اخر الاخبار

أعادت حملة الاعتقالات الأخيرة ضد متهمين بقضايا فساد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على خوض مواجهة شاملة مع منظومة الفساد، بعد سنوات من المطالبات الشعبية بمحاسبة المتورطين واسترداد الأموال المنهوبة. وبينما تصفها الحكومة بأنها بداية مرحلة جديدة، يؤكد مراقبون أن الاختبار الحقيقي يكمن في استمرارها حتى تطال جميع المتورطين، بعيداً عن الانتقائية والحسابات السياسية.

ويقول المراقبون إن الحملة تمثل اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في تفكيك منظومة الفساد، مؤكدين أن نجاحها لا يُقاس بعدد الموقوفين، بل بقدرتها على استرداد الأموال العامة، ومحاسبة جميع المتورطين، ومعالجة البيئة العامة والعوامل السياسية والإدارية التي سمحت باستغلال موارد الدولة وإعادة إنتاج النفوذ.

وأثارت الحملة تفاعلات سياسية وشعبية واسعة، إذ أعلنت أطراف سياسية دعمها للإجراءات القضائية، معتبرة ان المضي بها بإرادة قوية يعد بداية جادة لا بد ان تتواصل، فيما يترقب الشارع العراقي نتائج التحقيقات وما إذا كانت ستفضي إلى محاسبة جميع المتورطين بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو الإدارية، او الاجتماعية.

واطلقت السلطات الحكومية أخيرا حملة اعتقالات كبرى وغير مسبوقة ضمن مكافحة الفساد طالت حتى الآن 67 مسؤولاً ونواباً في البرلمان ورجال أعمال، وذلك إثر صدور مذكرات قبض قضائية أشرف على تنفيذها جهاز مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع هيئة النزاهة الاتحادية.

وبحسب المعلومات المتداولة، أسفرت الحملة حتى الآن عن توقيف 67 شخصية، فيما تشير التقديرات إلى أن المرحلة الأولى، الممتدة لنحو 72 ساعة، تستهدف أكثر من 200 متهم صدرت بحقهم مذكرات قبض قضائية.

وجاءت الحملة عقب اعترافات أدلى بها وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، تضمنت معلومات عن شبكات فساد يُشتبه بتورطها في الابتزاز وتمرير العقود المخالفة للقانون وهدر المال العام، ما أدى إلى فتح ملفات تحقيق واسعة وإصدار أوامر قبض بحق عدد من المتهمين.

الشيوعي العراقي: نحو حراك شعبي داعم للحملة

من جهته، دعا سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الرفيق رائد فهمي، إلى إطلاق حراك شعبي واسع لدعم الحملة الجارية ضد الفساد، مؤكداً أن نجاحها يتطلب أن تتحول إلى عملية جذرية تقتلع جذور الفساد وعوامل إعادة إنتاجه داخل مؤسسات الدولة.

وقال فهمي، إن هناك حاجة ملحة إلى "حراك شعبي واسع داعم وضاغط لإنهاء حاضنة الفساد ونهب المال العام، والمتمثلة بالمحاصصة"، مشدداً على ضرورة تعميق الإجراءات المتخذة.

وأضاف أن التوجه العام ينبغي أن يتركز على إطلاق أوسع حراك شعبي ضد الفساد، بما يضمن شمول الحملة رؤوس الفساد، والمطالبة بتفكيك نهج المحاصصة بوصفه المدخل الأساس لمعالجة الفساد بصورة جذرية.

وفي الاثناء، أشاد زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، بالحملة، التي وصفها بأنها " إصلاحية بطولية". فيما دعا "أئمة الجمعة" إلى تنظيم وقفة سلمية دعماً للحملة.

وقال الصدر، في تدوينة له، إن "ما قام به الأخ رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي من حملة اعتقالات ضد الفاسدين، إنما هي حملة إصلاحية بطولية نأمل استمرارها".

وأضاف أن هذه الحملة "أعادت الأمل إلى قلوب العراقيين بعد أن هيمن الفاسدون على مقدرات الشعب"، مشيداً في الوقت نفسه بدور القضاء العراقي والقوات الأمنية، ولا سيما القوات المختصة بمكافحة الإرهاب والفساد.

ودعا الصدر إلى إقامة وقفة سلمية بعد صلاة الجمعة المقبلة تأييداً للحملة الإصلاحية، تُرفع خلالها رايات "سيد الإصلاح" الإمام الحسين، إلى جانب أعلام العراق حصراً، تزامناً مع شهر محرم الحرام.

الحلفي: هذه ثمرة الاحتجاجات على الفساد منذ 2011

فيما أكد الدكتور جاسم الحلفي، أن ما جرى فجر 28 حزيران والمتمثل باعتقال مجموعة من حيتان الفساد، بينهم عدد من أعضاء مجلس النواب، يمثل خطوة مهمة تستحق الدعم والتأييد، لكنه اعتبر أن ما تحقق ليس سوى غيض من فيض، وهو ثمرة سنوات طويلة من نضال المحتجين والمناضلين ضد الفساد منذ احتجاجات عام 2011 مروراً بانتفاضة تشرين وما قدمه ثوارها من تضحيات جسام، مؤكداً أن هذا النضال ما يزال مستمراً.

وأضاف الحلفي أن الامتحان الحقيقي ما زال قائماً، وأن المطلوب ليس الاكتفاء باعتقالات محدودة، بل المضي حتى النهاية والإطاحة برؤوس الفساد الكبيرة، واسترداد الأموال المنهوبة، وتقديم جميع المتورطين إلى القضاء، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية.

وأشار إلى أنه لا يمكن فصل الفساد المالي عن الفساد السياسي، معتبراً أن منظومة المحاصصة وتزوير الانتخابات وشراء الأصوات واستغلال النفوذ هي التي أنتجت منظومة الفساد ووفرت لها الحماية والاستمرار. وبيّن أن نجاح هذه الحملة لا يُقاس بعدد المعتقلين، بل بقدرتها على تفكيك المنظومة التي صنعت الفساد، وإنهاء الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، ووضع الطغمة أمام سؤال: من أين لك هذا؟

خلفيات حملة "فجر الخضراء"

بدوره، كشف قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، القاضي ضياء جعفر، تفاصيل التحقيقات التي قادت إلى حملة "فجر الخضراء"، مبيناً أنها انطلقت في تشرين الأول 2025 بعد ورود معلومات بشأن إنفاق مبالغ مالية كبيرة على الحملات الانتخابية مع استغلال موارد الدولة.

وأوضح أن التحقيقات توسعت عقب إلقاء القبض على المتهم عدنان الجميلي، لتكشف عن تورط عدد من أعضاء مجلس النواب باستغلال موارد الدولة لأغراض الدعاية الانتخابية، فضلاً عن الانتفاع من العقود الحكومية بصورة مباشرة أو عبر وسطاء مقابل عمولات ومنافع شخصية.

وأشار القاضي إلى أن عمليات التفتيش أسفرت عن ضبط أموال ومبرزات جرمية تثبت ارتكاب مخالفات قانونية، فيما لا يزال عدد من المتهمين متوارين عن الأنظار، مؤكداً استمرار التحقيقات، وعدم استبعاد شمول شخصيات سياسية وأشخاص آخرين بإجراءات قانونية مع ظهور أدلة جديدة.

هل تطال الرؤوس الكبيرة؟

واعرب المختص في شؤون مكافحة الفساد سعيد ياسين عن أمله في استمرار هذه الإجراءات لتطال رؤوساً أخرى واكبر من الفاسدين، بما يسهم بشكل مباشر في إعادة ثقة الجمهور العراقي بالنظام السياسي والإجراءات الرسمية والقضائية المتخذة.

وشدد ياسين على ضرورة توفير بعض المتطلبات التي تقع على عاتق مجلس النواب وبقية السلطات، والتي تشمل تهيئة المستلزمات القانونية اللازمة لدعم وإسناد يد القضاء، مبيناً أن ذلك يتم عبر الإسراع في تشريع قانون العقوبات الجديد، وقانون العقود والمناقصات الحكومية لضمان عدم هدر المزيد من المال العام.

الحملة زلزلت منظومة الفساد

من جانبه، قال الأكاديمي والمراقب للشأن السياسي الدكتور غالب الدعمي لـ"طريق الشعب" أن حملة مكافحة الفساد الجارية "حققت نتائج إيجابية ملموسة وأحدثت صدمة كبيرة زلزلت منظومة الفساد في البلاد بشكل غير اعتيادي"، مشدداً على ضرورة استمرار هذه الجهود وملاحقة الفاسدين لتضييق الخناق عليهم وبناء دولة تتمتع بأعلى معايير النزاهة.

واضاف الدعمي أن مواصلة هذه الحملة وتكثيفها سيساهم بشكل مباشر في جعل العراق يمتثل تماماً للمعايير العالمية المعتمدة لدى منظمة الشفافية الدولية ومجموعة العمل المالي الدولية (FATF). كما أشار إلى أن الاستمرار في ملاحقة شبكات الفساد وتطبيق الإجراءات الشفافة سيمكن العراق من مغادرة القوائم التصنيفية السلبية، والدخول رسمياً ضمن "القائمة البيضاء" لهاتين المنظمتين الدوليتين المرموقتين مع نهاية العام الحالي أو بحلول الدورة السياسية المقبلة.

شرعية انتاج السلطة

أما الصحفي علي شغاتي، فقال إن أهمية الملاحقات والتحقيقات الجارية لا تكمن في عدد أو صفة المتهمين، بل في طبيعة الوقائع التي يجري التحقيق فيها واهميتها وحساسيتها.

ونبه شغاتي الى ان القضاء اشار بشكل واضح الى أن موارد الدولة استُخدمت في المنافسة الانتخابية، وهذا يعني، بحسب شغاتي، أن القضية تتجاوز نطاق المسؤولية الجنائية الفردية، لتلامس مسؤولية الأفراد السياسية وشرعية إنتاج السلطتين التشريعية أو التنفيذية ارتباطاً بمن وجّهت أو ستوجه اليهم التهم.

وذكر شغاتي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الاقتصار على معاقبة الأفراد يحقق جانباً من العدالة الجزائية وهو مطلوب، لكنه لا يعالج الاختلال البنيوي الذي سمح بتحويل الثروة العامة إلى رأسمال سياسي؛ فالمشكلة لا تكمن في وجود مسؤول فاسد، وإنما في قدرته على تحويل الموقع العام إلى أداة لتراكم النفوذ وإعادة إنتاجه سياسيا، وهي الظاهرة التي تُفرغ الدولة من وظيفتها، وتحولها تدريجياً إلى وسيط بين المصالح السياسية لافراد وجماعات وكتل من جهة والموارد العامة من جهة أخرى.

وأكد شغاتي أن الدولة، ومؤسساتها ليست غنيمة تتنافس عليها القوى السياسية المتنفذة، بل مؤسسة يفترض أن تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين. وعندما تصبح مواردها جزءاً من أدوات الصراع السياسي والانتخابي، فإن الخلل يمس حياد الدولة ذاته، وهو الشرط الأساس لأي نظام ديمقراطي حقيقي.

ورأى أن أي مقاربة جادة للتصدي لهذه القضية ينبغي ألا تتوقف عند حدود الملاحقة القضائية، بل أن تمتد إلى مراجعة الأثر الذي خلفته هذه الممارسات في بنية التمثيل السياسي؛ فالقانون لا يحمي فقط المال العام، بل يحمي أيضاً الحق الجماعي للمجتمع في أن تكون المؤسسات المنتخبة انعكاساً لإرادة حرة، لا حصيلة تفاوت في السيطرة على موارد الدولة ونهبها.

ونوه شغاتي بأن الفكر الديمقراطي الحديث يميز بين شرعية الإجراءات وشرعية النتائج. فقد تبدو الانتخابات سليمة من الناحية الإجرائية يوم الاقتراع، لكن إذا سبقتها عملية ممنهجة لتسخير المال العام أو النفوذ الإداري أو أجهزة الدولة في صناعة التنافس السياسي، فإن الحديث عن تكافؤ الفرص يصبح موضع تساؤل، لأن الإرادة الشعبية لا تتشكل داخل صندوق الاقتراع وحده، بل تُصنع أيضاً في المجال الاقتصادي والإعلامي والإداري الذي يسبق التصويت.

وختم شغاتي بالقول إن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد ملفات التحقيق، وإنما بقدرة الدولة على استعادة استقلال المجال العام من هيمنة المال والنفوذ وفرض هيبة القانون والدولة؛ فكل إصلاح لا يعيد الفصل بين السلطة السياسية والموارد العامة، ولا يمنع تحويل الثروة العامة إلى وسيلة لإنتاج الشرعية الانتخابية، سيبقى يدور داخل الحلقة نفسها، مهما كانت قسوة العقوبات ومهما ارتفع عدد المتهمين.