستقرار منذ ثمانينيات القرن الماضي التي دمرت معظم المشاريع الصناعية.

وأوضح في حديثه لـ"طريق الشعب"،  أن السياسة الاقتصادية بعد عام 2003 ركزت بشكل مطلق على تصدير النفط الخام بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، مما جعل الاستثمار في الصناعات التحويلية أولوية ثانوية.

ولفت إلى أن تأخر استثمار الغاز المصاحب وحرقه بكميات هائلة لسنوات طويلة حرم صناعة البتروكيمياويات من أهم موادها الأولية قبل بدء مشاريع التوسع التدريجي الحالية، كما أسهم ضعف البنية التحتية للكهرباء والمياه والموانئ وغياب الشراكات الصناعية الكبرى، فضلاً عن تأخر تنفيذ المشاريع الإستراتيجية كمشروع نبراس، في تهالك وتراجع هذا القطاع الحيوي.

ومن الناحية التنافسية، بيّن الخبير الاقتصادي أن تحويل مشتقات النفط إلى منتجات نهائية كالبولي إيثيلين والبولي بروبلين والميثانول والأمونيا والأسمدة يحقق قفزة نوعية في القيمة الاقتصادية، فبينما يباع برميل النفط الخام بنحو 80 دولاراً كمتوسط سعري عالمي، تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الصناعات البتروكيمياوية تحقق قيمة مضافة تتراوح بين 3 إلى 10 أضعاف قيمة المادة الخام بحسب المنتج النهائي وسلسلة التصنيع.

وتوقع دعدوش أنه في حال نجاح العراق بتأسيس صناعة بتروكيمياوية متكاملة، فإنها كفيلة بتحقيق إيرادات سنوية تتراوح بين 10 و20 مليار دولار خلال العقد المقبل كمرحلة أولى، إلى جانب خفض فاتورة الاستيراد بمليارات الدولارات سنوياً عبر إحلال الإنتاج المحلي، لتصبح البتروكيمياويات ثاني أكبر مصدر للإيرادات غير النفطية ومورداً موازياً لا يحل محل النفط في المدى القريب والمتوسط وإنما يدعمه بقوة.

وحدد الخبير الاقتصادي جملة من الأولويات أمام الحكومة والجهات المعنية لتحويل هذا القطاع إلى رافد اقتصادي مستدام، وفي مقدمتها استكمال مشاريع استثمار الغاز المصاحب والوصول إلى الاستغلال الكامل لإنهاء ملف الحرق، وإعادة تأهيل مجمع البصرة للبتروكيمياويات لزيادة طاقته الإنتاجية، وحسم مشروع نبراس أو أي مشروع وطني مماثل بالشراكة مع مستثمرين عالميين.

ودعا كذلك إلى إصدار قانون خاص بالصناعات البتروكيمياوية يمنح المستثمرين استقراراً تعاقدياً، بالتزامن مع إنشاء صندوق تمويل صناعي لدعم المشاريع الإستراتيجية، وربط تطوير هذا القطاع بميناء الفاو الكبير وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الحديثة.