لا تعود مشكلة تفاقم أعداد الخريجين العاطلين عن العمل في العراق إلى الزيادة السكانية أو التوسع في القبول الجامعي فحسب، بل يرتبط بشكل مباشر بغياب التخطيط الإداري والاستراتيجي لدى المؤسسات المعنية بالتعليم وسوق العمل؛ فالتوسع في استحداث الكليات والأقسام الدراسية جرى في كثير من الأحيان دون دراسة دقيقة للاحتياجات الفعلية للاقتصاد العراقي، ما أدى إلى تخريج آلاف الطلبة في تخصصات تعاني أصلاً من محدودية فرص التشغيل، مقابل نقص في تخصصات أخرى يحتاجها سوق العمل.
مشاريع تجارية
يقول الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن حسين ان "زيادة أعداد الخريجين ليست ظاهرة طارئة بقدر ما هي نتيجة طبيعية لعدم وجود برمجة حقيقية للتخطيط داخل المعاهد والكليات الأهلية"، موضحا أن هذا التوسع لم يبن على أساس احتياجات سوق العمل أو دراسات دقيقة للتخصصات المطلوبة، بل جاء في كثير من الحالات بحسب تعبيره بدوافع ربحية بحتة.
وأضاف حسين لـ"طريق الشعب"، أن عدداً من المؤسسات التعليمية الأهلية تحول من بيئة أكاديمية إلى مشاريع تجارية، حيث يتم التركيز على الأرباح على حساب الجودة العلمية، الأمر الذي أدى إلى تخريج أعداد كبيرة من الطلبة دون ضمانات حقيقية لفرص تشغيلهم أو إدماجهم في الاقتصاد الوطني.
وأشار الباحث إلى أن غياب الرقابة والتخطيط الاستراتيجي في قطاع التعليم العالي أسهم في اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، معتبرا أن هذا الخلل انعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، وعلى تراجع الثقة بجدوى بعض التخصصات.
كما تحدث عن واقع سوق العمل في العراق، مشيرا إلى أنه "غير قادر حاليا على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين"، في ظل ضعف التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، وغياب سياسات تشغيل واضحة تواكب النمو السكاني والتعليمي.
وبالحديث عن القطاع الخاص، قال إن هذا القطاع لا يزال يعاني من ضعف الدعم والتفعيل الحقيقي لدوره الاقتصادي، مؤكدا أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون شراكة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تتيح خلق فرص عمل جديدة، خصوصا في مجالات الإنتاج مثل الزراعة والصناعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وزاد بالقول، أن الاعتماد على الوظائف الحكومية لم يعد حلا واقعيا، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد العراقي إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على استيعاب الأيدي العاملة.
وشدد على أهمية استثمار الطاقات الشبابية في مجالات تتناسب مع تخصصاتهم.
ونبه إلى أن بعض المقترحات الاقتصادية التي طُرحت سابقا ومنها أرقام تتعلق بحجم الإيرادات أو إمكانات دعم الاقتصاد لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، رغم مناقشتها في مستويات حكومية، مرجعًا ذلك إلى "ضعف الإرادة التنفيذية وتعدد العوائق الإدارية والاقتصادية".
وختم حسين بالتأكيد على أن معالجة أزمة الخريجين تتطلب إصلاحا يبدأ من التخطيط التعليمي وربطه بسوق العمل، وإعادة تنظيم قطاع التعليم الأهلي، وصولا إلى دعم القطاع الخاص وتحفيزه، ليكون شريكا فاعلا في التنمية وخلق فرص العمل، بما يساهم في تقليل معدلات البطالة وتحقيق توازن اقتصادي أكثر استقرار
ضعف التدريب العملي
وفي تعليقه على أزمة التعليم وسوق العمل، اعتبر الباحث الاقتصادي عبد الله نجم أن المشكلة أعمق من كونها ملفا اقتصاديا تقليديا، بل تمتد إلى بنية القرار السياسي والإداري في الدولة.
وقال نجم لـ"طريق الشعب"، إن "أزمة البطالة وتضخم أعداد الخريجين لا يمكن فصلها عن طبيعة إدارة الدولة لملف التعليم وسوق العمل"، موضحا أن غياب التخطيط المبني على البيانات، وتداخل الاعتبارات السياسية مع القرارات الاقتصادية، أسهما في خلق فجوة متنامية بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
وأضاف أن الإشكال لا يكمن فقط في أعداد الخريجين، بل في نوعية المهارات التي ينتجها النظام التعليمي، مشيرا إلى أن "الاقتصاد الحديث لا يتأثر بكم الخريجين بقدر ما يتأثر بمدى جاهزيتهم الإنتاجية"، لافتا إلى أن ضعف التدريب العملي وقلة الربط مع بيئة العمل جعل كثيرا من الشهادات غير كافية للدخول الفعلي إلى سوق العمل.
وفيما يتعلق بطبيعة الاقتصاد العراقي، أوضح نجم أن النموذج الريعي القائم على النفط والدولة كمشغل رئيسي، يحد من قدرة الاقتصاد على استيعاب القوى العاملة المتزايدة، معتبرا أن "هذا النموذج بطبيعته لا ينتج فرص عمل كافية ومستدامة مهما توسعت المؤسسات التعليمية".
وختم بالتأكيد على أن معالجة الأزمة تتطلب تحولا اقتصاديا تدريجيا نحو نموذج إنتاجي متنوع، يقوم على تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات الخاصة، إلى جانب إصلاح جذري في منظومة التعليم وربطها المباشر بسوق العمل، محذرا من أن "استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل دوري ومتفاقم".
ضعف البيئة التشريعية والدعم المؤسسي
من جانبه، يرى استاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي ان "الاقتصاد العراقي لا ترتبط بغياب المؤسسات المسؤولة عن التخطيط بقدر ارتباطه بضعف فاعلية هذا التخطيط على أرض الواقع. فبرغم وجود جهات رسمية معنية بوضع الاستراتيجيات التنموية، وفي مقدمتها وزارة التخطيط، إلا أن الفجوة ما تزال واسعة بين ما يُرسم على الورق وما يُنفذ فعلياً، الأمر الذي أدى إلى فقدان البوصلة التخطيطية القادرة على ربط الموارد المتاحة بالأهداف المرجوة والنتائج المتحققة".
ويضيف السعدي لـ"طريق الشعب"، أن "المشكلة لا تقتصر على الاعتماد على النفط فحسب، بل تتجسد أيضا في غياب رؤية طويلة الأمد لتحويل العائدات النفطية إلى استثمارات إنتاجية قادرة على دعم قطاعات الصناعة والزراعة والاقتصاد المعرفي".
ويلفت إلى أن الجزء الأكبر من هذه العائدات اتجه خلال السنوات الماضية نحو الإنفاق التشغيلي وتوسيع الجهاز الحكومي، بدلاً من توظيفه في مشاريع تنموية مستدامة.
وفي المقابل، يواجه القطاع الخاص تحديات كبيرة تحد من قدرته على النمو والمنافسة، أبرزها البيروقراطية وتعقيد الإجراءات وضعف البيئة التشريعية والدعم المؤسسي، ما انعكس على هيكل سوق العمل وأسهم في تفاقم معدلات البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب.
ويؤكد الخبير أن عملية التخطيط الاقتصادي في العراق تعاني أيضاً من ضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، فضلاً عن محدودية الاعتماد على البيانات والمؤشرات الحديثة في صناعة القرار.
ويبين أن التخطيط المعاصر لم يعد مجرد وضع أهداف عامة، بل أصبح يعتمد على قواعد بيانات دقيقة ومؤشرات أداء وآليات متابعة وتقييم مستمرة.
ويؤكد أن العراق لا يعاني من نقص في الموارد أو الفرص الاقتصادية، بل من ضعف القدرة على إدارتها وتوظيفها بالشكل الذي يحولها إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.