اخر الاخبار

لم تعد موجات الحر مجرد ظرف مناخي عابر، بل تحولت إلى عامل مؤثر في حياة آلاف العمال الذين يواصلون أعمالهم في بيئات مكشوفة أو ظروف تفتقر إلى وسائل الحماية، وسط تساؤلات عن قدرة القوانين وإجراءات السلامة المهنية على توفير حماية حقيقية لهم.

قانون لا يحمي العمال

يقول أحمد الجناحي، ناشط عمالي، إن ارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الصيف، خصوصا في اشهر تموز وآب وأيلول، فرض واقعا صعبا على الكثير من العمال، لاسيما العاملين في المهن التي تتطلب جهدا بدنيا أو العمل في الأماكن المكشوفة، مبينا أن بعض العمال باتوا يفضلون العمل خلال ساعات الليل، تجنبا لذروة الحر، إلا أن هذا الخيار لا يكون متاحاً للجميع.

ويضيف أن المشكلة لا ترتبط فقط بارتفاع درجات الحرارة أو التعرض المباشر للشمس، وإنما تمتد إلى الظروف الاقتصادية التي يعيشها العامل، إذ إن الكثير منهم يضطرون إلى الاستمرار في العمل لساعات طويلة بسبب الحاجة إلى تأمين دخل يومي، حتى وإن كانت الظروف الصحية والبيئية غير مناسبة.

ويشير الجناحي إلى أن أجور العديد من العمال لا تتناسب مع حجم المعاناة والمخاطر التي يواجهونها، موضحاً أن العامل لا يتحمل فقط مشقة العمل في أجواء حارة، بل يتحمل أيضاً تكاليف النقل والاحتياجات اليومية، ما يجعل ارتفاع الحرارة عاملا إضافيا يزيد من صعوبة ظروفه المعيشية.

ويشير الجناحي إلى أن قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 يتضمن مبادئ تتعلق بحماية العامل وتوفير شروط السلامة والصحة المهنية، لكن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التطبيق والرقابة، إذ إن كثيراً من العمال لا يحصلون على الحماية الفعلية التي يفترض أن يوفرها القانون.

ويؤكد أن ارباب العمل مطالبون بالالتزام بإجراءات السلامة المهنية، ومنها تنظيم ساعات العمل في الظروف المناخية القاسية، توفير فترات راحة، مياه للشرب، ووسائل حماية مناسبة، مبيناً أن هذه الإجراءات ليست امتيازات وإنما حقوق أساسية للعامل ضمن بيئة العمل الآمنة.

ويتابع أن المشكلة تكون أكبر لدى العاملين في القطاع غير المنظم أو الذين يعملون بشكل يومي، لأنهم غالباً ما يفتقرون إلى العقود أو الجهات التي تدافع عن حقوقهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لتحمل مخاطر العمل دون حماية قانونية أو اجتماعية كافية.

غياب المنظومة الفاعلة للسلامة المهنية

رؤى خلف، حقوقية وناشطة عمالية، تقول أن المشكلة لا تقتصر على التعرض المباشر لأشعة الشمس أو الظروف المناخية القاسية فقط، بل تتعدى ذلك إلى غياب منظومة متكاملة وفاعلة للسلامة المهنية داخل بيئات العمل.

وتضيف خلف أن المعايير الواجب توفرها مثل ملابس عمل مناسبة، وتحديد ساعات عمل تتلاءم مع درجات الحرارة، أو حتى اعتماد نظام تبديل الشفتات خلال موجات الحر الشديد، غالباً ما تبقى غير مطبقة على أرض الواقع.

وتبين خلف لـ"طريق الشعب"، إن الفجوة بين التشريعات الموجودة والتطبيق الفعلي تمثل جوهر المشكلة، إذ إن العديد من بيئات العمل تفتقر إلى آليات رقابية تضمن الالتزام بإجراءات السلامة، ما يجعلالعامل الطرف الأكثر تضرراً.

وتتابع حديثها: "لا تقتصر هذه الإشكالية على العاملين ضمن شركات أو عقود رسمية، بل تمتد لتشمل العاملين لحسابهم الخاص والعاملين في القطاع غير المنظم، الذين غالباً ما يعملون في ظروف أكثر هشاشة، وفي ظل غياب الحماية القانونية والاجتماعية.

 وترى خلف، أن هذا الواقع يعكس أيضاً ضعفاً في أداء النقابات والاتحادات العمالية، التي يُفترض أن تلعب دورا أوسع في متابعة أوضاع جميع فئات العمال دون استثناء، سواء كانوا ضمن مؤسسات منظمة أو يعملون بشكل فردي.

وتؤكد أن ما يعرف بـالعقد أو العلاقة التعاقدية الرسمية لا تعني بالضرورة توفر شروط العمل اللائق، إذ قد يظل العامل في بعض الحالات خاضعا لظروف عمل قاسية وغير آمنة، حتى داخل شركات أو مشاريع منظمة. وتشير إلى أن مفهوم العمل المنظم يتجاوز الورقة التعاقدية ليشمل منظومة متكاملة من الالتزامات القانونية والحقوقية، وهو ما لا يتحقق بشكل كامل في العديد من بيئات العمل.

كما تلفت إلى أن مؤشرات عدم الالتزام بقوانين العمل والاتفاقيات الدولية الخاصة بالعمل اللائق ما تزال مرتفعة، ما يعكس فجوة واضحة في تطبيق التشريعات النافذة، وعلى رأسها قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، إلى جانب ضعف تفعيل دور لجان التفتيش الرقابية.

وتطرح خلف دعوات إلى ضرورة تفعيل جهاز التفتيش العمالي بشكل أكثر فاعلية، وتعزيز دور اللجان المشتركة التي تضم ممثلين عن الجهات النقابية والاتحادات، بما يتيح رقابة ميدانية حقيقية على بيئات العمل وظروفه، سواء في القطاع المنظم أو غير المنظم.

كما تشدد على أهمية ضمان حرية العمل النقابي باعتبارها ركيزة أساسية لتحسين أوضاع العمال، إذ يُنظر إليها كأداة محورية في الدفاع عن الحقوق وتفعيل الرقابة المجتمعية والمهنية على أصحاب العمل.

وتخلص هذه القراءات إلى أن تحسين واقع العمل في العراق لا يرتبط فقط بتحديث القوانين، بل يتطلب بالأساس إرادة تنفيذية واضحة، وتفعيل أدوات الرقابة، وتعزيز دور النقابات، بما يضمن بيئة عمل أكثر أمانا وعدالة، ويحد من المخاطر الصحية والاقتصادية التي يتحملها العاملون يومياً، خصوصاً في ظل الظروف المناخية القاسية التي تتكرر كل عام.

إجهاد حراري

تقول علياء جواد، متخصصة في تقديم دورات تدريبية حول السلامة المهنية: ان ارتفاع درجات الحرارة أصبح من المخاطر التي يجب التعامل معها ضمن منظومة السلامة المهنية، خصوصاً أن العاملين في الأماكن المكشوفة أو البيئات ذات الحرارة العالية يكونون أكثر عرضة للإجهاد الحراري الذي قد يؤثر على صحتهم وتركيزهم أثناء العمل.

وتضيف جواد لـ"طريق الشعب"، أن أبرز المخاطر التي تواجه العاملين خلال فترات الحر الشديد هي الجفاف، الإجهاد الحراري، انخفاض القدرة على التركيز، دوّار، وقد تصل بعض الحالات إلى الإصابة بضربة شمس، مبينة أن هذه المخاطر لا تؤثر فقط على صحة العامل، بل قد تزيد من احتمالية وقوع الحوادث بسبب ضعف الانتباه وبطء الاستجابة.

وتشير جواد إلى أن حماية العمال تتطلب من أصحاب العمل اتخاذ إجراءات واضحة منها تنظيم أوقات العمل خلال ساعات الذروة، توفير فترات استراحة منتظمة، توفير مياه للشرب وتأمين أماكن مظللة أو بيئة أكثر أمان للعاملين، فضلاً عن تدريب العمال على كيفية التعامل مع مخاطر الحرارة.

وتلفت إلى أن معرفة علامات الإجهاد الحراري أمر ضروري إذ إن ظهور أعراض مثل التعب الشديد، الصداع التعرق المفرط، الدوخة أو فقدان التوازن هي إشارات تستوجب إيقاف العمل ونقل العامل إلى مكان بارد وتقديم الرعاية اللازمة، مؤكدة أن التدخل المبكر يقلل من خطورة الحالة.

وتضيف أن السلامة المهنية في العراق ما زالت بحاجة إلى اهتمام أكبر، فمع ارتفاع درجات الحرارة سنوياً يجب أن تكون هناك تعليمات أكثر وضوحاً وإجراءات إلزامية تلزم أماكن العمل بحماية العمال، لأن توفير بيئة عمل آمنة ليس إجراء اختيارياً بل جزء أساسي من حقوق العامل، خاصة ان أجور العامل لا تغطي تكاليف رعايتهم الصحية اذا تعرضوا لانتكاسة بسبب العمل.