اخر الاخبار

مع استمرار التحديات التي تواجه قطاع البنى التحتية في العراق، عاد ملف تطوير شبكة الطرق إلى الواجهة بعد موافقة البنك الدولي على تمويل مشروع بقيمة 900 ملايين دولار، يهدف إلى تأهيل وتطوير ممرات النقل الاستراتيجية في البلاد.

وبينما يرى البنك الدولي أن المشروع يمثل خطوة مهمة لتعزيز الربط الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين كفاءة النقل، أثار القرار تساؤلات لدى مختصين في الشأن الاقتصادي بشأن توقيته وجدواه في ظل الأزمات المالية والخدمية التي يواجهها العراق.

فضلاً عن الجدل المتجدد حول أسباب بقاء البنى التحتية للطرق بحاجة إلى قروض وتمويلات خارجية، بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي والإنفاق الحكومي الضخم.

وبين الترحيب بالمردود التنموي للمشروع والانتقادات الموجهة لأولويات الإنفاق والإدارة الاقتصادية، تتباين قراءات الخبراء لمستقبل هذا التمويل وانعكاساته على الواقع العراقي.

تفاصيل القرض

هذا وأعلن البنك الدولي موافقته على تمويل مشروع بقيمة 900 مليون دولار لتحسين البنية التحتية للطرق في العراق، ضمن برنامج يهدف إلى تطوير الممرات الاقتصادية للنقل وتعزيز الربط بين المحافظات والمنافذ الحدودية.

ووفقاً للبنك، سيركز المشروع على إعادة تأهيل أجزاء من الطريقين السريعين (E1) و(E2)، وتحسين كفاءة شبكة النقل، وتقليل أوقات السفر وتكاليف الشحن، فضلاً عن توفير فرص عمل ودعم النشاط الاقتصادي.

كما يتوقع أن يستفيد من المشروع نحو 7.9 ملايين مواطن في مناطق مختلفة من البلاد، ضمن خطة طويلة الأمد لتحديث قطاع الطرق وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.

مرحلة حرجة وحساسة

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي أن تخصيص البنك الدولي مبلغ 900 مليون دولار لمشاريع تحسين الطرق في العراق، يُعد خطوة إيجابية من الناحية الفنية والتنموية، إلا أن توقيت الإعلان عنها يسلط الضوء على بطء الإجراءات الروتينية المعتمدة لدى المؤسسات المالية الدولية، والتي غالباً ما تؤخر اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليها أكثر إلحاحاً.

وتقول الشيخلي لـ"طريق الشعب"، أن البنى التحتية الخاصة بالطرق في العراق تعاني منذ سنوات من الحاجة إلى التطوير والتأهيل، ما يجعل مثل هذه المشاريع ضرورية لتحسين الواقع الخدمي ودعم النشاط الاقتصادي.

ويضيف أن هذا القرار يأتي في مرحلة يواجه فيها العراق تحديات مالية واقتصادية كبيرة وظروف استثنائية، تتطلب توجيه الموارد نحو مشاريع إنتاجية وخدمية قادرة على تحقيق أثر مباشر في التنمية.

ويشير إلى أن تمويل المشروع بصيغة آجلة وبفوائد محدودة ومقبولة يجعل المضي فيه خياراً معقولاً حالياً، خصوصاً أنه يوفر مكاسب فنية تتعلق بتطوير شبكة الطرق ورفع كفاءتها، فضلاً عن مساهمته في تحريك سوق العمل وامتصاص ولو جزء من البطالة من خلال فرص العمل التي ستنشأ مع بدء تنفيذ المشروع.

ويؤكد الشيخلي أن أهمية المشروع لا تلغي الحاجة إلى مراجعة آليات التمويل والتنفيذ لضمان عدم تكرار حالات التأخير، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من القروض والمشاريع الدولية بما ينسجم مع أولويات العراق التنموية والاقتصادية وظروفه.

عقدان من الفشل!

من جانبه، انتقد الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين التوجه نحو الاقتراض لتمويل مشاريع تحسين الطرق، في الوقت الذي يواجه فيه العراق أزمات اقتصادية ومالية أكثر إلحاحاً، معتبراً أن الإعلان عن تخصيص 900 مليون دولار لهذا الغرض يثير تساؤلات جوهرية بشأن أولويات الإنفاق الحكومي وإدارة الموارد خلال السنوات الماضية.

وقال حسين لـ"طريق الشعب"، إن الحديث عن الحاجة إلى تطوير البنى التحتية للطرق في عام 2026 يمثل بحد ذاته مؤشراً واضحاً على حجم الإخفاق المتراكم في إدارة الملف الخدمي، متسائلاً: “ما اذا كانت تفعل الحكومات المتعاقبة طوال أكثر من عشرين عاماً، ما تزال تبحث اليوم عن قروض خارجية لمعالجة مشكلات أساسية كان يفترض أن تُحسم منذ سنوات طويلة؟”.

وأضاف أن العراق أنفق مئات المليارات من الدولارات منذ عام 2003، وكان من المفترض أن يملك شبكة طرق حديثة وبنى تحتية متطورة تتناسب مع حجم الإيرادات النفطية التي دخلت خزينة الدولة، إلا أن الواقع الحالي يعكس فجوة كبيرة بين حجم الإنفاق والنتائج المتحققة على الأرض.

وأشار إلى أن البلاد تواجه تحديات أكثر إلحاحاً تتعلق بتنويع الاقتصاد، وتقليص البطالة، ومعالجة أزمة السكن، وإصلاح قطاعي الكهرباء والمياه، فضلاً عن تطوير القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تقلل من الاعتماد شبه الكامل على النفط، مبيناً أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتقدم على المشاريع التي كان يفترض إنجازها منذ سنوات طويلة.

وأكد حسين أن اللجوء إلى التمويل الخارجي لتطوير الطرق لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إنجازاً بقدر ما يكشف عن خلل مزمن في التخطيط والتنفيذ وإدارة الموارد العامة، داعياً إلى إجراء مراجعة شاملة لسياسات الإنفاق والاستثمار ومحاسبة الجهات التي أخفقت في بناء بنى تحتية مستدامة رغم توفر الموارد المالية الضخمة على مدى عقدين من الزمن.

سوء في إدارة الأولويات

من جهته، اعتبر المراقب للشأن الاقتصادي أحمد عبد الرزاق أن الحديث عن اقتراض 900 مليون دولار لتطوير شبكة الطرق يفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة السياسات الاقتصادية المعتمدة في العراق، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في توفر التمويل من عدمه، بل في غياب الرؤية الواضحة لإدارة الموارد وتحديد الأولويات التنموية.

وقال عبد الرزاق لـ"طريق الشعب"، إن الحكومات المتعاقبة اعتادت اللجوء إلى الحلول التمويلية بعد تفاقم المشكلات، بدلاً من التخطيط المبكر لمعالجتها، مشيراً إلى أن ملف الطرق لم يكن طارئاً أو مفاجئاً حتى يتم التعامل معه اليوم عبر قروض ومشاريع مؤجلة التنفيذ، بل هو من الملفات المعروفة التي رافقت الدولة العراقية طوال السنوات الماضية.

وأضاف أن القلق لا يرتبط فقط بحجم القرض، وإنما بقدرة المؤسسات الحكومية على ضمان تنفيذ المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة ومنع هدر الأموال أو تكرار ظاهرة المشاريع المتلكئة التي استنزفت الموازنات العامة دون نتائج ملموسة للمواطنين.

وأشار إلى أن العراق سجل خلال السنوات الأخيرة موازنات ضخمة وإيرادات نفطية استثنائية، وكان من الممكن استثمار جزء من تلك الموارد في إنشاء وتطوير البنى التحتية الأساسية دون الحاجة إلى تحميل الأجيال المقبلة أعباء مالية إضافية، متسائلاً عن الأسباب التي دفعت الدولة إلى تأجيل هذه الاستحقاقات التنموية حتى أصبحت مرتبطة بتمويل خارجي.

وأوضح أن أي مشروع تنموي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يأتي بعد سنوات طويلة من التأخير، لأن كلفته الاقتصادية والاجتماعية تكون قد تضاعفت، بينما تكون الدولة قد خسرت فرصاً كبيرة للنمو والاستثمار وتحسين بيئة الأعمال.

وخلص الى القول إن العراق يحتاج إلى مراجعة جذرية لآليات إدارة المال العام، لأن استمرار معالجة الإخفاقات المتراكمة عبر الاقتراض أو الحلول المتأخرة لن يؤدي إلى بناء اقتصاد مستدام، بل سيؤجل المشكلات ويضيف التزامات جديدة على الدولة في المستقبل.