لماذا لا يزال استقرار العراق هشّاً؟!
لموقع مؤسسة القرن القادم، كتبت كاميلا باركر مقالاً حاولت فيه مناقشة العوامل التي تعرقل توطيد الاستقرار السياسي في العراق، فأشارت إلى أن البلاد مازالت مقيدةً بالتشرذم، وضعف المؤسسات، والضغوط الخارجية المستمرة، بسبب التشابك بين القوى السياسية المتنافسة والجماعات المسلحة داخل الدولة من جهة، والتنافس المستمر بين الولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى.
حكومة غير مكتملة
وأضافت باركر أن تشكيل الحكومة، بعد أشهر من الجمود السياسي، كشف عن المزيد من مظاهر عدم الاستقرار، إذ جاءت حكومة غير مكتملة وذات فعالية محدودة، بعد أن اقتصرت على 14 وزيراً، فيما بقيت تسع حقائب، بعضها مهم، شاغرة. ويبدو أن الخلاف بين الفصائل داخل الإطار التنسيقي، وهي الكتلة البرلمانية المهيمنة، كان وراء ذلك. فضلاً عن خلافات مماثلة داخل التكتلات النيابية الأخرى، والاشتراطات الأمريكية التي حالت دون استيزار من رأت فيه واشنطن حليفاً لطهران.
النفوذ الأجنبي
وأعربت الكاتبة عن اعتقادها بأن النزاعات الداخلية في العراق غالباً ما تتفاقم بسبب التدخل الخارجي من الولايات المتحدة وإيران. فقد نجح العراق، على مدى فترة طويلة، في تحقيق قدر من الاستقرار حين تمكن من الموازنة بين هذه التأثيرين المتنافسين والعديد من التأثيرات الأخرى. غير أن التوتر الإقليمي المتزايد أدى إلى تفاقم الوضع، مما أوقعه في مرمى النيران، رغم إعلانه رسمياً الالتزام بالبقاء خارج الحرب والحفاظ على الحياد.
وادّعت الكاتبة أن النفوذ الإيراني متجذر بعمق في المجتمع العراقي، ويمتد من الجماعات المسلحة إلى السياسيين وكبار الشخصيات، لعوامل ليس أقلها عقود من التوافق والدعم الأيديولوجي. ولهذا لا يبدو أن هناك توقيتاً أسوأ لمواجهة المخاوف الأمنية من مرحلة تتولى فيها حكومة انتقالية مهامها حديثاً، خاصة وأن الرغبة في القضاء على النفوذ الإيراني، السياسي والعسكري، أصبحت أولوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، وهو ما انعكس، بحسب الكاتبة، في الدور النشط الذي لعبه ترامب في اختيار رئيس الوزراء، واقتراح البيت الأبيض ضرورة قيام الحكومة الجديدة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، وإبعاد ممثلي هذه الجماعات عنها.
تحديات معقدة
ورغم أن مهمة حصر السلاح بيد الدولة صارت أولوية للحكومة الجديدة، التي أكد رئيسها، لدى لقائه مبعوث ترامب إلى العراق، توم باراك، على "التزامهما المشترك" بمواصلة خطط "نزع السلاح الكامل وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة العراقية وسيطرتها"، فإن كثيراً من المراقبين يشككون في ذلك، وتبدو لهم آليات تنفيذه مبهمة أو غائبة. كما يشككون في تراجع النفوذ الإقليمي لإيران جراء الحرب الأخيرة.
وفي المقابل يشهد العراق استراتيجية ضغط غير مسبوقة من الولايات المتحدة، إذ تستغل الأخيرة سيطرتها على واردات النفط العراقي في سياق هذا الضغط. وكان إيقاف شحنات الدولار الأمريكي إلى البنك المركزي العراقي في نيسان الماضي مثالاً صارخاً يُثبت أن قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط على بغداد حقيقية.
ويكمن التحدي الثالث في رفض عدد من الفصائل مشروع الاندماج مع الدولة، في ظل غياب جدول زمني محدد لنزع السلاح ونقله مع المعدات والمعسكرات إلى السلطات الأمنية العراقية، وفي ظل عدم مقبولية هذا الإجراء لدى الأخرين، إذ يعتبره البعض شكلياً، ولا يتعدى تغيير التسميات، لاسيما أن العديد من الجماعات التي تواجه نزع السلاح متجذرة في النظام السياسي نفسه. ويخلق هذا التناقض البنيوي وضعًا قد لا يجد فيه المسؤولون عن تيسير نزع السلاح حافزًا يُذكر لدعم أي إجراءات قد تُضعف نفوذهم.
واختتمت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن نجاح الحكومة في المحافظة على علاقات متوازنة مع كل من واشنطن وطهران ربما يكون خطوة نحو الاستقرار، وهي خطوة لا تبدو سهلة الآن في ظل حكومة ضعيفة تفتقر إلى القدرة على تغيير النمط الهيكلي السائد.