اخر الاخبار

في ظل الجهود الرامية لتطوير البيئة الانتخابية في العراق وتعزيز كفاءتها وشفافيتها، يبرز مقترح اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة كوثيقة رسمية وحيدة في عملية التصويت، كأحد التوجهات الإصلاحية التي تحظى باهتمام متزايد من الأوساط السياسية والتشريعية.

وفي سياق السعي الى تبسيط إجراءات الاقتراع، وتوحيد أدوات التحقق من هوية الناخبين، وتقليل التعقيدات الإدارية والحد من الكلف التشغيلية التي ترافق كل عملية انتخابية، فضلاً عن دعم جهود توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الاستحقاقات الدستورية، تطالب جهات عدة باعتماد المقترح.

ويستند هذا التوجه بحسب المقترح إلى رؤية إصلاحية تهدف إلى تعزيز ثقة الناخب بالعملية الانتخابية من خلال اعتماد وثيقة وطنية موحدة تتميز بالانتشار الواسع وسهولة الاستخدام، بما ينسجم مع متطلبات التحديث الإداري والتحول نحو أنظمة أكثر كفاءة وفاعلية.

تفاصيل المقترح

ويتناول مقترح اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة كوثيقة رسمية وحيدة في عملية الاقتراع، بصورة تفصيلية، إعادة هيكلة آلية التحقق من هوية الناخبين، عبر استبدال تعدد الوثائق المعمول بها حالياً بوثيقة موحدة تتمثل بالبطاقة الوطنية، بما ينسجم مع توجهات تحديث الأنظمة الإدارية والانتخابية.

ويستند المقترح إلى جملة من المبررات، في مقدمتها توحيد قاعدة بيانات الناخبين وربطها بشكل مباشر مع السجل المدني، بما يحد من حالات التكرار أو التضارب في المعلومات، ويعزز من دقة إجراءات التحقق داخل مراكز الاقتراع.

كما يتناول المقترح الجوانب التشغيلية للعملية الانتخابية، من خلال تبسيط إجراءات التسجيل والتصويت وتقليل الوقت المستغرق في تدقيق هوية الناخب، الأمر الذي من شأنه المساهمة في انسيابية أكبر داخل المراكز الانتخابية، وتقليل الزخم الحاصل في يوم الاقتراع.

ويشير إلى الأثر المالي المتوقع، حيث يساهم الاعتماد على البطاقة الوطنية في خفض التكاليف المرتبطة بإصدار وتحديث البطاقات البيومترية وإدارة أنظمة متعددة للتحقق.

وفي جانب آخر، يركز المقترح على البعد المتعلق بتوسيع قاعدة المشاركة الانتخابية، باعتبار أن البطاقة الوطنية الموحدة وثيقة متاحة لشريحة واسعة من المواطنين، ما قد يسهم في تقليل العوائق أمام الناخبين الذين يواجهون صعوبات في تحديث بياناتهم أو الحصول على البطاقات البيومترية.

كما يتناول إمكانية تعزيز كفاءة الأجهزة التقنية المستخدمة في مراكز الاقتراع عبر اعتماد نظام تحقق موحد ومتكامل.

ومع ذلك، يلحظ المقترح ضرورة استكمال المتطلبات القانونية والتنظيمية اللازمة، بما في ذلك بحث امكانية إلى تعديل قانون الانتخابات أو إصدار تعليمات تنظيمية من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لضمان انسجام هذا التحول مع الإطار التشريعي النافذ، وتوفير ضمانات دقة البيانات وسلامة الإجراءات الانتخابية.

اعتمادها مرهون بضمانات كافية

من جهته، أكد عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي العراقي، الرفيق علي صاحب، أن البطاقة الوطنية الموحدة تمثل وثيقة أساسية معتمدة في عموم البلاد، مشيراً إلى أن نسب الشمول بإصدارها وصلت إلى مراحل متقدمة، الأمر الذي يجعل اعتمادها في الاستحقاق الانتخابي المقبل أمراً طبيعياً ومنسجماً مع واقع التسجيل المدني في العراق.

وقال صاحب إن البطاقة الوطنية تتضمن جميع المعلومات المطلوبة لإثبات أهلية المواطن وقدرته على ممارسة حقه في الانتخاب، لافتاً إلى أن عدداً من العمليات الانتخابية السابقة شهدت حرمان ملايين العراقيين من المشاركة بسبب إجراءات تنظيمية يمكن تجاوزها.

وأضاف أن الأساس في أي عملية انتخابية يجب أن يكون ضمان مشاركة جميع العراقيين وعدم إيجاد معرقلات أو اشتراطات تحد من حقهم الدستوري في الإدلاء بأصواتهم.

وشدد صاحب على ضرورة توفير الضمانات الكافية عند اعتماد البطاقة الوطنية في الاقتراع، بما يمنع أي استغلال محتمل أو وجود ثغرات قد تؤثر في استقلالية العملية الانتخابية أو تتيح للسلطة التنفيذية التأثير على مجرياتها، مؤكداً أهمية الحفاظ على نزاهة الانتخابات وثقة المواطنين بنتائجها.

ما هي ابرز التحديات؟

في هذا الصدد، قال الخبير في الشأن الانتخابي دريد توفيق أن مقترح اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في عملية الاقتراع يحمل جملة من الإيجابيات، أبرزها إمكانية رفع نسبة المشاركة الانتخابية، لافتاً إلى أن هناك شريحة من المواطنين لم تتمكن من الحصول على البطاقة البايومترية، الأمر الذي حال دون مشاركتها في الانتخابات السابقة.

واوضح دريد لـ"طريق الشعب"، أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة قد يسهم أيضاً في تقليل الأعباء المالية المترتبة على العملية الانتخابية، إذ إن البطاقات البايومترية تُطبع خارج العراق وتستلزم تكاليف مالية مرتفعة، في حين يمكن الاستفادة من البطاقة الوطنية المتوفرة مسبقاً لدى المواطنين.

وفي المقابل، أشار توفيق إلى وجود جملة من الإشكالات القانونية والفنية التي قد تعيق تطبيق هذا المقترح. فمن الناحية القانونية، يرى أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة بصورة مباشرة قد يتعارض مع مبدأ استقلالية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، المنصوص عليه دستورياً، لأن سجل الناخبين سيصبح مرتبطاً ببيانات تديرها وزارة الداخلية بوصفها جهة حكومية، ما قد يثير تساؤلات بشأن الجهة المسؤولة عن إدارة السجل الانتخابي والإشراف عليه.

أما من الناحية الفنية، فأوضح أن البطاقة الوطنية الموحدة لا تتضمن معلومات تتعلق بمركز الاقتراع أو محطة التصويت الخاصة بالناخب، خلافاً للبطاقة البايومترية التي ترتبط بسجل انتخابي يحدد مكان التصويت بدقة. وبين أن هذا الأمر قد يخلق إشكالية في تحديد المراكز التي يحق للناخبين الإدلاء بأصواتهم فيها، ما لم يتم استحداث آلية فنية وإدارية واضحة لمعالجة هذه المسألة.

وختم توفيق بالقول إن نجاح أي توجه لاعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات يتطلب إيجاد حلول قانونية وفنية مسبقة تضمن الحفاظ على استقلالية السجل الانتخابي وتحديد أماكن تصويت الناخبين بصورة دقيقة، مؤكداً أن هذين الجانبين يمثلان أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ المقترح.

يُوسّع عدد المشاركين في الانتخابات

اما أستاذ القانون الدستوري وائل منذر فيعتقد أن أي مقترح قانون يُقدَّم من مجلس النواب يجب، من حيث الأصل، أن يحظى بتوقيع ما لا يقل عن عشرة نواب أو أن يتم تبنيه من إحدى اللجان النيابية المختصة، مشيراً إلى أنه متى ما تحقق أحد هذين الشرطين فإن رئيس مجلس النواب يكون ملزماً بإحالته إلى اللجنة المعنية، وهي اللجنة القانونية، لدراسة مدى إمكانية تشريعه من الناحية القانونية بعد استكمال الإجراءات داخل هيئة رئاسة المجلس.

وقال منذر لـ"طريق الشعب"، أن المقترح الخاص باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات لا يتضمن فكرة جديدة بالكامل، إذ إن قانون الانتخابات النافذ يلزم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالتنسيق مع وزارة الداخلية بشأن اعتماد البطاقة الوطنية في الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس المحافظات.

وبين أن التعديل المقترح ينقل المسألة من إطار التنسيق الإداري بين الجهتين إلى إطار الإلزام القانوني، بحيث تصبح البطاقة الوطنية الموحدة الوثيقة المعتمدة حصراً في عملية الاقتراع.

وأضاف أن تطبيق هذا المقترح يتطلب استكمال عدد من المتطلبات الفنية، أبرزها تفعيل آليات تبادل البيانات بين وزارة الداخلية والمفوضية، بما يتيح تزويد الأخيرة بجميع المعلومات المرتبطة بالبطاقة الوطنية الموحدة. كما يستوجب الأمر تهيئة أجهزة التحقق الإلكتروني المستخدمة من قبل المفوضية، لتتمكن من قراءة بيانات البطاقة الوطنية والتعامل معها بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن ذلك قد يتطلب إبرام تعاقدات جديدة مع الجهات المنتجة لأجهزة التحقق الإلكتروني والشركات المعنية بالبطاقة الوطنية، لإجراء التعديلات البرمجية اللازمة وضمان توافق الأنظمة المستخدمة في العملية الانتخابية مع البيانات المخزنة في البطاقة.

وبيّن منذر أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة من شأنه توسيع قاعدة المشاركة الانتخابية، سواء داخل العراق أو خارجه، لاسيما بالنسبة للمواطنين الذين لم يتمكنوا من الحصول على البطاقة البايومترية خلال الدورات الانتخابية السابقة، الأمر الذي قد يسهم في زيادة أعداد المشاركين في التصويت.

وفي ما يتعلق بمخاوف التلاعب الانتخابي، أوضح أن حالات التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين أو ما يُعرف بشراء الأصوات تتم غالباً خارج مراكز الاقتراع، ولا ترتبط بنوع الوثيقة المستخدمة في التصويت، مؤكداً أن تغيير البطاقة المعتمدة لن يكون له أثر جوهري في هذا الجانب.

ولفت إلى أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة ينطوي على أعباء مالية إضافية تتمثل في ضرورة تطوير الأنظمة الإلكترونية وإجراء التعاقدات الفنية المطلوبة، إلا أنه في المقابل قد يسهم في تقليل النفقات المرتبطة بإنتاج وتحديث البطاقات البايومترية، ما يعني وجود كلف إضافية من جهة ووفر مالي من جهة أخرى.

وأوضح أن اعتماد البطاقة الوطنية سيؤدي كذلك إلى توسيع قاعدة السجل الانتخابي ليشمل جميع حاملي البطاقة الوطنية الموحدة، ما يرفع عدد المسجلين المحتملين مقارنة بالسجل المعتمد حالياً على البطاقة البايومترية.

وختم منذر بالقول إن المقترح، إذا ما أُقرّ، سيستلزم تعديل قانون الانتخابات النافذ بسبب ما يرتبه من التزامات قانونية وفنية جديدة.

مراقبة: المفوصية ملزمة باعتماد "الوطنية"

في حين نبه المختص في الشأن الانتخابي هوگر جتو، إلى ان ملف البطاقة الوطنية الموحدة يُعد من الملفات المهمة والحساسة في سياق تطوير العملية الانتخابية، مشيراً إلى وجود نصوص قانونية تُلزم المفوضية بالعمل على اعتماد البطاقة الوطنية بالتنسيق مع وزارة الداخلية.

وأوضح جتو أن اللجان التي شُكّلت منذ عام 2019 وحتى الآن لم تتمكن من التوصل إلى نتائج حاسمة في هذا الملف، مرجعاً ذلك إلى أن بيانات البطاقة الوطنية ليست مصممة بالأساس لتتوافق مع متطلبات النظام الانتخابي، ولا ترتبط مباشرة بالمراكز والمحطات الانتخابية المعتمدة في العملية الاقتراعية.

وبيّن أن البطاقة الوطنية تتضمن بيانات أساسية مثل الاسم وتاريخ الميلاد، إلا أنها لا تحتوي على تفاصيل انتخابية دقيقة كالمركز أو المحطة الانتخابية، وهو ما يتطلب – بحسب تعبيره – جهداً تقنياً إضافياً لدمجها مع النظام الإلكتروني المعتمد لدى المفوضية.

وفي هذا السياق، أشار جتو إلى أن التحدي الأبرز لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى مسألة إدارة البيانات والجهة التي ستتولى الإشراف عليها، متسائلاً عن مدى إمكانية نقل أو مشاركة قاعدة بيانات الناخبين مع وزارة الداخلية، في ظل كون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات جهة دستورية مستقلة ومحايدة.

واعتبر أن بيانات الناخبين تمثل أحد الأعمدة الأساسية في أي عملية انتخابية، ما يجعل مسألة حمايتها وضمان دقتها أمراً بالغ الأهمية، داعياً إلى نقاش معمق حول آليات إدارة هذه البيانات، وضمان بقاء السيطرة عليها ضمن إطار يحقق الاستقلالية والحياد.

وخلص جتو إلى التأكيد على أن الإشكالية لا تكمن فقط في إمكانية ربط البطاقة الوطنية بالعملية الانتخابية، بل في كيفية ضمان سلامة بيانات الناخبين، وآلية إدارة هذه البيانات ضمن نظام إلكتروني موحد يحقق التوازن بين متطلبات التحديث التقني وضمانات النزاهة والاستقلالية.

ويبرز مقترح اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة كوثيقة وحيدة للتصويت في الانتخابات العراقية ضمن مساعي تطوير العملية الانتخابية وتوسيع المشاركة الشعبية، من خلال تبسيط إجراءات الاقتراع والاستغناء عن شرط البطاقة البايومترية. ويُتوقع أن يسهم المقترح في زيادة أعداد الناخبين وتقليل بعض التكاليف الإدارية والتشغيلية المرتبطة بإدارة السجل الانتخابي وإصدار البطاقات الانتخابية، مستفيداً من الانتشار الواسع للبطاقة الوطنية بين المواطنين.

في المقابل، يواجه المقترح تحديات قانونية وفنية تتعلق بآليات ربط بيانات الناخبين بالسجل المدني، وضمان استقلالية إدارة السجل الانتخابي، فضلاً عن الحاجة إلى تطوير الأنظمة الإلكترونية المستخدمة في التحقق من هوية الناخبين وتحديد مراكز ومحطات الاقتراع. كما يتطلب تطبيقه استكمال متطلبات تشريعية وتنظيمية وتقنية تضمن سلامة البيانات ونزاهة العملية الانتخابية، بما يحقق التوازن بين توسيع المشاركة الشعبية والحفاظ على موثوقية الانتخابات وشفافيتها.