اخر الاخبار

رغم المشاريع العديدة التي أُنجزت ضمن خطة فك الاختناقات المرورية، لا يزال الازدحام في شوارع بغداد يشكل تحدياً يومياً للمواطنين، وسط آراء تؤكد أن المجسرات أسهمت في تخفيف الزخم عند بعض التقاطعات، لكنها لم تُحدث انفراجاً شاملاً في الحركة المرورية، بل نقلت الاختناقات إلى مناطق أخرى، ما يعزز الحاجة إلى حلول استراتيجية بعيدة المدى.

هدر للاستقرار الدراسي والمعيشي

يقول الطالب الجامعي محمود إن أزمة الازدحام المروري باتت تؤثر بصورة مباشرة على حياته اليومية، إذ يضطر إلى مغادرة الجامعة مبكراً باستمرار ليتمكن من الوصول إلى عمله في الوقت المحدد، إلا أنه رغم ذلك يتأخر في كثير من الأحيان بسبب الاختناقات المرورية.

وأوضح أن هذا التأخير المتكرر انعكس على وضعه الوظيفي، حيث يتعرض إلى خصومات من راتبه نتيجة عدم الالتزام بمواعيد الدوام، مضيفاً أن "الازدحام لم يعد مجرد وقت ضائع، بل أصبح يهدد استقراري الدراسي والمعيشي في آن واحد".

المجسرات خففت الأزمة... لكنها لم تُنهها

من جانبه، أكد مهندس البلديات سلوان الآغا أن المجسرات التي أُنشئت ضمن المنهاج الحكومي المنتهية ولايته برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أسهمت في معالجة الاختناقات المرورية في التقاطعات التي أُقيمت فيها، لكنها لم تُنهِ أزمة الازدحام في العاصمة بشكل عام، إذ ما تزال التقاطعات التي لم تشملها المشاريع تعاني من زخم مروري متكرر.

وأوضح الآغا في حديث لـ"طريق الشعب" أن كفاءة أي مجسر تُقاس بقدرته على تقليل زمن الرحلات وفك الاختناقات، مبيناً أن جميع المشاريع خضعت لدراسات مرورية مسبقة، إلا أن بعض المجسرات لم تحقق مستوى الكفاءة المأمول قياساً بحجم الأموال التي أُنفقت عليها.

وأشار إلى أن بغداد، بوصفها مدينة ذات كثافة سكانية مرتفعة، تحتاج إلى حلول استراتيجية تتجاوز إنشاء المجسرات، وفي مقدمتها استحداث مراكز ثقل إدارية وتجارية واقتصادية خارج مركز المدينة، بما يسهم في توزيع حركة المواطنين وتقليل الضغط على المناطق الرئيسة.

وأضاف أن هذه الحلول تتطلب أيضاً إعادة توزيع المؤسسات الحكومية والوزارات والمجمعات الوزارية والهيئات المستقلة، فضلاً عن دراسة إمكانية نقل بعض المراكز السيادية والإدارية لتحقيق توازن أفضل في الحركة داخل العاصمة.

وأكد أهمية استكمال شبكة الطرق الحلقية والطرق الشريانية التي تربط أطراف بغداد، بما يسمح باستيعاب حركة المركبات التجارية والخاصة ويقلل من دخولها إلى المناطق المكتظة. ودعا إلى إعداد دراسة شاملة لواقع المدينة، تتضمن تحليل مراكز الثقل الإداري والاقتصادي والتجاري وإعادة توزيعها وفق رؤية تخطيطية حديثة، مع إعادة تقييم الحاجة إلى إنشاء مجسرات جديدة استناداً إلى نتائج تلك الدراسات، بما يضمن تحقيق الجدوى المرورية والاقتصادية وتعظيم الاستفادة من الأموال المخصصة لمشاريع البنية التحتية. ويرى الآغا أن معالجة أزمة المرور في بغداد تتطلب رؤية تخطيطية متكاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية وإعادة تنظيم استخدامات المدينة وتوزيع الأنشطة الحكومية والاقتصادية، بما يحقق حلولاً مستدامة تتناسب مع حجم العاصمة ونموها السكاني المتسارع.

الوزارة: المشاريع حققت نتائج ملموسة

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان نبيل الصفار إن مشاريع فك الاختناقات المرورية أسهمت بالفعل في معالجة الزخم عند التقاطعات التي أُنجزت فيها، مؤكداً أن المواطنين لمسوا هذا التحسن بصورة واضحة.

وأضاف في حديث خص به "طريق الشعب" أن العمل ما يزال مستمراً في عدد من المشاريع، مشيراً إلى أن مشاريع إنشاء الجسور الرابطة بين الكرخ والرصافة، والبالغ عددها ستة جسور، تشمل جسر الجادرية الثاني، وجسر غزة في الزعفرانية، وجسر الصرافية الثاني، والجسرين الموازيين للجسر المعلق، إضافة إلى جسر الكريعات في الكاظمية الذي أُعلن مؤخراً عن بدء العمل فيه.

وأوضح أن بغداد لم تشهد إنشاء جسر عابر لنهر دجلة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأن هذه الجسور ستوفر محاور ربط جديدة بين جانبي الكرخ والرصافة، بما يسهم في تخفيف الاختناقات المرورية.

وأشار الصفار إلى افتتاح 11 مشروعاً بشكل كامل من أصل 16 مشروعاً ضمن الحزمة الأولى، شملت مشاريع مجسر فائق حسن (الفنون الجميلة)، ومجسر قرطبة، ومجسرات ربط الداخل بحي المهندسين في شارع فلسطين، ومجسرات ربط منطقة جميلة بباب المعظم، وربط سريع محمد القاسم بطريق قناة الجيش من جهة الرستمية، ومجسرات الدورة – السيدية، ومجسرات الفضيلية – القدس – تقاطع العبور، ومجسرات ساحتي عدن وصنعاء، وتقاطع معسكر الرشيد، ومجسرات طوبجي – شالجية، وساحة النسور.

وأضاف أن أربعة مشاريع ضمن الحزمة الثانية دخلت مرحلة التنفيذ، وهي جسر الصرافية الثاني، وتقاطع محكمة بغداد الجديدة (الأمن العامة في البلديات) الذي يتضمن ثلاثة مجسرات، وجسر الكريعات مع الطريق الرابط إلى سريع قناة الجيش، ومجسر شارع 60 في منطقة الدورة.

ولفت إلى أنه من المقرر افتتاح مشروع الطلائع خلال شهر تشرين الأول المقبل، لتتبقى أربعة مشاريع فقط ضمن الحزمة الحالية، بعضها افتتح جزء منه بالفعل، مثل مجسر المصافي ضمن مشروع ربط الطابقين بالجسر المعلق، ومجسر الزعفرانية ضمن مشروع جسر غزة، ومجسر السريدات ضمن مشروع ربط طريق محمد القاسم بطريق بغداد – كركوك.

حلول أشمل من المجسرات

بدوره، قال اختصاصي هندسة الطرق والجسور ليث علي إن المجسرات التي افتُتحت خلال الفترة الأخيرة أسهمت في تحسين انسيابية الحركة المرورية في عدد من التقاطعات التي كانت تمثل نقاط اختناق رئيسة داخل العاصمة، لكنها لا تمثل حلاً نهائياً لأزمة الازدحام.

وأوضح لـ"طريق الشعب" أن المجسر يعالج مشكلة مرورية في موقع محدد، لكنه قد يؤدي إلى زيادة تدفق المركبات نحو تقاطعات أو شوارع أخرى غير مهيأة لاستيعاب الأحجام الجديدة من الحركة، لذلك قد ينخفض الزحام في منطقة مقابل ازدياده في منطقة أخرى.

وأضاف أن بغداد تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في الارتفاع المستمر بأعداد المركبات، في وقت لم تشهد فيه المدينة توسعاً موازياً في شبكة الطرق أو تطوراً كافياً في منظومة النقل العام، الأمر الذي يجعل تأثير المشاريع المرورية محدوداً على المدى البعيد إذا لم يكن جزءاً من خطة شاملة لإدارة الحركة.

وأشار إلى أن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل تطوير النقل الجماعي، وتنظيم مداخل ومخارج المناطق التجارية، وتحسين إدارة الإشارات المرورية، فضلاً عن تنفيذ مشاريع طرق استراتيجية تربط أجزاء المدينة المختلفة، مؤكداً أن نجاح أي مشروع مروري يُقاس بتأثيره على الشبكة المرورية بأكملها، وليس على موقع المشروع فقط.

وختم بالقول إن هذه المقترحات طُرحت مراراً أمام وسائل الإعلام والجهات الرسمية، إلا أنها بقيت ضمن إطار النقاش ولم تُترجم حتى الآن إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.