في ظل الضغوط المالية المتزايدة وتنامي العجز في الموازنات العامة، عاد الحديث مجدداً عن بيع أصول الدولة بوصفه أحد الحلول المطروحة لتعزيز الإيرادات وتوفير السيولة اللازمة لتغطية النفقات الحكومية.
غير أن هذا التوجه يواجه اعتراضات واسعة من اصحاب الاختصاص وخبراء الاقتصاد والمراقبين الذين يرون فيه معالجة مؤقتة لأزمة هيكلية أعمق، قد تفضي الى التفريط بثروات وطنية تراكمت عبر عقود طويلة مقابل عوائد مالية آنية وسريعة الزوال.
ويحذر مختصون من أن اللجوء إلى بيع الأصول العامة لا يمثل إصلاحاً اقتصادياً بقدر ما يعكس عجزاً عن معالجة أسباب الخلل في الإدارة المالية والاقتصادية للدولة، مؤكدين أن المشكلة لا تكمن في ملكية هذه المؤسسات بقدر ارتباطها بسوء إدارتها وغياب الحوكمة والرقابة الفاعلة عليها.
ويؤكدون ان المشكلة الأساسية تكمن في السياسة الليبرالية الجديدة التي تتعمد تصفية القطاع العام بحجة دعم القطاع الخاص، وهذا ما نتجت عنه قلة وضعف الدعم الحكومي لهذه الشركات، وبالتالي باتت ثروة البلاد مهددة بالبيع الى أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة.
ويثير هذا التوجه مخاوف من انتقال أصول استراتيجية إلى جهات خاصة قد تضع الربحية فوق الاعتبارات التنموية والخدمية، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات وفرص العمل ومستقبل القطاعات الإنتاجية الوطنية.
وبينما تروج بعض الجهات لفكرة أن بيع الأصول أو خصخصتها لن يترك آثاراً ملموسة على المواطنين، يرى معارضون أن التداعيات قد تظهر تدريجياً من خلال ارتفاع الكلف التشغيلية والخدمية، وتراجع الدور الاقتصادي للدولة، فضلاً عن فقدان أدوات مهمة كانت تستخدم لتحقيق التوازن في السوق ودعم قطاعات حيوية.
ومع تصاعد هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى البدائل الممكنة التي تتيح إصلاح الشركات والمؤسسات العامة وتحويلها إلى كيانات منتجة دون التفريط بملكيتها أو التخلي عن دورها في دعم الاقتصاد
تحذير من التفريط بالمؤسسات العامة
في هذا السياق، حذر اتحاد نقابات عمال العراق من التوجهات الحكومية المحتملة الرامية إلى تحويل ملكية أو بيع مؤسسات القطاع العام الإنتاجية بحجة تراكم الديون والخسائر المالية، معتبراً أن هذه الإجراءات تُطرح تحت عناوين تخفيف الأعباء عن الدولة وإعادة هيكلة الاقتصاد، لكنها قد تفضي إلى التفريط بأصول استراتيجية تمثل ملكاً للشعب العراقي.
وقال الاتحاد في بيان حصلت عليه "طريق الشعب"، إن الخسائر التي تعاني منها مؤسسات القطاع العام ليست نتيجة لطبيعة ملكيتها العامة، وإنما هي حصيلة سنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد المالي والإداري وغياب التخطيط الاستراتيجي، فضلاً عن ضعف المساءلة وعدم محاسبة المسؤولين عن هدر المال العام.
وأكد أن معالجة الأزمات التي تواجه هذه المؤسسات لا تكون عبر بيعها أو تصفيتها، بل من خلال إصلاحها وإعادة تأهيلها وتطوير إدارتها، إلى جانب محاسبة الجهات والأشخاص الذين تسببوا بتراجع أدائها وبخسائرها المتراكمة.
وأشار الاتحاد إلى أن أي عملية لبيع الأصول الحكومية في ظل استمرار مستويات الفساد وضعف الرقابة والشفافية قد تتحول إلى منفذ جديد للتفريط بثروات العراقيين، عبر بيع مؤسسات وأصول استراتيجية بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية، محذراً من اعتماد حلول مالية قصيرة الأمد على حساب المصالح الوطنية بعيدة المدى.
وشدد على أن ضعف أداء بعض المؤسسات الحكومية لا يبرر التخلي عن الدور الاقتصادي للدولة، لاسيما في ظل التحديات التي ما زالت تواجه القطاع الخاص وعدم قدرته حالياً على تعويض الدور التنموي والتشغيلي الذي يؤديه القطاع العام.
ودعا اتحاد نقابات عمال العراق إلى وقف أي إجراءات متسرعة تستهدف بيع أو تصفية مؤسسات القطاع العام الإنتاجية، وإطلاق برنامج وطني شامل لإصلاحها وتطويرها على أساس الكفاءة والشفافية والمساءلة، فضلاً عن محاسبة المتسببين بالخسائر الناجمة عن الفساد وسوء الإدارة.
كما طالب بإشراك المنظمات النقابية والخبراء الاقتصاديين في أي حوارات أو قرارات تتعلق بمستقبل القطاع العام، واعتماد سياسات اقتصادية تحقق التوازن بين دور الدولة والقطاع الخاص بما يخدم التنمية المستدامة ويحفظ حقوق العمال والمصلحة الوطنية.
وجدد الاتحاد في ختام بيانه موقفه الرافض لبيع أصول الدولة بوصفه حلاً للأزمات الاقتصادية، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز كفاءتها، بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني وصون حقوق العاملين فيها
هل هذا الحل المأمول؟
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن "بيع أصول الدولة قد يكون أداة اقتصادية قابلة للاستخدام في ظروف محددة، لكنه لا يمثل حلاً حقيقياً للأزمات المالية التي تواجهها البلاد"، مؤكدا "ضرورة التمييز بين الإصلاح الهيكلي للاقتصاد والمالية العامة وبين اللجوء إلى الخصخصة كوسيلة سريعة لمعالجة عجز الموازنة".
وبين الهاشمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن استخدام عائدات بيع الأصول لتوفير السيولة اللازمة لتغطية الرواتب أو سد العجز المالي لا يعالج جذور المشكلة، لأن الدولة تتحول في هذه الحالة من امتلاك أصول استراتيجية تراكمت على مدى عقود إلى إيرادات مؤقتة تُنفق لمرة واحدة، فيما تبقى مشكلات الإنفاق والتشغيل قائمة كما هي.
وفي ما يتعلق بتأثير بيع الأصول على المواطنين، أشار الهاشمي إلى أن التأثير قد لا يكون مباشراً في البداية، لكنه يظهر لاحقاً من خلال ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات التي كانت تنتجها أو تدعمها الدولة، لاسيما في القطاعات ذات الطبيعة الاحتكارية أو الاستراتيجية مثل الحديد والصلب والفوسفات وغيرها.
وبين أن المستثمر الجديد يسعى بطبيعة الحال إلى تحقيق عوائد مالية وارباح، ما قد ينعكس على الأسعار والرسوم التي يتحملها المستهلك، فضلاً عن احتمالات تراجع مستوى الخدمات أو تسريح أعداد من العاملين إذا لم تُدَر عملية الخصخصة وفق ضوابط دقيقة ومدروسة.
وعن الأسباب التي تجعل بعض الشركات تحقق أرباحاً بعد انتقالها إلى القطاع الخاص، أوضح الهاشمي أن الإدارة الجديدة غالباً ما ستركز على رفع الكفاءة التشغيلية، وتقليل الهدر، وتحسين التسويق، وضبط العقود والتكاليف، وفرض الانضباط المالي، وهي عوامل تمنح القطاع الخاص أفضلية نسبية في الإدارة وتكشف عن الخلل الحكومي.
لكنه شدد على أن ذلك لا يبرر بيع الأصول أو تصفيتها بصورة متسرعة، داعياً إلى اعتماد برامج واضحة للإصلاح وإشراك القطاع الخاص من خلال نماذج الشراكة أو عقود التشغيل طويلة الأمد التي تضمن بقاء ملكية الأصول بيد الدولة مع الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل.
استبدال مورد دائم بإيراد مؤقت
من جهته، قال استاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن النقاش الدائر بشأن بيع أصول الدولة يجب أن يبتعد عن الطروحات والشعارات العامة، وأن ينطلق من تساؤل أساسي يتعلق بهدف هذه الإجراءات، وما إذا كانت تستهدف إصلاح الاقتصاد بشكل حقيقي أم مجرد معالجة أزمة مالية مؤقتة على حساب الأصول والثروات العامة.
وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، أن بيع الأصول لا يمثل بحد ذاته سياسة اقتصادية ناجحة، بل يعد أداة يمكن أن تكون مفيدة أو ضارة تبعاً لآليات استخدامها والأهداف التي تقف وراءها.
وتابع أن اللجوء إلى بيع الأصول من أجل سد العجز المالي أو تمويل النفقات التشغيلية يعني عملياً استبدال مورد دائم بإيراد مؤقت لمرة واحدة، وهو ما لا يشكل حلاً هيكلياً للمشكلات المالية التي تواجه الدولة، لافتاً إلى أن التجارب الدولية أظهرت وجود آثار مباشرة وغير مباشرة لمثل هذه الإجراءات.
وذكر أن تحول بعض الشركات من الخسارة إلى الربحية فور انتقال إدارتها إلى جهات أو مستثمرين معينين يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة المشكلة الحقيقية، موضحاً أن جوهر الأزمة لا يرتبط دائماً بملكية الدولة، بل بطريقة الإدارة والحوافز وآليات الحوكمة.
كما نبه إلى أن استمرار بعض المؤسسات في حالة تعثر مزمنة قد يثير الشكوك بشأن وجود توجهات تمهد لبيع تلك الأصول بأسعار تقل عن قيمتها الفعلية.
ودعا إلى إخضاع أي عملية لبيع الأصول الحكومية إلى ضمانات صارمة تشمل التقييم المستقل والشفاف للأصول، والإفصاح الكامل عن إجراءات البيع، وتفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية، ومنع تضارب المصالح، فضلاً عن ضمان توجيه العوائد المتحققة نحو مشاريع استثمارية وتنموية مستدامة بدلاً من استخدامها لتغطية النفقات التشغيلية قصيرة الأجل.
وختم السعدي بالقول إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بعدد الأصول التي يتم بيعها، وإنما بقدرة الدولة على بناء اقتصاد منتج ومتنوّع وعادل، يحافظ على الثروة العامة ويضمن إدارتها بكفاءة.
صلاحيات الحكومة ليست مطلقة
ومن الناحية القانونية، قال أستاذ القانون الدستوري د. وائل منذر، أن الحكومة، بوصفها السلطة التنفيذية، لا تمتلك صلاحية مطلقة للتصرف بأصول الدولة، لاسيما الأصول الاستراتيجية التي تعد ملكاً للشعب، مشيراً إلى أن أي إجراءات تتعلق بالأصول الأساسية، كالثروات النفطية والغازية والبنى التحتية الاستراتيجية، تتطلب إطاراً تشريعياً واضحاً ولا يمكن أن تستند إلى قرارات تنفيذية منفردة.
واضاف منذر لـ"طريق الشعب"، أن التعامل القانوني مع الأصول العامة يقتضي التمييز أولاً بين نقل الملكية بشكل نهائي وبين صيغ الاستثمار أو الشراكة مع القطاع الخاص، مبيناً أن الشراكات الاستثمارية تخضع لأحكام قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006، الذي ينظم آليات التعاقد بين الدولة والمستثمرين في مجالات التأهيل والتشغيل والمشاركة بالإنتاج، بما يسمح بدخول القطاع الخاص كشريك ضمن نسب وشروط محددة قانوناً.
وأشار إلى أن عمليات بيع أو إيجار أموال الدولة تخضع بدورها إلى قانون بيع وإيجار أموال الدولة، الذي يضع شروطاً وضوابط محددة للتصرف بالأصول الثابتة المملوكة للدولة، بما يضمن عدم التفريط بها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية النافذة.
وفي ما يتعلق بحماية المال العام، شدد منذر على أن التشريعات العراقية تلزم بتشكيل لجان تثمين متخصصة تضم خبراء لتقدير القيمة الحقيقية للأصول والعقارات الحكومية، مع الأخذ بنظر الاعتبار قيمتها السوقية والدفترية، لافتاً إلى أن الأصل في بيع العقارات الحكومية أن يتم من خلال المزايدات العلنية تحقيقاً لمبادئ الشفافية والمنافسة ومنع الإضرار بالمال العام.
وبيّن أن التعامل مع الشركات العامة يختلف عن بيع العقارات أو الموجودات الثابتة، إذ إن أي تغيير جوهري في طبيعة ملكية تلك الشركات أو تحويلها إلى شركات مساهمة أو تصفيتها يجب أن يتم وفق الأطر القانونية والتشريعية التي ينص عليها قانون الشركات العامة، أو من خلال تشريعات جديدة عند الحاجة.
وأكد منذر أن الحكومة لا تستطيع الانفراد بقرارات بيع الأصول العامة أو التصرف بها خارج الحدود التي رسمها القانون، موضحاً أن أي قرار يصدر بهذا الشأن من دون سند تشريعي كافٍ يمكن الطعن فيه أمام محكمة القضاء الإداري باعتبارها الجهة المختصة بالرقابة على مشروعية القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات التنفيذية.
وأضاف أن اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا يبقى ممكناً في الحالات التي يثار فيها تعارض بين الإجراءات المتخذة والنصوص الدستورية، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأموال العامة المنصوص عليها في المادة (27) من الدستور العراقي، مشيراً إلى أن مسار الطعن الدستوري يتطلب إثبات وجود مخالفة دستورية أو تعارض مع القوانين الاتحادية النافذة.